Skip to main content
روزيان النجار في الخيمة الطبية في مظاهرات العودة. تصوير: عبد العزيز النجار
Menu
المواضيع

إطلاق النّار على يد الجنود كان متعمّدًا بهدف قتل المُسعفة روزان النجّار في قطاع غزّة

عندما نادوا للخروج في مسيرات العودة عند حدود قطاع غزّة قرّرت روزان أن تكون أولى المشاركات من بين المتطوّعات، وذلك لشدّة إيمانها بالعمل الإنسانيّ. وقد شجّعها على ذلك اعتقادها بأنّ المسيرات آمنة، وأنّ حضورها هناك ضمن طواقم الإغاثة الطبّية كفيل بحمايتها. كنت أراها وهي تعمل كمسعفة متطوّعة في المظاهرات. كانت تتنقّل مثل فراشة من هنا إلى هناك لتقدّم العلاج للجرحى. كنت فخورة لرؤيتها وهي تعمل في الميدان وكنت مطمئنّة عليها لأنّها مسعفة. اعتقدت أنّ الجيش الإسرائيلي لن يلحق بها الأذى.

هكذا تحدّثت والدة روزان - صابرين النجّار، 43 عامًا متزوّجة وأمّ لستّة أولاد وهي من سكّان خُزاعة. روزان النجّار ألبالغة من العمر 20 عامًا عملت هناك مسعفة متطوّعة، لكنّ الجنود قتلوها متعمّدين خلال مظاهرة جرت يوم 1.6.2018 شماليّ خُزاعة الواقعة الى الشرق من خان يونس - ضمن فعاليّات مسيرات العودة التي تجري في قطاع غزّة منذ نهاية شهر آذار 2018. شارك الآلاف في تلك المظاهرة وقام بعض المتظاهرين بإشعال الإطارات ورشق الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن، الذين كانوا منتشرين في الجانب الآخر من الشريط الفاصل بين القطاع وإسرائيل. أطلقت القوّات النيران الحيّة وقنابل الغاز المسيل للدّموع نحو المتظاهرين. بعد صلاة العصر ارتفعت أعداد المشاركين في المظاهرة وعمل طاقم مسعفين في المكان على تقديم الإسعاف الأوّلي للمتظاهرين المصابين جرّاء استنشاق الغاز. نحو الساعة 18:00 تقدّمت مجموعة مسعفين باتّجاه الشريط لإنقاذ شابّين أصيبا جرّاء استنشاق الغاز وكان أعضاء الطاقم يرتدون ملابسهم التي تعرّف بمهمّتهم الطبّية ويرفعون أيديهم في الهواء.

المسعف رامي أبو جزر (29 عامًا من سكّان خان يونس) كان يعمل متطوّعًا إلى جانب روزان النجّار. في إفادته التي أدلى بها يوم 3.6.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم، خالد العزايزة، وصف رامي ما حدث:

Thumbnail
رامي أبو جزر. تصوير: خالد العزايزة ، بتسيلم ، 3.6.18

في يوم الجمعة 1.6.2018 كالمعتاد في الأسابيع الأخيرة أتيت إلى منطقة خيام المتظاهرين وجلست داخل سيّارة الإسعاف التي كانت متوقّفة في الجوار. كان ذلك بعد صلاة العصر بقليل حوالي الساعة 16:30. وصلت زميلتي روزان النجّار وتبادلنا أطراف الحديث قليلًا. كانت مسرورة لأنّها اقتنت هاتفًا خلويًّا جديدًا. طلبت منّي الاحتفاظ بالهاتف لأنّها ستذهب للاعتناء بالمتظاهرين وخشيت أن يقع منها. ولأنّني عزمت على مرافقتها في مهمّة الإسعاف أمّنت الهاتف لدى زميل آخر لنا. تناولت روزان معدّات الإسعاف الأوّلي وذهبنا سويّة مع بقيّة المسعفين لكي نعالج الجرحى الذين أخذوا يصلون في أعقاب تصعيد المواجهات بين المتظاهرين والجنود. كان هنالك نحو 70 مصابًا جرّاء استنشاق الغاز. في الجانب الآخر من الشريط الفاصل كان عدد من الجيبات وجنود يطلقون منها قنابل الغاز. كما رأيت جنودًا يطلقون قنابل الغاز بواسطة بنادق خاصّة.

بعد ذلك اتّجهت نحو المتظاهرين مع مسعفين آخرين - من بينهم روزان النجّار، رشا قديح، رضا النجّار ومحمود عبد العاطي. وبينما كنّا نقف قريبًا من المتظاهرين سمعنا أشخاصًا يصرخون قائلين أنّ شابّين قد أغمي عليهما قرب السّلك اللّولبيّ الشائك الممدود على الأرض على بُعد نحو 10 أمتار من الشريط الفاصل. قرّرنا التوجّه نحو الشابّين لإنقاذهما وكنت أنا وروزان في المقدّمة وقد رفعنا أيدينا فوق رأسينا لكي نهدّئ الجنود ونُفهمهم أنّنا مسعفون. كنّا جميعًا نرتدي "الفِسْت" الطبّي وعليه شعار طواقم الإسعاف الأوّلي. عندما وصلنا إلى الشابّين وشرعنا في نقلهما لإسعافهما أخذ الجنود يطلقون قنابل الغاز علينا، وبكثافة. أعتقد أنّهم كانوا يطلقونها من أحد الجيبات العسكريّة. بدأت تظهر أعراض الاختناق على روزان ورشا فطلبت من محمود أن يهتمّ بإسعاف روزان بينما أهتمّ أنا بإسعاف رشا. بعد ذلك ابتعدنا نحن الأربعة عن الشريط وبقي هناك شباب ومسعفون تمكّنوا من إنقاذ الشابّين المصابين جرّاء استنشاق الغاز. بعد أن ابتعدنا شعرنا بتحسّن فقرّرنا متابعة مهمّتنا الإسعافيّة وتوجّهنا لنقف قريبًا من المتظاهرين. وقفنا على بُعد نحو 10 أمتار منهم ونحو 25 مترًا من الشريط. لم يكن في جوارنا أيّ متظاهر. عند الساعة 17:45 تقريبا رأينا جنودًا ينزلون من جيب عسكريّ ويركعون ويصوّبون سلاحهم نحونا في وضعيّة قنص. كانت روزان تقف إلى يميني ورشا خلفي - وكنّا نتحدّث. فجأة أطلق الجنود علينا عيارين ناريّين. نظرت إلى روزان فوجدتها تشير إلى ظهرها ثمّ وقعت أرضًا. بعد ثانية واحدة وقعت أنا أيضًا لأنّ عيارًا أصابني فوق الرّكبة اليسرى. لاحقًا قيل لي إنّ روزان أصيبت في الجانب الأيسر من الصّدر ومحمود أصابته شظايا في يده اليمنى وفي منطقة الحوض.

المسعف محمود عبد العاطي (34 عامًا وهو من سكّان خان يونس) أدلى بإفادته يوم 3.6.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة. وصف محمود الحدث كما يلي:

Thumbnail
محمود العطي. تصوير: خالد العزايزة ، بتسيلم ، 3.6.18

بعد السّاعة 17:30 بقليل سمعنا أنّ شابّين اختنقا جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع وأنّهما قريبان من السّلك اللّولبي الشائك الذي يبعد نحو 10 أمتار عن الشريط الفاصل. كان أحدهما مغمًى عليه والثاني أشار لنا بيديه ففهمنا أنّه بحاجة لإسعاف. اتّجهت إلى هناك سيرًا على الأقدام مع عدد من المسعفين وكنّا نرتدي "الفِسْت" الخاصّ بالمسعفين وعليه "لوغو" الإغاثة الطبية الفلسطينية. كنت مع رامي أبو جزر، رشا قديح، روزان النجّار وعدد آخر من المسعفين وكنّا نرفع أيدينا فوق رؤوسنا.

وصلنا إلى الشابّين المصابين وفجأة أطلقت من الجيبات صلية قنابل غاز مباشرة نحونا. اختنقت رشا وروزان جرّاء استنشاق الغاز فأسعفتُ روزان بواسطة رشّ الكحول قرب أنفها - لكي تبقى متيقّظة وغسلت وجهها بمحلول الملح لتخفيف الشعور بالحَرَقة. في هذه الأثناء قدّم رامي الإسعاف لزميلتنا رشا. كنّا على بُعد نحو 20 مترًا من السّلك اللّولبي فيما بقيّة أعضاء الطاقم أخلوا الشابّين المصابَين جرّاء الغاز إلى مكان آمن بعيدًا عن الشريط. بعد ذلك رجعنا ووقفنا إلى الشمال الغربي من المتظاهرين على بُعد نحو 10 إلى 20 مترًا من السلك اللّولبي.

قرب الساعة 17:45 نزل جنديّان من جيب عسكريّ وصوّبا بندقيّتيهما نحونا. أطلقا عيارين أصاب أحدهما روزان في يسار الصدر وخرج من ظهرها. في اللحظة نفسها أصبت من شظايا عيار ناري في منطقة الحوض واليد اليمنى. زميلي رامي أصابه عيار في أعلى رجله اليسرى إضافة إلى شظايا أصابته في رجله اليمنى ويده اليسرى. 

أخلى أعضاء الطاقم الطبّي روزان وهي مغمًى عليها إلى خيمة الاسعاف الميداني في منطقة الخيام. من هناك تمّ نقلها في سيّارة إسعاف إلى المستشفى الأوروبي الواقع جنوبَ خان يونس حيث استمرّت محاولات إحيائها نحو نصف السّاعة ثمّ أعلنت وفاتها. أيضًا رامي أبو جزر ومحمد عبد العاطي نُقلا إلى المستشفى الأوروبي وبعد إخراج الشظايا ومعالجة جروحهما غادرا إلى منزليهما.

 

Thumbnail
صابرين النجار مع ملصق في ذكرى ابنتها روزان. الصورة: أولت الكرد ، بتسيلم ، 1.7.18

في إفادتها من يوم 1.7.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم، ألفت الكرد، تحدّثت صابرين النجّار عن ابنتها قائلة:

كانت روزان فتاة بريئة محبّة للحياة دائمة الابتسامة. كانت تحلم أن تدرس التمريض في الجامعة لكنّ وضعنا الاقتصادي لم يسمح بذلك فاكتفت بدورات الإسعاف الأولي في مستشفى ناصر في خان يونس. عندما دعوا للخروج في مسيرات العودة عند حدود قطاع غزّة كانت روزان بين أوائل من تطوّعوا لتقديم المساعدة وذلك لشدّة إيمانها بالعمل الإنسانيّ. كنت أراها وهي تعمل متطوّعة في المظاهرات تتنقّل مثل فراشة وتركض من هنا إلى هناك لتقدّم العلاج للجرحى. كنت فخورة لرؤية روزان وهي تعمل في الميدان وكنت مطمئنّة عليها لأنّها مسعفة. اعتقدت أنّ الجيش الإسرائيلي لن يلحق بها الأذى".

يوم الجمعة في ساعات المساء اتّصل جارنا وأخبرنا أنّ روزان قد أصيبت. فورًا هاتفت زوجي واتّجهنا مباشرة إلى المستشفى الأوروبي جنوبَ خان يونس. هناك وجدنا أنّها في غرفة العناية المكثّفة. قلت للحرّاس أنّني أريد رؤيتها لكنّهم لم يسمحوا لي. لم أستمع إليهم دفعت الباب بقوّة ودخلت إليها. رأيتها ممدّدة بلا حراك. ضممتها وقلت لها: "روزان انهضي! إنّه فقط غاز مسيل للدّموع قومي ماما قومي يا حبيبتي". كانت كلّ ملابسها ملطّخة بالدماء. أخذت أبكي وأصرخ حتّى شعرت بأنّ روحي تفارقني. لقد أدركت أنّني لن أراها ثانية. لقد فقدت ابنتي ولن تعود إليّ أبدًا. لن أستطيع أن أضمّها من بعد الآن. حياتي صعبة جدًّا من بعد موتها. أحيانًا أناديها عندما نجلس لتناول الطعام لأنّني أحسّ أنّها لا تزال معنا ولم تمت. الأمر صعب بالنسبة لجميع أفراد العائلة. إنّي أصلّي لأجلها ليل نهار وأدعو الله أن يتغمّدها برحمته ويدخلها جنّته. فراقها صعب جدًّا. ما الذي فعلته روزان لكي يقتلوها هكذا؟ 

حاول الناطق بلسان الجيش التنصل من مسؤولية الجيش عن مقتل روزان النجار. في البداية أعلن أنّ الجنود الذين أطلقوا النار في المنطقة لم يصوّبوا أبدًا نحو المكان الذي كانت تقف فيه. لاحقًا أعلن أنّ روزان النجّار قُتلت على ما يبدو جرّاء إصابتها "بشظية رصاصة" وفي نهاية المطاف زُعم أنّها عملت كـ"درع بشريّ لتحمي مثيري الشّغب". مقابل هذه الرّوايات الكثيرة التي صدّرها الجيش وقائع الحادثة لا تقبل الشكّ: يثبت تحقيق بتسيلم أنّ أحد عناصر قوّات الأمن قتل روزان النجّار البالغة من العمر 20 عامًا عمدًا وبتصويب مباشر نحوها من مسافة تقارب 25 مترًا - رغم أنّها لم تشكّل خطرًا عليه أو على أيّ شخص آخر وعِلمًا أنّها كانت ترتدي زيّ الطواقم الطبّية.

مقتل روزان النجّار يعتبَر نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النّار التي تتّبعها إسرائيل منذ بدء مسيرات العودة. وقد باتت معلومة النتائج الفتّاكة لهذه السياسة: منذ بدء المظاهرات في 30.3.2018 قُتل جرّاء تطبيق هذه السياسة 127 متظاهرًا بينهم 18 قاصرًا على الأقلّ ومعظمهم لم يشكّل خطرًا على قوّات الأمن الذين انتشروا في الجانب الآخر من الشريط الفاصل. إضافة إلى ذلك أصيب أكثر من 4100 شخص جرّاء إطلاق الأعيرة الناريّة. استهدفت هذه السياسة أعضاء طواقم الإغاثة الطبّية أيضًا. هكذا في 14.5.2018 - وقبل مقتل المسعفة روزان النجّار بأسبوعين - قتلت قوّات الأمن المسعف موسى أبو حسنين البالغ من العمر 34 عامًا خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. تفيد المعطيات التي نشرتها منظّمة الصحّة العالمية أنّه حتّى 10.7.2018 كان عدد المسعفين المصابين قد بلغ 357 مسعفًا حيث أصيب 26 منهم بأعيرة ناريّة و37 جرّاء إصابة مباشرة بقنبلة غاز و12 أصيبوا بشظايا ولم تردْ تفاصيل حول بقيّة الإصابات. كذلك استُهدفت 58 سيّارة إسعاف.

محاولات الناطق بلسان الجيش وجهات رسميّة أخرى التنصّل من مسؤولية الجيش عن مقتل روزان النجّار لا تقع ضمن إجراء كشف الحقائق للجمهور الذي تقوم به عادة السلطات المخوّلة. بل على عكس ذلك هذه المحاولات تقع ضمن النشاط الدّعائي الترويجيّ الذي تقوم به السلطات - المسؤولة عن سياسة إطلاق النّار هذه وغايتها تقليص الأضرار اللّاحقة بسمعة إسرائيل وصورتها ما أمكن، عن طريق إخفاء الحقائق وطمسها. لكنّ الدّعاية أمر والواقع أمرٌ آخر. والواقع أنّ السلطات الإسرائيلية لا تكترث لمقتل الفلسطينيين وإلّا لغيّرت إسرائيل سياسة إطلاق النار منذ زمن وتوقّفت عن إطلاق النار على المتظاهرين العزّل المتواجدين أصلًا في الجانب الآخر من الشريط بحيث لا يشكّلون خطرًا على أيّ كان. تتأكّد إجراميّة هذه السياسة كلّ مرّة من جديد عندما يواصل الجيش تطبيقها دون أيّ تغيير - بل هو يدعمها بواسطة أجهزة الطمس العسكريّة التي تضمن في كلّ الحالات تقريبًا ألّا يحاسَب أحد على قتل الفلسطينيّين حتّى لو كانت ملابسات فعلته فاضحة كما في حالة قتل روزان النجّار.