Skip to main content
عائلة أبو شمسية تسد الطريق احتجاجًا على اعتقال أبنائهم، تل رميدة، الخليل، 10.5.19.
Menu
المواضيع

روتين الاحتلال: عائلة فلسطينيّة من حيّ تلّ رميدة تعاني تنكيلًا شارك فيه جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود ومستوطنون

تقيم عائلة أبو شمسيّة في منطقة وسط البلد في مدينة الخليل. في عام 1984 أقيمت على بُعد أمتار معدودة من الحيّ مستوطنة "أدموت يشاي" ومنذ ذلك الحين حوّل عناصر قوّات الأمن والمستوطنون حياة السكّان إلى كابوس متواصل عبر سلسلة لا تنتهي من القيود المشدّدة على الحركة والتنكيل والاعتداءات العنيفة. عشرات الأسَر رحلت عن الحيّ بعد أن ضاقت ذرعًا بهذا الواقع. توصّل عماد أبو شمسيّة (49 عامًا) وزوجته فايزة (45 عامًا) إلى نتيجة مفادها أنّ بقاء ولديهما عوني (20 عامًا) ومحمد (17 عامًا) في الحيّ بات يشكّل خطرًا عليهما وهكذا انتقل الشابّان للسّكن لدى أقاربهما في بلدة العيزريّة شمال شرق القدس.

في يوم الجمعة الموافق 10.5.19 جاء عوني ومحمد إلى الحيّ لزيارة الأسرة. نحو السّاعة 18:00 خرجا معًا لشراء بعض الحاجيّات لوجبة الإفطار الرمضانيّ وكان برفقتهما صديق يُدعى طارق سلهب (19 عامًا) من سكّان الحيّ. في طريق عودتهم مرّت عنهما سيّارة تقلّ مستوطنين اثنين، رجلًا وامرأة. شغّل المستوطن صافرة السيّارة فلوّح عوني بأصبعه محتجًّا. ردًّا على ذلك أوقف المستوطن سيّارته وترجّل منها ثمّ أخذ يشتم عوني وحاول الاعتداء عليه وكذلك عوني شتمه بدوره. تصادف مرور جنديّ بلباس مدنيّ فتدخّل هذا وطالب كلًّا منهما بمواصلة طريقه. رافق محمد وعوني صديقهما طارق إلى منزل جدّه الواقع في آخر الشارع قبالة مدخل مستوطنة "أدموت يشاي". لاحقهما المستوطنان في سيّارتهما وتوقّفا عند مدخل المستوطنة وتحدّثنا إلى جنديّ كان يقف هناك. بعد ذلك تقدّم المستوطن والجندي من عوني وتطوّر الأمر إلى مواجهة بينه وبينهما. في هذه المرحلة وصل إلى المكان جنود آخرون. ركض محمد إلى منزله ليستدعي والديه وعندها وقعت مواجهات بين أفراد الأسرة من جهة والجنود والمستوطنين من جهة أخرى. خلال ذلك انتزع الجنود عنوة حجاب الوالدة، فايزة، عن رأسها.

فايزة أبو شمسيّة البالغة من العمر 45 عامًا وهي موظّفة في بلديّة الخليل أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، منال الجعبري، في 12.5.19، فوصفت ما حدث قائلة:

فايزة أبو شمسية في مدخل بيتها. تصوير: موسى أبو هشهش، بتسيلم، 12.5.19.

دخل ابني محمد إلى المنزل وقال أنّ جنودًا اعتقلوا أخاه عوني ثمّ خرج فورًا عائدًا إلى الشارع. ركضت خلفه فرأيت عوني محتجزًا في زقاق صغير وحوله عدد من الجنود. حاولت التقدّم منه لكنّ أحد الجنود دفعني وسدّ الطريق أمامي. سمعت عوني يصرخ قائلًا للجنديّ: "لا تلمس والدتي!". في هذه المرحلة حاول محمد وصديقه طارق الوصول إليّ لكي يساعداني، لكنّ الجندي كبّل يديهما من الخلف واقتادهما نحو المستوطنة.

دخلت في أعقابهما إلى المستوطنة. حاول جنود ومستوطنون اعتراض طريقي لكنّني أفلحت في مواصلة الركض خلف الجنود. رأيتهم يدخلون محمد وطارق إلى "كونتينر"، ثمّ دفعني جنود بلباس مدنيّ وشرطيّة من حرس الحدود إلى خارج المستوطنة وخلال ذلك انتزعوا الحجاب عن رأسي. كانت تلك إهانة كبيرة.

رأيت جنودًا يقتادون عوني ويداه مكبّلتان في اتّجاه المستوطنة. قلت له "لا تخف. أنا هنا، قريبة منك".

عوني أبو شمسيّة البالغ من العمر 20 عامًا وهو ميكانيكي سيّارات في العيزريّة، أدلى بإفادته في 19.5.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، ووصف هو أيضًا ما حدث بعد تدخّل الجنود:

جندي يكبل أيدي محمد أبو شمسية ابن ال 17 عاماً، 10.5.19

نادى أحد الجنود طارق ثمّ ناداني. طلبت من أخي محمد أن يعود إلى المنزل لأنّه كان يحمل الأغراض التي اشتريناها. خلال لحظات معدودة تجمّع في المكان جنود إضافيّون ومعهم ضابط طلب منّي بطاقة هويّتي وهاتفي ثمّ اقتادني إلى زاوية الشارع حيث فتّشني جنديّان. في هذه الأثناء رأيت محمد يعود من المنزل ويجلس على حافّة الرّصيف قرب طارق. أوقع أحد الجنود محمد على الأرض وضربه. دفعت عنّي الجنديّين وركضت نحو محمد. كان الجنود يحاولون وضع القيود على يديه فحاولت إبعادهم عنه.

فيما كنت أُبعد الجنود عن محمد رأيت والدتي تحاول الاقتراب منه وأحد الجنود يدفعها ويحاول منعها. غضبت وصرخت على الجنود أن يوقفوا اعتداءهم على والدتي فسحبني عدّة جنود من هناك وهم يضربونني ويحاولون تكبيل يديّ. في هذه الأثناء وصل والدي وأخذ يهدّئني. في نهاية المطاف كبّل الجنود يديّ خلف ظهري.

بعد مضيّ بضعة دقائق اقتادني الجنود إلى داخل المستوطنة. في الطريق رأيت الجنود يقتادون والدتي من هناك. يبدو أنّها ركضت خلف محمد. كانت تصرخ بعصبيّة شديدة حين حاول أحد الجنود دفعها.

قاومت حتى تمكّنت من قطع الأصفاد البلاستيكيّة عن يديّ وركضت نحو والدتي لكنّ الجنود انقضّوا عليّ وكبّلوني مرّة أخرى ثمّ اقتادوني إلى "كونتينر" موجود داخل المستوطنة.

عندما دخلت "الكونتينر" رأيت محمد وطارق جالسَين على الأرض. أمرني الجنديّ بالجلوس مثلهم فرفضت. حين حاولت التحدّث مع محمد وطارق أخرجني الجنود وأمروني بالجلوس على الأرض قبالة "الكونتينر". وضع أحد الجنود عصبة على عينيّ. كان الجوّ حارًّا جدًّا في الخارج فطلبت منه أن يجلب لي ماءً لكي أغسل وجهي وأحضر لي بدوره دلوًا من الماء. أبقوني في المكان نفسه طيلة ساعة تقريبًا، معصوب العينين ومكبّل اليدين.

بعد ذلك جاء جنديّان واقتاداني إلى الجيب وأدخلوني إليه. جلب جنود آخرون محمد وطارق إلى الجيب وبعد ذلك أخذونا إلى حاجز باب الزاوية حيث أنزلونا وأمرونا بالعودة إلى منازلنا. كان والدي ينتظرنا هناك في مكان قريب.

كانت السّاعة قد قاربت السّابعة والنصف، أوان الإفطار. كنت متعبًا جدًّا وجائعًا وعطشًا. كذلك كانت لديّ كدمات خفيفة في مختلف أنحاء جسمي.

حاجز باب الزاوية (شوتير). حاجز محصّن يعزل حيّ تل رميدة وشارع الشهداء عن أحياء الخليل الشرقيّة في المنطقة H1. تصوير إيال هرئوبيني، بتسيلم، 2019

بعد اعتقال عوني ومحمد وطارق جلس عماد أبو شمسيّة وابنه صالح (13 عامًا) وابنته مروة (15 عامًا) وسط الشارع وسدّوا الطريق أمام سيّارات المستوطنين احتجاجًا على الأعتقال. بعد مضيّ ربع ساعة حضرت أعداد كبيرة من الجنود ومعهم ضابط أخذ يهدّد الأب باعتقاله إذا لم يُخل الشارع. اضطرّ الأب وابنه وابنته إلى الانتقال إلى الرّصيف وانتظروا هناك حتى الساعة 19:30 تقريبًا وعندها مرّ قربهم الجيب الذي جلب المعتقلين الثلاثة لكي يخلوا سبيلهم عند حاجز باب الزاوية الذي يبعد 100 متر.

الابنة مروة أبو شمسيّة البالغة من العمر 15 عامًا أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في 12.5.19 قائلة:

مروة أبو شمسيّة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

كنت في زيارة لصديقة لي حين اتّصلت شقيقتي مادلين وأخبرتني أنّ الجيش اعتقل والديّ وشقيقيّ. عندما عدت مسرعة إلى المنزل رأيت والديّ في الشارع يصرخان ومن حولهما عدد كبير من الجنود وعناصر شرطة حرس الحدود. قال لي والدي أنّ الجنود اعتقلوا شقيقيّ محمد وعوني وطلب منّي ومن أخي صالح أن نجلس معه وسط الشارع إلى أن يخلوا سبيل المعتقلين. بعد أن جلسنا جاء جنديّ وأمرنا بإخلاء الشارع فرفضنا ذلك. في هذه الأثناء جاء جيب عسكريّ لكي يأخذ شقيقيّ من هناك. واصل والدي الجلوس وسدّ الشارع. تقدّم منه جنود وأخذوا يجرّونه في الشارع فلحقت بهم وحاولت إبعادهم عن والدي.

خمسة من عناصر شرطة حرس الحدود كانوا يدفعونني أنا ووالدي ووالدتي. حين كانوا يدفعونني جاءت جارة لنا وسحبتني إلى داخل منزلها حيث بقيت لبضعة دقائق. رأيتهم يدفعونها أيضًا. في هذه الأثناء تجمّع في الخارج عدد من الجيران، كما تجمّع عدد من المستوطنين المتطرّفين وبضمنهم باروخ مارزل الذي أخذ يستفزّنا ويتهكّم علينا.

اتّصل والدي مع جميع الجهات المسؤولة في مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة والصليب الأحمر وطالبهم أن يتدخّلوا لأجل حمايتنا وإخلاء سبيل شقيقيّ. بعد مضيّ ساعة تقريبًا جاء إلى المكان جيب عسكريّ كان في داخله عوني ومحمد. تابع الجيب إلى حاجز باب الزاوية وهناك أخلوا سبيلهما.

في البداية فرحت كثيرًا لأنّ شقيقيّ تمكّنا من الجلوس معنا إلى مائدة الإفطار، وكنت مشتاقة لهما جدًّا. لكن بعد ذلك وحتى الآن لا زلت أفكّر فيما جرى لنا - اعتداءات الجنود، الضّرب، الجرّ في الشارع، نزع حجاب والدتي وتهكّم المستوطنين عليها. ليت والدي يجد لنا منزلًا آخر في مكان آكثر أمنًا لنسكن فيه. ليست هذه المرّة الأولى التي يعتدي فيها المستوطنون والجنود علينا.

تُظهر هذه الحادثة كم أنّ حياة الفلسطينيّين المتبقّين وسط البلد هشّة ومستباحة ومليئة بالأحداث غير المتوقّعة. نحن نتحدّث عن منطقة في مدينة الخليل تطبّق فيها إسرائيل سياسة الفصل وتجعل حياة السكّان جحيمًا لا يطاق، أملًا منها في دفعهم إلى مغادرة المنطقة وكأنّما بمحض إرادتهم. تتضمّن هذه السياسة إقامة عشرات الحواجز والسدّات التي تُجبر السكّان الفلسطينيّين على سلوك طرق عجيبة غريبة لكي يصلوا إلى الأماكن التي يبتغونها؛ إغلاق مئات المحالّ التجاريّة؛ التنكيل الدّائم بالسكّان والاعتداء عليهم من قبَل عناصر الأمن والمستوطنين الذين يحظون بحصانة تامّة. آلاف الفلسطينيّين رحلوا عن الحيّ إزاء هذا الواقع الذي لا يُطاق، ومعظم من بقوا هناك يفعلون ذلك لأنّه لا بديل آخر أمامهم.