Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

الإدارة المدنيّة تصعّد من خطواتها لطرد التجمّعات السكنيّة الفلسطينيّة المتواجدة في المنطقة C

إسرائيل هدمت في شهر آب منازل 228 شخصًا، مخلّفةً من بينهم 124 قاصرًا بلا مأوى.

أثناء شهر آب، أجرت الإدارة المدنية والجيش الاسرائيلي حملة هدم واسعة النطاق شملت 29 بلدة وقرية في جميع أنحاء منطقة C. هدمت السلطات في هذه البلدات 101 مبنى، منها 50 مبنى سكنيًا. سكن في هذه المباني 228 شخصًا، بينهم 124 قاصرًا. جزء كبير من عمليات الهدم هذه تمّت في تجمّعات الرّعاة والمزارعين الصغيرة والّذين يعانون من التهديدات المستمرة ومن محاولات إسرائيل المستمرة لإجبارهم على الخروج من منازلهم على وجه الخصوص، ومن المنطقة C عمومًا كجزء من السياسة الإسرائيليّة التي تطمح للحد من الوجود الفلسطيني في المنطقة C.

جرافة الادارة المدنية تهدم مبنى في العقبة. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم، 5/8/2015.
جرافة الادارة المدنية تهدم مبنى في العقبة. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم، 5/8/2015.

غور الأردن

بين التواريخ 5/8/2015 -31/8/2015 وثّقت بتسيلم عمليّات هدم نفّذتها الإدارة المدنيّة والجيش الاسرائيلي في تسعة تجمّعات سكنيّة في غور الأردن; العقبة، عين الميتة، خربة يرزة، خربة حمصة، العجاج، فصايل، خربة عينون، خربة سمرة وخربة الدير. في هذه التجمعات، هدمت السلطات 22 وحدة سكنية، وخلّفت 100 شخصًا بلا مأوى، من بينهم 50 قاصرًا. بالإضافة إلى ذلك، هدمت السلطات 26 مبنى استخدم لأهداف زراعيّة. هذه التجمعات السكنيّة هي جزء من عشرات التجمعات الصغيرة في غور الأردن التي يعتمد سكانها على الزراعة والرعي كمصدر رزق. على مر السنين، صرّح مسؤولون في إسرائيل من مختلف الحكومات ومن الجيش بنيّة الحفاظ على غور الأردن تحت السيادة الإسرائيليّة حتّى في إطار أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين. عمليات الهدم الأخيرة هي جزء من هذه السياسة، ترفض من خلالها السلطات الاعتراف بوجود التجمعات السكنيّة في الغور والسماح لسكانها بالعيش هناك بشكل قانونيّ: لم تُعد لها أيّ خطط هيكيليّة كما أن السكان يعيشون في خيام وأكواخ، لا ترتبط بشبكات المياه والكهرباء وعرضة لتهديدات الهدم والطّرد في كلّ لحظة. إلى جانب هدم المباني، تتخذ إسرائيل تدابير إضافية من أجل عرقلة حياة سكانها وجعل السكن في المنطقة مسألة مستحيلة، بما في ذلك الإعلان عن ما يقارب 46٪ من الأراضي في غور الأردن كمنطقة إطلاق النار، وإخلاء مؤقت للعائلات من منازلهم لصالح التدريبات العسكرية ومصادرة صهاريج المياه.

بنات على انقاض مبنى في التجمع السكني السعيدي في منطقة
بنات على انقاض مبنى في التجمع السكني السعيدي في منطقة "معاليه ادوميم". تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 17/8/2015.

منطقة "معاليه أدوميم"

هذا الشهر، هدمت السلطات الإسرائيليّة المباني أيضًا في خمسة تجمعات في منطقة معاليه أدوميم; الشيخ عنبر (السعيدي) بير المسكوب وادي اسنسل, أبو فلاح والخضيرات. مثل التجمعات السكنيّة في الغور، هذه التجمعات أيضًا غير معترف بها رسميًا، وبالتالي فإنّ سكانها، الذين يعتاشون أساسًا من الأغنام، يعيشون في خيام وأكواخ. تجمّعان منها هما، بير المسكوب وادي اسنسل المتاخمة لها، يتواجدان في منطقة E1. وفقا لتقارير وسائل الإعلام فقد وافقت الحكومة الإسرائيلية في تشرين الأول عام 2012 خطة لبناء مستوطنات في هذه المنطقة، بهدف إنشاء سلسلة من للبناء الإسرائيلي بين مستوطنة "معاليه أدوميم" والقدس. في هذه التجمّعات السكنيّة، هدمت السلطات 24 وحدة سكنية، وخلّفت 111 شخصًا بلا مأوى، بينهم 69 قاصرًا. بالإضافة إلى ذلك، هدمت السلطات سبعة مبان تستخدم للزراعة والتخزين.

اختارَت السّلطات الاسرائيلية تنفيذ الهدم بالذات في شهر آب، والذي كان حارًا بشكل غير طبيعيّ. في منطقة غور الأردن، والتي تتميز بظروف مناخية قاسية، تعدّت درجة الحرارة في بعض أيّام الهدم الأربعين درجة. بقي أصحاب المباني وأسرهم وضأنهم في بعض الحالات دون مأوى من الشمس الحارقة إلى أن حصل بعضهم على خيام مؤقتة من وكالات الإغاثة أو تمكّنوا من إعادة بناء بعض المباني. النقص البالغ في المياه والذي تعاني منه هذه التجمعات السكنيّة على مدار السنة شكّل صعوبة أخرى في ظروف الحرارة الشديدة.

خديجة بشارات، وهي من سكان خربة حمصة في غور الأردن، متزوجة ولديها ابنتان، روَت لباحث بتسيلم عارف دراغمة، في تاريخ 27/8/2015 كيف هدمت السلطات منزلهم في تاريخ 11/8/2015:

خديجة بشارات وبناتها على انقاض بيتهم. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم، 27/8/2015
خديجة بشارات وبناتها على انقاض بيتهم. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم، 27/8/2015

"كنا نعيش في غرفة من الطين بسقف مكوّن من النايلون والصفيح. في فصل الشتاء يتحوّل منزلنا إلى بركة ماء، وجميع ممتلكاتنا يغمرها المياه. عندما يحدث ذلك، لا نجد مأوى. زوجي وأنا قرّرنا بناء مسكن بالقرب من بنيتنا الطينيّ، الذي انهار تقريبا. اقترض زوجي الأموال بصعوبة، ونجحنا بالنزر اليسير من المال ببناء مبنى مكوّن من اللبنات والصفيح. كنا نأمل في الانتهاء من عملية البناء والانتقال إلى المبنى الجديد.

نعتاش على الزراعة ورعي الأغنام، ولكن وضعنا يتدهور يومًا بعد يوم. الجيش الاسرائيلي يمنع رعي الأغنام في حقول المنطقة. انتهيت من دراسة الفنّ في الجامعة وأملت في العثور على وظيفة للمساهمة في الإعالة ومنح بناتي حياة أفضل، لكن كلّ شيء تشوّش. صباح يوم الهدم، كنت في الطريق إلى مقابلة عمل في أريحا. في التاسعة والنصف اتّصل زوجي وقال لي أن جرافات الإدارة المدنية والجيش الاسرائيلي تهدم كل ما بنيناه ولم يبق شيء. جمدت في مكاني وشرعت في البكاء. لم أستطع التوقف، لم يكن بإمكاني أن أفكّر في أي شيء آخر، لم يهمّني إجراء مقابلة العمل وعدت إلى البيت.

عندما وصلت وجدت بناتي يجلسن بالقرب من الأنقاض، وزوجي يقف حائرًا. شاهد جميع أفراد الأسرة الهدم في حسرة. شعرت بأنّ عالمي انهار وأني في كابوس. بدلا من أن تتقدّم حياتنا خطوة واحدة إلى الأمام، عدنا خطوات إلى الوراء. وكنت آمل أن نخرج من الغرفة التي كادت تنهار على وعلى بناتي، الغرفة التي تصلها العقارب والأفاعي طيلة الوقت. وكنت آمل أن يعيشوا حياة أكثر طبيعية مثل كل البشر. الآن عندما استيقظ كل صباح أرى الأنقاض فيتحطم قلبي.

ثريا أبو داهوك، 44 عامًا، تسكن في التجمع السكني أبو فلاح في خان الأحمر في منطقة "معاليه أدوميم"، متزوجة ولديها خمسة أطفال، روت في افادتها لباحث بتسيلم عامر عاروري في تاريخ 26/8/2015 حياة أسرتها بعد أن هدمت السلطات الاسرائيلية أجزاء من منزلهم:

احد ابناء ثريا أبو داهوك في العريشة بالقرب من الكوخ الذي تلقوه من الاتحاد الاوروبي. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم، 26/8/2015
احد ابناء ثريا أبو داهوك في العريشة بالقرب من الكوخ الذي تلقوه من الاتحاد الاوروبي. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم، 26/8/2015

"في شباط الماضي، وصل افراد الإدارة المدنية وسلّموا زوجي أمر هدم لكلّ منزلنا الذي يتكوّن من ثلاث أكواخ للسكن، عدا كوخ واحد حصلنا عليه كمساهمة من الاتّحاد الأوروبي. منذ تلك اللحظة عشت في قلق. لم أعرف ماذا سيكون مصيرنا وخفت أن نبقى، أنا وزوجي وأولادي بلا مأوى. كل صباح عندما استيقظت قلت لنفسي قد يصلون اليوم لهدم المنزل. كنت أستيقظ في وقت مبكر وانتظر قدوم الجرّافات. استيقظت عدة مرات مرعوبة في منتصف الليل. لم أستطع أن أفكر في أي شيء آخر، وخفت أن يهدموا المنزل على رؤوسنا أثناء النوم.

أخفيت مخاوفي عن أسرتي لأنّي لم أرغب في أن أصعّب الأمور على زوجي، الذي يعمل راعيًا ويعاني ما يكفي من الصعوبات في إعالة الأسرة. كذلك لم أرغب لأطفالي أن يعيشوا في خوف مثلي. قلت لنفسي: دعي أطفالك يعيشون طفولتهم دون قلق. ولكن في تاريخ 17/8/2015 تحققت مخاوفي. في حوالي الساعة 9:30 سمعت صوت جرافة تقترب من منطقتنا. خرجت مذعورة ورأيت مركبات الإدارة المدنية والجيش الاسرائيلي عند مدخل القرية. اقتربت الجرافة من أحد أكواخنا. ركضت نحوها وطلبت من السائق: "توقف، أريد أن أخرج الفرش من هناك". لم يتوقّف وواصل إلى الكوخ. رغم ذلك، ذهبت مع أحد أبنائي إلى الكوخ وأخرجنا على وجه السرعة بعض الفرش. لقد دمروا الكوخ الذي عاش فيه ولديّ البالغَين، ولكوخ الذي عشت فيه مع زوجي والأطفال الصغار، وحظيرة أغنام. وقفت أشاهد الجرافة تهدم الأكواخ. في البداية نجحت في كبح نفسي عن البكاء أمام الأطفال. ولكن عندما رأى ابني داود، ابن السادسة والنصف، الجرافة تهدم الكوخ الذي كان يبيت فيه، أخذ يبكي وشرعت أنا في البكاء. احتضنت ابني الصغير. له معزّة خاصّة في القلب، هو طفل معاق لا يستطيع المشي وهو أيضا اصغر اولادي.

دمّر سائق الجرافة الاكواخ كليا. في البداية هدم أعمدة كل كوخ، ثم اعتلى بالجرافة الأنقاض ليحطّم كل شيء، بما في ذلك ما كان في الداخل. وقفت هناك ورأيته يدمر منزل عائلتي وفكرت ماذا سيحدث لنا بعد انصراف الجرافة؟ أين سيبيت أولادي الليلة؟ الكوخ الذي حصلنا عليه من الاتحاد الأوروبي نستطيع النوم فيه في فصل الشتاء ولكن صيفًا يكون الطقس حارا وخانقا. كيف سأحمي عن أولادي من الأفاعي إذا ناموا على الأرض؟

الآن ننام أنا وأسرتي تحت العريشة. أخشى من الأفاعي ليلا لكن لا شيء يمكن فعله."

 عمليات الهدم الواسعة هي جزء من السياسة الإسرائيلية في المنطقة C - والتي تمتدّ على ما يقارب 60٪ من أراضي الضفة - وتستند على مفهوم أن هذا المجال هدفه في المقام الأول تلبية الاحتياجات الإسرائيلية. تعمل إسرائيل على فرض الحقائق على الأرض، وخلق وضع من الصعب تغييره في إطار تسوية مستقبلية. من جملة الأمور، عبر استغلال موارد المنطقة، وإنشاء وتوسيع المستوطنات. وفي الوقت نفسه، فإن السلطات الإسرائيلية، كجزء من سياسة طويلة المدى لجميع الحكومات الإسرائيلية، تعمل على دفع وطرد الفلسطينيين من المنطقة C، تحت غطاء الحجج القانونية الواهية مثل "البناء غير المرخص"، وهي ادعاءات باطلة في ظلّ غياب أي إمكانية حقيقية لبناء قانونيّ. تهدف هذه الادعاءات التغطية على تجاهل إسرائيل لواجباتها وهي: السماح لسكان الضفة الغربية بالعيش دون أي تدخل، وضمان إسرائيل، باعتبارها قوة احتلال، تطوير مجتمعاتهم إلى مستوى يسمح بالعيش بكرامة ويلبّي احتياجاتهم.

سياسة الحكومة هذه المطبّقة بشكل منتظم منذ سنوات، تشكّل نقلاً قسريًا للفلسطينيين المحميين داخل الأراضي المحتلة. يتم ذلك، سواء بشكل مباشر، من خلال هدم المنازل، أو بشكل غير مباشر، من خلال خلق واقع حياة مستحيلة.