Skip to main content
يوسف الكُرُنز. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 16.4.2018
Menu
المواضيع

أكثر من 2000 جريح بنيران الجيش، والنظام الصحّي المنهار في قطاع غزة، بسبب الحصار المتواصل، يعجز عن مواجهة الوضع

منذ 30.3.2018 تجري في قطاع غزّة، جوار الشريط الحدوديّ، مظاهرات كلّ يوم جمعة، يشارك فيها ما بين آلاف وعشرات آلاف المتظاهرين. ما لا يقلّ عن 39 متظاهرًا قُتلوا خلال هذه المظاهرات بنيران قوّات الأمن، وتفيد معطيات وزارة الصحّة الفلسطينية عن جرح نحو 8,000 شخص، من بينهم 2,100 جريح جرّاء إطلاق النّار الحّي. نشرت وسائل إعلام أنّ أطبّاء في قطاع غزة يحدثون عن إصابات خطيرة على نحوٍ بارز، وخاصّة في الأطراف السفليّة، بما "يشمل تدميرًا بالغًا للعظام والأنسجة اللّينة، وأنّ قُطر مخارج الأعيرة النارية يضاهي حجم قبضة اليد". كما تفيد معطيات وزارة الصحّة الفلسطينية أنّه حتّى يوم 30.3.2018 أجرى الأطبّاء في قطاع غزة 24 عمليّة بتر أعضاء للجرحى، من بينها 19 عمليّة بتر أطراف سفليّة.

من الصّعب حتّى لنظام صحّي متقدّم ويعمل كما ينبغي أن يجابه ذاك العدد الكبير من الجرحى خلال فترة قصيرة كهذه، فكم بالحريّ نظام الصحّة في قطاع غزة، الذي يعاني انهيارًا متواصلاً - خاصّة منذ فرضت إسرائيل الحصار على القطاع قبل أكثر من عشر سنوات. تسري القيود الإسرائيلية، فيما تسري، على استبدال أجهزة معطّلة، دخول أجهزة طبّية متقدّمة وأدوية، وكذا خروج الأطبّاء للمشاركة في استكمالات خارج القطاع. إضافة إلى ذلك، يتعطّل عمل المستشفيات هناك جرّاء انقطاع الكهرباء المتواصل - والذي تتحمّل إسرائيل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عنه، وبمصادقة محكمة العدل العليا.

في مثل هذا الوضع لا يمكن تقديم العلاج المناسب للجرحى: وفقًا لمعطيات نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة (WHO)، في 28.4.2018 كان هناك نقص في 75 نوعًا من الأدوية و-190 نوعًا من التجهيزات الطبّية المستخدمة لمرّة واحدة. إضافة إلى ذلك، هناك نقص في الأطبّاء: لا يوجد في قطاع غزّة، حيث يعيش مليونا إنسان، سوى عشرة أطبّاء مختصّين بجراحة الأوعية الدموية، واكتظاظ المستشفيات بعدد كبير من الجرحى، خلال أحداث شهدت كثرة في المصابين، لا يتيح للأطبّاء تقديم العلاج لهم جميعًا. التقارير الواردة من قطاع غزة تفيد انّه لأجل تخفيف العبء تحاول المستشفيات في أيّام الخميس إخراج عدد كبير من جرحى الأيام السابقة، لكي تستعدّ لاستقبال موجة جديدة من الجرحى المتوقّع إصابتهم في الغد.

وأيضًا كجزء من سياسة الحصار، تمنع إسرائيل سكّان القطاع من مغادرته لأجل تلقّي العلاج الطبّي - داخل حدودها هي، أو في الخارج مرورًا منها، أو في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية)؛ وتُستثنى من ذلك بعض الحالات القليلة وفقًا لمعايير مشدّدة. غير أنّه منذ ابتدأت المظاهرات تبيّن أنّ إسرائيل قرّرت تجاهل حتّى هذه المعايير التي وضعتها بنفسها: في أسبوع المظاهرات الأوّل رفضت إسرائيل الموافقة على طلبات متظاهرين جرحى لمغادرة القطاع لأجل تلقّي العلاج الطبّي المستعجل في مستشفى في الضفة الغربية. بالتالي، رفعت منظّمتا "عدالة" و"الميزان" التماسًا إلى محكمة العدل العليا في 8.4.2018 باسم اثنين من الجرحى هما يوسف الكُرُنز (19 عامًا) ومحمد العاجاوري (16 عامًا)، حيث أنّه في ظلّ الظروف القائمة في القطاع لا يمكن معالجة جراحهم دون بتر أرجلهم. في ردّها الذي قدّمته الدولة للمحكمة قالت إنّ الطلبات رُفضت "على خلفيّة سياسة الأمن في الموضوع، والتي تقتضي كقاعدة عدم السماح بدخول إسرائيل لمن جُرحوا خلال أعمال الشغب العنيفة التي نظّمتها حماس، وبالنظر إلى أنّ الظروف الطبّية العينيّة لا تبرّر الموافقة كاستثناء للقاعدة، إذ لا يوجد خطر محقّق يهدّد حياة الملتمسين". كذلك ادّعت الدولة أنّها "حتّى حذّرت سكّان القطاع ألّا يشاركوا" في المظاهرات - وكأنّ هذا التحذير يبرّر منع الحصول على العلاج الطبّي اللّازم.

رفض القضاة الإيعاز بمناقشة مستعجلة، ونظرًا إلى طول مدّة الإجراء القضائي اضطرّ الأطبّاء إلى بتر إحدى رجلي محمد العاجوري، وإحدى رجلي يوسف الكُرُنز. بعد مضيّ أسبوع على تقديم الالتماس أوعزت المحكمة إلى الدولة أن تسمح ليوسف بالوصول إلى مستشفى في رام الله، وهناك نجح الأطبّاء في إنقاذ رجله الأخرى. مع ذلك أوضح القضاة أنّها حالة استثنائية، وأنّهم لا يتّخذون بذلك موقفًا من السياسة العامّة للدولة فيما يخصّ مغادرة متظاهرين جرحى.

وفقًا لمعطيات نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة (WHO)، قُدّم منذ بدء المظاهرات وحتى 28.4.2018 27 طلبًا مستعجلًا لمغادرة القطاع لأجل تلقّي العلاج الطبّي. جرت الموافقة على طلب واحد على الأقلّ بعد التماس لمحكمة العدل العليا، ورُفض 18 طلبًا، أمّا البقيّة فقد تمّت الموافقة عليها فقط بعد إجراءات ممضّة، من قَبيل تقديم طلب تصريح إلى مديريّة التنسيق والارتباط، تلقّي ردّ بالرفض، التوجّه إلى منظّمات حقوق الإنسان، وتوجّه هذه المنظّمات إلى النيابة العامّة - ما أسفر في نهاية الأمر عن المصادقة المأمولة (دون تدخّل المحكمة في هذه المرحلة). هذه الإجراءات البيروقراطية المتثاقلة تؤخّر العلاج الطبّي الضروريّ، ومن شأنها أحيانًا أن تودي بصحّة الجرحى وأحيانًا بحياتهم، إضافة إلى ما تشكّله من عبء إضافيّ على كاهل الأسرة.

تتطلّب الإصابات البليغة، وخاصّة الحالات التي بُترت فيها أرجل الجرحى، عمليّة تأهيل طويلة؛ لكنّ إمكانيّات التأهيل في القطاع قليلة، وهناك مركز واحد فقط لتركيب الأرجل الاصطناعية. علاوة على ذلك: يعجز معظم الجرحى عن توفير تكاليف التأهيل الباهظة، وذلك بسبب الوضع الاقتصادي الصعب في القطاع - النّاجم مباشرة عن الحصار. ورغم أنّ الأغلبية السّاحقة من الإصابات كانت جرّاء إطلاق النار المخالف للقانون، لن يحصل الجرحى على تعويضات من إسرائيل، إذ ضمنت إسرائيل لنفسها إعفاءً تامًّا تقريبًا من دفع التعويضات للفلسطينيين عن الأضرار التي تلحقها بهم.

إسرائيل هي التي أنشأت هذا الواقع، وهي فقط من يستطيع تغييره: هي من وضع سياسة إطلاق النار التي تؤدّي إلى هذا العدد غير المعقول من جرحى النيران الحيّة - وكذا ترفض تغيير هذه السياسة رغم النتائج الوخيمة الواضحة؛ وهي من يرفض السّماح للجرحى بالسّفر بضع عشرات من الكيلومترات داخل حدودها، وصولًا إلى مستشفى في الضفّة يستطيعون فيه تلقّي العلاج اللّازم لهم؛ وهي من يفرض الحصار على القطاع منذ أكثر من عشر سنين، وبالتالي هي المسبّب الرئيسي لانهيار النظام الصحّي هناك.

منذ أكثر من شهر تنفّذ قوّات الأمن أوامر مخالفة بوضوح للقانون مطلقة النيران الحيّة على متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد، وفوق ذلك - يتواجدون في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. يرفض المسؤولون تغيير هذه التعليمات - حتّى لدى اتّضاح الخسائر الكبيرة في الأرواح والأعداد الكبيرة من الجرحى نتيجة لتطبيقها - مدّعين أنّها قانونيّة، ويدافعون عنها أمام المحكمة العليا. لكنّ لاقانونيّة هذه التعليمات "تُعمل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا، إن لم تكن العين عمياء والقلب أصمّ أو فاسدًا" - وفقًا لتعبير القاضي بنيامين هليفي في قرار المحكمة بشأن قضيّة كفر قاسم، من عام 1958.

شرقيّ رفح، 30.3.2018:

في 30.3.2018، قرابة الساعة 10:00 صباحًا، وصل علاء الدّالي (20 عامًا) من سكّان رفح، إلى منطقة المظاهرات شرقيّ مدينة رفح. علاء هو درّاج محترف، عضو منتخب الدرّاجات الفلسطيني في قطاع غزة. قرب الساعة 12:30، بُعيد صلاة الظهر، وحينما كان بعض المتظاهرين يرشق الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ، أطلق عيار ناريّ أصاب علاء في رجله اليمنى، وأخلي بعد ذلك إلى خيام الإسعاف الميداني التي أقيمت في الجوار. من هناك نُقل المصاب وهو في حالة غيبوبة إلى المستشفى الأوروبي جنوبيّ خان يونس. أفاق علاء من غيبوبته بعد مرور يومين، وطيلة أسبوعين واصل الأطبّاء محاولات إنقاذ رجله. في إفادة أدلى بها يوم 18.4.2018 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، محمد صباح، حدّث علاء بما يلي:

علاء الدّالي
علاء الدّالي

حاولت الحصول على ورقة التزام بتغطية تكاليف العلاج لكي تجرى لي عملية جراحية في رام الله. حصلت عليها، وبعد ذلك عيّنوا لي موعدًا للعملية، فقدّمت طلبَي تصريح دخول لي ولأمّي، ورُفض كلاهما. عندما باءت المحاولة بالفشل، قرّر الأطبّاء بتر رجلي من الرّكبة.

عندما سمعت بقرار الأطبّاء بكيت كثيرًا. تذكّرت درّاجتي، وحلمي أن أصبح بطل ركوب درّاجات - الذي انقطع فجأة ودون سابق إنذار. شعرت أنّ حياتي انتهت وأنّ عالمي انهار فوق رأسي، أنّني لن أعود طيلة حياتي إلى ركوب الدرّاجات. لقد تدرّبت كثيرًا استعدادًا لسباق جاكارتا الذي سيقام في أيلول 2018، وكان لديّ أمل بالمشاركة فيه ورفع علم فلسطين هناك، لكنّ هذا لن يحصل في هذا السباق ولا في غيره. لقد أدركت أنّني لن أتمكّن بعد من المشي، وأنّ حياتي كلّها سوف تتمحور منذ الآن فصاعدًا على رجلي التي سوف يقطعونها بسبب عيار ناريّ أطلقه جنديّ إسرائيلي.

مجبرًا وافقت على عمليّة جراحية لقطع رجلي. في 8.4.2018 قطعوا لي رجلي في المستشفى الأوروبي. عندما رأيت رجلي مقطوعة أصابتني صدمة، بكيت كثيرًا لكثرة ما تألّمت لذلك. قبل نحو أسبوع نقلوني إلى مستشفى القدس في غزة، وما زالت أتلقّى العلاج هنا. يُفترض أن أخرج اليوم، لكنّي سأخرج كشخص آخر غير الذي دخل في 30.3.2018 - بلا رجل، بلا مستقبل، وبلا حلم. سوف تكون حياتي صعبة وفاقدة لأيّ معنى، فقط لأنّ الجيش الإسرائيلي قرّر ذلك ونفّذ قراره.

فقط في قطاع غزة ركبت الدرّاجة وشاركت في مسابقات. لم أستطع المشاركة في أيّ سباق خارج القطاع. لقد حاولت في حينه المشاركة في سباق في تونس، لكن لم يتحقّق ذلك بسبب إغلاق معبر رفح ولأنّ إسرائيل لم توافق لي على المغادرة عبر حاجز “إيرز”؛ وهناك درّاجان آخران لم يحصلا على الموافقة. كذلك لم يسمح لنا الإسرائيليون بالسّفر إلى الضفة الغربية للمشاركة في ماراتون أريحا، أو في سباق آخر بين غزة والضفة؛ ولم يُسمح لنا السفر للمشاركة في سباق جرى في مصر.

علاء الدّالي. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 18.4.2018
علاء الدّالي. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 18.4.2018

شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين، 30.3.2018:

يوسف الكُرُنز (19 عامًا)، من سكّان مخيّم البريج، طالب جامعي يدرس الإعلام. في 30.3.2018، قرب الساعة 12:00، وصل إلى منطقة المظاهرات شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين بصفته مصورًا متطوّعًا لدى الوكالة الوطنية للإعلام. بعد مضيّ ساعتين أطلقت عليه أعيرة ناريّة أصابته في رجليه. في إفادة أدلى بها يوم 16.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، وصف يوسف ما جرى:

يوسف الكُرُنز
يوسف الكُرُنز

نقلوني إلى غرفة العلاج المكثّف في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، لكنّ الأطبّاء هناك لم يتمكّنوا من معالجة جراحي وقرّروا تحويلي إلى مستشفى الشفاء في غزة. في مستشفى الشفاء أدخلوني إلى غرفة العناية المكثّفة، ومن هناك إلى غرفة العمليّات حيث أوقف الأطبّاء النزيف. استمرّت العمليّة ستّ ساعات، تلقّيت خلالها 18 وجبة دم. لكن حتى أطباء مستشفى الشفاء لم يتمكّنوا من مواجهة إصابتي.

في اليوم التالي صحوت عند الساعة 9:00 صباحًا. قال لي الأطبّاء أنّني أصبت في كلتي رجليّ، وقالوا لوالدي أنّه يجب معالجتي في الخارج نظرًا لخطورة الإصابة. بعد أن رقدت أسبوعًا هناك، تلقّيت ورقة تحويل إلى مستشفى تخصّصي في رام الله. يومًا بعد يوم كانت رجلي تسودّ، وأصبح وضعها حرجًا. رفض الجانب الإسرائيلي السماح بدخولي عبر حاجز “إيرز”. قال والدي للطبيب أنّه سيفعل المطلوب.

في يوم الأحد، 8.4.2018، قال الطبيب لوالدي أنّهم مضطرّون لقطع رجلي، وإلّا فسوف تحصل غرغرينا وتسمّم في الدّم، فوافق والدي. في صباح اليوم التالي أدخلوني إلى غرفة العمليّات لأجل قطع رجلي. خرجت من العملية بعد ساعتين تقريبًا. بعد أن أبلغني الأطبّاء أنّهم قطعوا رجلي تدهور وضعي النفسي كثيرًا. حتّى قبل القطع لم أكن لأجرؤ على النظر إلى رجلي التي اسودّت وأصبح منظرها فظيعًا. بعد العملية أحسست بأوجاع لا تطاق وكنت في وضع نفسيّ سيّئ جدًّا. رقدت مدّة أسبوعين آخرين في المستشفى، أسبوع في قسم العناية المكثّفة وأسبوع في قسم العظام.

الآن أنا في المنزل، ورجلي اليمنى تحتاج علاجًا عاجلًا في الخارج لتفادي قطعها. حاولت خمس مرّات المغادرة عبر معبر رفح ولم أنجح في أيّ منها.

بعد قرار محكمة العدل العليا نُقل الكُرُنز في 16.4.2018 إلى مستشفى في رام الله، حيث أجريت له عمليّة جراحيّة في رجله، وما زال يرقد هناك قيد متابعة العلاج.

شرقيّ رفح، 31.3.2018:

في ظهيرة يوم 31.3.2018 وصل هيثم نصر (19 عامًا، من سكّان رفح، يعمل حدّادًا) إلى منطقة المظاهرات، وأصيب بجراح في رجله اليمنى جرّاء إطلاق عيار ناريّ. بعد نقله إلى مستشفى النجّار في رفح تمّ تحويله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوب خان يونس، وهناك تبيّن وجود تمزّقات في رجله وكسر في الركبة، وأجريت له عمليّة جراحية. في إفادة أدلى بها يوم 1.5.2018 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، خالد العزايزة، حدّث هيثم عن فترة رقوده في المستشفى:

هيثم نصر
هيثم نصر

عندما صحوت من العمليّة اكتشفت انّ الأطبّاء قد ركّبوا لي جهازًا لتثبيت رجلي اليمنى. منذئذٍ وحتى يوم أمس أجريت لي عمليّات كثيرة في الرّجل المصابة. أخذ الأطبّاء شرايين من رجلي اليسرى وزرعوها في رجلي اليمنى. وبسبب نقص الأدوية حصلت لديّ تعقيدات ومضاعفات، وعائلتي لا تملك المال لشراء مضادّات حيويّة قويّة، ولذلك التهب الجرح وتلفت الشرايين التي زرعوها. على ضوء ذلك حاول الأطبّاء زرع شريان اصطناعي، لكنّ هذه المحاولة أيضًا أخفقت. أمس أدخلوني إلى غرفة العمليات، حيث قطع الأطبّاء رجلي من فوق الرّكبة - وها أنا أرقد في المستشفى الأوروبي وأحتاج علاجات كثيرة، لكن لسوء حظّي لا تملك عائلتي أن توفّرها لي. في الوقت الحالي، معظم الوقت يعطونني مسكّنات أوجاع وأدوية منوّمة.

يعمل والدي سائق تاكسي، وبصعوبة يكسب 20 شيكل في اليوم. هذا لا يكفي لشراء الأدوية اللّازمة، ولا حتّى لشراء الأكل. نحن نسكن في بيت مستأجر بمبلغ 500 ش.ج شهريًّا. لا أعلم كم سأبقى في المستشفى بعد. أنا قلق جدًّا وخائف على مستقبلي. ليست لديّ فكرة هل سأحتاج علاجات طويلة لأجل التأهيل الجسديّ والنفسيّ. لقد أصبحت عصبيًّا جدًّا، وعلى أتفه الأشياء أخاصم أبناء أسرتي والمرافقين لي. أحيانًا أمزّق أنابيب التغذية الموصولة بجسدي.

قبل أن يقطعوا رجلي قدّم المستشفى طلبًا لإسرائيل لكي تسمح بنقلي للعلاج في مستشفى في رام الله. رفضت إسرائيل الطلب، واستمرّ وضعي في التدهور حتّى اضطرّ الأطباء لقطع رجلي. عيّنت موعدًا جديدًا لاستكمال العلاج في رام الله، وها أنا أنتظر الردّ من الطرف الإسرائيلي.

هيثم نصر. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 1.5.2018
هيثم نصر. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 1.5.2018

شرقيّ مدينة غزّة، 30.3.2018:

في 30.3.2018، قرب الساعة 15:00، وصل عبدالله درويش (22 عامًا، طالب جامعي، من سكّان بيت لاهيا) إلى منطقة المظاهرات، وبعد ساعتين تقريبًا أصيب بعيار ناريّ في رجله اليمنى وأخلي إلى المستشفى الإندونيسي قرب مخيّم جباليا للّاجئين. هناك، أجريت له عمليّة جراحية في الرّجل وتمّ زرع مثبّتات من البلاتين. في إفادة أدلى بها يوم 19.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، قال عبدالله:

عبدالله درويش
عبدالله درويش

بعد خروجي من غرفة العمليّات قال الأطبّاء لوالدي أنّ وضعي صعب جدًّا ويجب تحويلي إلى مستشفى في الخارج. حصلنا من السلطة على تحويل للمستشفى الاستشاري في رام الله. وبسبب تباطؤ جريان الدّم في رجلي حدث تجلّط في الشريان ممّا حدا بالأطبّاء استعجال معالجة طلب التحويل، وإلّا فسوف يضطرّون إلى إجراء قسطرة. لكن لأنّ إسرائيل رفضت السّماح لي بالعبور، أجرى الأطبّاء القسطرة في 1.4.2018. قبل إدخالي إلى غرفة العمليّات، ولأجل الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، وقّع والدي ورقة يوافق فيها على قطع رجلي من عند الرّكبة. نحمد الله أنّ العمليّة نجحت وعاد الدم يجري في شرايين الرّجل. سوف يتمّ نقلي إلى مستشفى الشفاء في غزّة - في يوم السبت، الموافق 21.4.2018 - لكي تُجرى لي عمليّة زرع أنسجة في الرّجل. أحتاج الآن إلى تحويل للعلاج في الخارج لمعالجة المشاكل العظميّة والعصبيّة في الرّجل. وبسبب تمزّق الأنسجة سوف أحتاج عمليات أخرى إضافيّة.

رغم أنّ المظاهرات كانت سلميّة، والقوّات الإسرائيلية لم يهدّدها أيّ خطر، أطلق الجنود النيران علينا بكثافة. إصابتي كانت بليغة وكان هناك خطر على حياتي - ومع ذلك لم تسمح لي إسرائيل بالخروج لتلقّي العلاج في مستشفيات الضفة الغربية.

عبدالله درويش. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 19.4.2018
عبدالله درويش. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 19.4.2018

شماليّ خُزاعة، 13.4.2018:

في 13.4.2018، قرب الساعة 13:00، وصل أحمد عفّانة (30 عامًا، من سكّان خان يونس، متزوّج وأب لستّة أولاد) إلى منطقة المظاهرات شماليّ بلدة خُزاعة. بعد مضيّ بضعة ساعات - عند الساعة 17:00 تقريبًا، أصيب عفانة في رجله اليمنى وأخلي إلى المستشفى الأوروبي جنوب خان يونس. في إفادة أدلى بها يوم 30.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، حدّث أحمد قائلاً:

أحمد عفّانة
أحمد عفّانة

قال لي الأطبّاء أنّهم سوف يدخلونني إلى غرفة العمليات لأنّ إصابتي بليغة. سمعت طبيبًا يقول لطبيب آخر: "قطْع". كان ذلك آخر شيء سمعته. بعد ذلك حقنوني بالبنج وأدخلوني إلى غرفة العمليّات. بقيت هناك طيلة ستّ ساعات تقريبًا. عندما صحوت وجدت نفسي في قسم الجراحة. صرت أقول "رجلي، رجلي"، لأنّني ظننتها قُطعت خلال العملية، لكن تبيّن أنّهم لم يقطعوها.

بعد مضيّ ساعة على العملية حدث نزيف في الرّجل فأعادوني إلى غرفة العمليات. بعد أن أوقفوا النزيف نقلوني إلى غرفة العناية المكثّفة لانّ وضعي كان حرجًا إذ هبطت لديّ نسبة الهيموغلوبين في الدم. بعد العملية بيومين نقلوني من العناية المكثفة عودةً إلى قسم الجراحة. أجريت لي عمليات أخرى في الرّجل. زرعوا لي بلاتين ورمّموا التمزّق في الشريان. بعد ذلك كانوا ينظّفون الجرح يوميًّا. فقدت الإحساس برجلي. طيلة عشرة أيّام كانوا ينظّفون الجرح ويعطونني مسكّنات للأوجاع.

في 23.4.2018، في ساعات ما بعد الظهر، أحسست بشيء ساخن تحتي. عندما رفعت الغطاء وجدت رجلي تنزف بشدّة. نقلوني إلى غرفة العمليّات، وهناك تبيّن أنّ النزيف سببه تمزّق الشريان الذي جرى ترميمه. أوقف الأطبّاء النزيف، ولكنّهم في هذه المرحلة فقدوا كلّ أمل وأبلغوني أنّهم مضطرّون إلى قطع الرّجل - لأنّهم يخشون من مضاعفات تحدث لبقيّة أعضاء جسدي. ورغم أنّني كنت أعرف أنّ هناك احتمال قطع، لم نوافق أنا ووالداي على إجراء القطع. عارضنا ذلك بشدّة، لكن عندما تدهور الوضع كثيرًا وافقت، كذلك لم أعد احتمل الأوجاع - التي لم تتوقّف طيلة فترة رقودي في المستشفى.

في اليوم التالي قطع الأطبّاء رجلي اليمنى. دخلت غرفة العمليات في الساعة 10:00 صباحًا وخرجت في الـ12:00 ظهرًا. بعد خروجي طمأنني الأطبّاء أنّ وضعي الصحّي جيّد. أخذت عائلتي رجلي المقطوعة ودفنتها في المقبرة. ما زلت أرقد في المستشفى الأوروبي، حيث ينظّفون الجرح كلّ يومين، ويجب الانتظار حتّى يلتئم الجرح لتبدأ فترة عمليّات التجميل في الرّجل.

أشعر بإحباط وخيبة كبيرة. يصعب عليّ كثيرًا مجابهة حقيقة قطع رجلي. لكن هذا هو قدَري. آمل أن أشفى قريبًا، ثمّ يتمّ تركيب رجل اصطناعيّة فأتمكّن من العودة إلى ممارسة حياة طبيعية.

أحمد عفّانة. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 30.4.2018
أحمد عفّانة. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 30.4.2018

 

المكان