Skip to main content
قرية الدقيقة جنوب جبال الخليل غير مرتبطة بشبكة المياه ويضطر سكانها لشراء المياه في حاويات بسعر باهظ يعادل أربعة أضعاف معدل سعر المياه للاستهلاك المنزلي في إسرائيل. تصوير: ناصر نواجعة، بتسيلم، 19/8/2012
Menu
المواضيع

أزمة المياه

في العام 1967 بعد الاحتلال مباشرة سيطرت إسرائيل على جميع موارد المياه في الأراضي المحتلّة ولا تزال جميع موارد المياه بين النهر والبحر تحت سيطرتها التامّة - سوى جزء صغير من طبقة المياه الجوفيّة المتاخمة للشاطئ تحت قطاع غزّة. تستخدم إسرائيل المياه كما يحلو لها متجاهلة احتياجات السكّان الفلسطينيين، إذ تفرض على سكّان الضفة الغربية وقطاع غزّة نقصًا حادًّا في المياه: في المنطقتين لا تتوفّر للسكّان مياه بقدر احتياجاتهم وفي قطاع غزة جودة المياه متدنّية ولا تصلح للشرب.

حقّ الحصول على المياه والتمديدات الصحّية هو حقّ أساسيّ تنصّ عليه المواثيق الدولية التي التزمت بها إسرائيل ومن واجبها احترامها في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

الضفة الغربية

الاتفاق الانتقالي (أوسلو ب) الموقّع في 1995 أبقى السيطرة على جميع موارد المياه في يد إسرائيل. كان يُفترض أن يسري الاتفاق لمدّة خمس سنوات فقط ولكنّ إسرائيل لا تزال تطبّقه حتى يومنا هذا. يقتضي الاتّفاق أن تحصل إسرائيل على 80% من المياه الجوفية الجبلية المشتركة بين الفلسطينيين وإسرائيل فيما يحقّ للفلسطينيين أن يستغلّوا فقط 20% منها. إضافة إلى ذلك حدّد الاتفاق ألاّ يقيَّد تزويد المياه للإسرائيليين فيما قيّد تزويد المياه للفلسطينيين بكمية محدّدة سلفًا - نحو 118 مليون كوب (متر مكعب) تزوّد من تنقيبات قائمة تضاف إليها 70-80 مليون كوب تزوّد من تنقيبات جديدة؛ كما اقتضى الاتفاق أن يشتري الفلسطينيون من إسرائيل 31 مليون كوب إضافية كلّ سنة.

يستخرج الفلسطينيون الذين تضاعف عددهم منذ العام 1995 نحو 60% فقط من كمية المياه التي حدّدها الاتّفاق وذلك لأسباب تقنيّة مختلفة وفي أعقاب إخفاقات غير متوقّعة في تنقيب مياه جوفية جديدة في الحوض الشرقي - الذي لا يُسمح للفلسطينيين بالتنقيب خارجه وكذلك بسبب عراقيل وضعتها إسرائيل كالامتناع عن الموافقة على المشاريع أو إعاقة الموافقة عليها لفترات طويلة. في المقابل يواصل الإسرائيليون التمتّع بكميّات مياه غير محدودة.

لذلك تضطرّ السلطة الفلسطينية إلى شراء مياه من شركة "مكوروت" الإسرائيلية بكميّات تبلغ ضعف الكميّات المحدّدة في الاتّفاق. تفيد معطيات سلطة المياه لعام 2016 أنّ السلطة تشتري من شركة "مكوروت" 69 مليون لاستخدام الضفة.

نتيجة لهذا كلّه يضطرّ الفلسطينيون إلى مجابهة أزمة مياه دائمة معظمها من صنع يد الإنسان. معطيات سلطة المياه الفلسطينية تفيد بأنّ معدّل استهلاك المياه اليوميّ للفرد في الضفة الغربية - للاستخدام المنزليّ والتجاريّ والصناعيّ (لا يشمل الزراعة) - بلغ عام 2016 82,3 لتر (بعد خصم الهدر). هذه الكميّة أدنى من الحدّ الأدنى الموصى به من قبَل منظّمة الصحّة العالمية وهي 100 لتر يوميًّا للفرد الواحد - للاستخدام الشخصي والمنزليّ فقط. وحيث أنّ معطيات الاستهلاك الفلسطيني شملت أيضًا الاستخدام التجاري فإنّ معدّل الاستهلاك اليوميّ للفرد أدنى بكثير من84,3 لتر.

تصل أزمة المياه في الضفة أقصى شدّتها في الصيف. من أسباب ذلك تقليص شركة "مكوروت" كميّات المياه المزوّدة لجزء من البلدات الفلسطينية في فصل الصيف لكي تلبّي الطلب المتزايد على المياه في مستوطنات معيّنة؛ وانخفاض موسميّ في المياه المستخرجة من الآبار في بعض مناطق الضفة. تقليص كميّات المياه يسبّب انخفاضًا في ضغط المياه في الأنابيب ولكي تصل المياه لجميع المستهلكين تضطرّ سلطات المياه الفلسطينية المحليّة إلى تنظيم تزويد المياه للبلدات والأحياء المختلفة - توصيلها وقطعها - وفق جدول مواعيد. جرّاء ذلك يعاني كثير من الفلسطينيين من انقطاعات متكرّرة في تزويد المياه تدوم بين عدّة أيّام وأسبوع. إضافة إلى ذلك يؤدّي ضعف ضغط المياه في الأنابيب إلى عدم وصول المياه للمناطق المرتفعة أو البعيدة.

المعطيات الإجماليّة عن معدّل استهلاك المياه في الضفة لا تعكس كلّ جوانب أزمة المياه التي يعانيها السكّان. تختلف كميّات المياه المزوّدة من منطقة إلى منطقة ومن بلدة إلى بلدة. في أعلى السلّم نجد المدن والبلدات المتطوّرة التي تمتلك شبكة مياه تمدّ المنازل بالماء على الأقلّ في جزء من ساعات اليوم. كذلك فإنّ شبكة الطرق المعبّدة في هذه الأماكن تتيح توصيل مياه الصهاريج المزوّدة من مصادر بديلة كالينابيع والتنقيبات الفلسطينية عندما تقلّص إسرائيل كميّات المياه المزوّدة عبْرها. ولكن هناك قرى تمتلك شبكة مياه لكنّها تعاني نقصًا حادًّا عند تقليص الكميّات المزوّدة وذلك بسبب ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة ظروف الطرق.

في أدنى السلّم توجد عشرات البلدات التي لا تتيح إسرائيل وصلها بشبكة المياه فيضطرّ سكّانها إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج طيلة أيّام السنة بتكاليف باهظة. كثيرًا ما تكون كلفة توصيل المياه إلى هذه البلدات عالية جدًا بسبب الطرق غير المعبدة المؤدّية إليها حيث تمنع إسرائيل أصلًا شقّها. يفيد مسح أجرته في عام 2013 وكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن عدد هذه البلدات كان حينئذً 180 بلدة تقع جميعها أو جزء منها في مناطق C. بلغ عدد سكّان هذه البلدات حينئذٍ نحو 30 ألف شخص.

إضافة إلى القيود الصارمة التي تفرضها إسرائيل على تطوير مرافق البنى التحتية في هذه البلدات يعاني سكّانها أيضًا من سيطرة المستوطنين والسلطات الإسرائيلية على مصادر المياه الطبيعية التي اعتمدوا عليها طيلة السنين إذ يهدم هؤلاء آبار المياه وبرك الينابيع ويسدّون طرق الوصول إليها. تسعى السلطات الإسرائيلية من وراء ذلك إلى ترحيل سكّان التجمّعات عن منازلهم. معدّل استهلاك المياه اليوميّ في هذه التجمّعات يقارب 20 لترًا للفرد الواحد. وهم يشترون المياه المنقولة بالصهاريج بأسعار تبلغ أضعاف سعر المياه المزوّدة عبر الأنابيب. زد على ذلك أنّ هذه المياه ليست آمنة للشرب حيث تعتبر معايير الصهاريج التي تُنقل فيها المياه، من حيث الحفاظ على الشروط الصحّية، متدنية.

يعكس هذا الواقع كيف تنظر إسرائيل إلى المياه - كما إلى الموارد الطبيعية الأخرى في الضفة الغربية - كأنّها ملكها وحدها كما تستخدمها لغرض مزدوج: أولاً لتلبية احتياجاتها هي - وخاصّة احتياجات المستوطنين في الضفة؛ وثانيًا لأجل سلب مناطق بعينها من أيدي الفلسطينيين وفرض سيطرتها عليها.

قطاع غزة

تحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عشر سنوات حيث فرضت الحصار في حزيران 2007. منذ ذلك الحين تمنع إسرائيل إدخال البضائع التي تعرّفها كبضائع "مزدوجة الاستخدام" إذ ترى أنّه يمكن استخدامها لأغراض مدنيّة وعسكريّة في آن. في إطار ذلك تقيّد إسرائيل إدخال موادّ البناء كالإسمنت والحديد وموادّ خام أخرى تلزم لترميم مرافق المياه والصرف الصحّي في القطاع. تضرّرت هذه المرافق بشكل كبير جرّاء الهجمات الإسرائيلية خلال حملاتها العسكرية التي شنّتها على قطاع غزة - وخاصة أثناء حملتَي "الرصاص المصبوب" في نهاية 2008 و"الجرف الصامد" في صيف 2014. تقدّر هذه الأضرار بقيمة نحو 34 مليون دولار؛ ومع نهاية العام 2015 كان في قطاع غزة نحو 100 ألف شخص ما زالوا غير موصولين بشبكة المياه العموميّة وفقًا للتقديرات.

المياه الجوفيّة الساحليّة التي تتأثر بها كميّات المياه المزوّدة لسكّان غزة ملوّثة جرّاء الضخّ المفرط وتسرّب مياه المجارير. نتيجة لذلك تبلغ نسبة المياه غير الصالحة للشرب من المياه الجوفية المزوّدة في غزة للاستخدام المنزلي تبلغ 96.2%. ولأنّه لا تتوفر لغزة مصادر مياه أخرى يتواصل الإفراط في ضخّ المياه الجوفية حتّى أنّ آبار التنقيب على وشك الانهيار.

يضطرّ سكّان غزة رغمًا عنهم إلى تقليص كميات المياه التي يشربونها وإلى شراء المياه المحلّاة المزوّدة في السوق الخاصّ. تفيد التقديرات أنّ نحو 68% من المياه المحلّاة ملوّث أيضًا وهذا يرفع احتمالات تفشّي الأمراض بين السكّان.

وفقًا لمعطيات سلطة المياه الفلسطينية، كميّة المياه المزوّدة للاستخدام المنزلي في غزة بلغت في عام 2016 98 مليون كوب. ما يقارب 85.8% من هذه المياه تمّ ضخّها من آبار داخل القطاع، و-10.1% منها تمّ شراؤها من شركة "مكوروت" والبقيّة مياه تمّت تحليتها في 154 مرفقًا لتحلية المياه بملكية خاصة. في المحصلة ما نسبته 18.09% من المياه التي توفرها هذه المصادر تعتبر مياهًا صالحة للشرب. وتفيد تقديرات سلطة المياه الفلسطينية أنّ نحو 85 مليون كوب إضافية يتمّ ضخّها في غزة لأغراض الزراعة.

نحو 40% من المياه المزوّدة للاستخدام المنزلي يضيع هباءً في الطريق إلى منازل السكّان بسبب قِدَم مرافق المياه في القطاع ونتيجة لهذا بلغت كميّة المياه الشاملة المزوّدة للاستخدام المنزلي في 2016 58,7 مليون كوب ومعدل استهلاك المياه اليومي للاستخدام المنزلي 91,2 لترًا للفرد. هذه الكمية أقلّ بكثير من الكمية الموصى بها من قبَل منظمة الصحة العالمية وتبلغ 100 لتر يوميًّا للفرد الواحد.

كلمات مفتاحية