Skip to main content
محمود الحواجري في ساحة منزله. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 27.1.19
Menu
المواضيع

يطلقون الرّصاص وينكّلون بالجرحى: إسرائيل تمنع العلاج الطبّي عن جرحى مظاهرات غزّة

مظاهرات "مسيرات العودة" التي تجري قرب الشريط الحدودي بين قطاع غزّة وإسرائيل مطالبة بممارسة حقّ العودة ورفضًا للحصار على القطاع لا تزال مستمرّة منذ سنة تقريبًا. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة أنّه حتى نهاية شهر كانون الثاني 2019 أصيب في هذه المظاهرات 27,942 شخصًا وتمّ نقل 14,768 للعلاج في مستشفيات القطاع. أكثر من 6,300 من هؤلاء الجرحى أصيبوا بالرّصاص الحيّ. وتفيد معطيات بتسيلم أنّ عدد الذين قُتلوا في هذه المظاهرات حتى نهاية شهر شباط 2019 قد بلغ 200 شخصًا من بينهم 39 قاصرًا وامرأتين. معظم القتلى والجرحى لم يشكّلوا خطرًا على عناصر قوّات الأمن المنتشرين أصلًا في الجانب الآخر من الشريط الحدودي.

من الصّعب حتى على جهاز صحّة في وضع عاديّ أن يتمكّن من تقديم العلاج لهذا العدد الهائل من الجرحى فكم بالحريّ حين يكون هذا الجهاز على شفا انهيار مثلما في قطاع غزّة. يستمرّ الحصار الإسرائيليّ لقطاع غزّة منذ أكثر من عشر سنوات حيث تقيّد إسرائيل دخول الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة وقطع الغيار للأجهزة المعطّلة كما تقيّد خروج الأطبّاء للمشاركة في دورات التأهيل والاستكمالات. أدّى تقييد إدخال الأدوية إلى نقص كبير في مخزون الأدوية والأدوات الضروريّة. علاوة على ذلك هناك نقص في تزويد الكهرباء للقطاع معظمه بسبب سياسة إسرائيل وانقطاع الكهرباء بشكل متكرّر يُلحق الضرر بالأجهزة الطبّية بحيث تضطرّ المستشفيات هناك إلى العمل جزئيًّا فقط ممّا يجبرها على تأجيل العمليّات الجراحيّة غير العاجلة وتقليص فترة علاج المرضى بإخراجهم إلى منازلهم قبل الأوان.

نظرًا لتدهور جهاز الصحّة في القطاع من الواضح أنّه يعجز عن توفير العلاج الطبّي الضروريّ لجرحى مسيرات العودة وعليه لا بدّ لهؤلاء من الحصول على هذه الخدمات الطبّية خارج القطاع. لكنّ إسرائيل أعلنت بعد وقت قصير من اندلاع مظاهرات العودة أنّها لن تمكّن الجرحى - جميعهم - من مغادرة القطاع لأجل تلقّي العلاج الطبّي في الضفّة الغربيّة (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل أو الأردن. في نيسان 2018 تقدّم كلّ من "عدالة" و-"الميزان" بالتماس إلى محكمة العدل العليا باسم جريحين يواجهان خطر بتر الأطراف بسبب انعدام إمكانيّة العلاج في قطاع غزّة. في ردّها المقدّم للمحكمة أبلغت الدولة أنّ طلبات التصاريح رُفضت "على خلفيّة سياسة وزير الأمن في هذا الشأن، بأنّ من جُرحوا أثناء مشاركتهم في أعمال شغب عنيفة نظّمتها حماس لن يمكنهم دخول إسرائيل ما لم يوجد وضع طبّي عينيّ يبرّر الخروج عن هذه القاعدة وفي غياب خطر محقّق على حياة أيّ من مقدّمي الالتماس". كذلك ادّعت الدولة أنّها "حذّرت سكّان القطاع من المشاركة" في المظاهرات وكأنّما تحذيرها هذا يبرّر لها أن تمنع عنهم العلاج الطبّي اللّازم.

رغم الوضع الصحّي الحرج للجريحين المذكورين وبالتالي حاجتهما الملحّة إلى علاج عاجل رفضت محكمة العدل العليا الإيعاز بعقد جلسة عاجلة ممّا أجبر الأطبّاء في القطاع على بتر إحدى الرّجلين لكلّ من الجريحين. فقط بعد مضيّ أكثر من أسبوع على تقديم الالتماس قرّر القضاة تمكين أحدهما (يوسف الكرنز، 19 عامًا) من الخروج من قطاع غزة لتلقّي العلاج في مستشفيات رام الله لأجل إنقاذ الرّجل الثانية. ومع ذلك، أكّد القضاة أن قرارهم هذا لا يُستدلّ منه على الحالات الأخرى وأنّهم لا يتّخذون موقفًا مبدئيًّا من سياسة الدّولة في شأن عبور المتظاهرين الجرحى. بذلك أتاحت محكمة العدل العليا للدولة مواصلة تطبيق سياسة منع العلاج الطبّي عن معظم الجرحى.

تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة أنّه منذ بدء مظاهرات العودة وحتّى نهاية شهر كانون الثاني 2019 قدّم 493 من جرحى المظاهرات طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل؛ وأنّه لم تتمّ الموافقة سوى على 85 طلبًا منها (17%) فيما رُفض 408 طلبات (83%) رفضًا مباشرًا أو بالامتناع عن الردّ عليها. بالنظر إلى كثرة أعداد الجرحى وإلى وضع جهاز الصحّة في قطاع غزّة من المرجّح أن عدد الطلبات الوارد أعلاه لا يعبّر عن كامل الاحتياجات، بل يعبّر عن امتناع الجرحى عن تقديم طلبات تصاريح نتيجة لإدراكهم أنّ احتمالات الموافقة على طلباتهم ضئيلة للغاية.

نسبة طلبات جرحى المظاهرات التي تمّت الموافقة عليها أقلّ بكثير من نسبة ما توافق عليه إسرائيل من مجمل طلبات تصريح الدخول عبر حاجز إيرز التي يقدّمها سكّان قطاع غزّة لأجل تلقّي العلاج خارجه. وفقًا لمعطيات منظّمة الصحّة العالميّة: خلال عام 2018 تقدّم سكّان القطاع بـ25,808 طلبات تصريح دخول لأجل تلقّي العلاج الطبّي في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) وفي إسرائيل. رُفض ما يقارب 40% من هذه الطلبات - سواء بالرّفض المباشر أو بعدم الردّ قبل الموعد المقرّر للعلاج. 60% من الطلبات التي تم رفضها تتعلّق بالعلاج في مستشفيات شرقيّ القدس و23% للعلاج في مستشفيات أخرى في الضفّة الغربية و-17% في مستشفيات داخل إسرائيل.

 

  عدد الطلبات المقدّمة طلبات رُفضت مباشرة طلبات رُفضت بعدم الردّ عليها مجموع الطلبات المرفوضة 
المجموع 25,808 1,962 8,014 9,976
شرقيّ القدس 15,285 1,258 4,688 5,946
الضفة الغربيّة 4,773 523 1,812 2,335
إسرائيل 5,750 181 1,514 1,695

 

بعض الأشخاص الذين رفضت إسرائيل طلباتهم أو لم تردّ عليها بتاتًا يحاولون عوضًا عن ذلك الخروج عبر معبر رفح لأجل تلقّي العلاج في الأردن أو في مصر. لكنّ هذا الحلّ يناسب فقط جزءًا من المحتاجين للعلاج فليس الجميع يمكنهم الحصول على العلاج اللّازم في هاتين الدّولتين وبعضهم حتى لا يتحمّل متاعب السّفر الطويل ناهيك عن مخاطر المرور عبر سيناء. منذ شهر أيّار 2018 انتظم العمل في معبر رفح بحيث يفتح خمسة أيّام أسبوعيًّا، لكنّ مصر تقيّد عدد العابرين منه. في الفترة ما بين شهر أيّار وشهر كانون الأوّل 2018 لم يتجاوز عدد العابرين من معبر رفح 1,510 مريضًا، بمتوسّط 189 شهريًّا.

الطرف المسؤول عن نشوء هذا الواقع بكلّ مركّباته هو إسرائيل: هي التي وضعت سياسة إطلاق النار التي تسمح باستخدام الرّصاص الحيّ ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطرًا على أحد وتسبّبت بوقوع آلاف الجرحى - وترفض تغيير هذه السياسة الآن أيضًا، بعد مرور سنة واتّضاح النتائج الوخيمة للجميع منذ زمن طويل. وهي من فرض الحصار على القطاع قبل عشر سنوات وتسبّبت بانهيار جهاز الصحّة هناك والآن هي من يرفض تمكين الجرحى من عبور مسافة بضعة عشرات من الكيلومترات داخل أراضيها لكي يحصلوا على العلاج الطبّي اللّازم لهم. بالنظر إلى ذلك يقع واجب تغيير هذا الواقع على إسرائيل سواء لجهة منع إطلاق الرّصاص الحيّ على من لا يشكّل خطرًا لأحد ورفع الحصار وإتاحة العلاج الطبّي الملائم لكلّ من يحتاجه.

أدناه إفادات جمعها باحثو بتسيلم الميدانيّون من جرحى قدّموا طلبات تصريح للدّخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج الطبّي ورفضت إسرائيل طلباتهم:

الجريح حسن العيسوي (41 عامًا) متزوّج وأب لأربعة أولاد وهو من سكّان خان يونس

العيسوي مُسعف متطوّع في المظاهرات ضمن طواقم الهلال الأحمر وقد أصيب بالرّصاص الحيّ في رجله خلال مظاهرة جرت في 19.10.18 شرقيّ خان يونس. حطّمت الرّصاصة عظم رجله وخضع لعدد من العمليّات الجراحيّة في مستشفيات القطاع، لكنّه يحتاج عمليّات إضافيّة لا يمكن إجراؤها هناك فحوّله الأطبّاء إلى مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس. تمّ تعيين دور له في المقاصد وقدّم ثلاث مرّات طلبات لتصريح خروج إلى هناك، لكنّ إسرائيل رفضتها في كلّ مرّة. الآن يخشى الأطبّاء أن ذلك سوف يضطرّهم إلى بتر رجله لأنّه لا علاج لها في القطاع. قبل إصابته، كان العيسوي يعمل مدير مشاريع في جمعيّات خاصّة لكنّه اليوم عاطل عن العمل لأنّه لا يستطيع التنقّل.

Thumbnail
حسن العيسوي في منزله. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 20.2.19

في إفادة أدلى بها العيسوي يوم 19.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، قال:

منذ ابتدأت المظاهرات شرقيّ خان يونس تطوّعت مع الهلال الأحمر لتقديم الإسعاف الأوّلي. في يوم الجمعة 19.10.18 وصلت كعادتي إلى المظاهرة شرقيّ خان يونس مع غيري من المسعفين المتطوّعين. ارتديت زيّ المسعفين المتطوّعين وعلّقت بطاقة تعريف من وزارة الصحّة.

خلال المظاهرة وعندما كنت بعيدًا عن الحدود أصبت في رجلي اليمنى بالرّصاص الحيّ وتمّ نقلي إلى المستشفى الأوروبي حيث رقدت هناك للعلاج مدّة ثلاثة أيّام. لقد تحطّم عظم رجلي وقُطع العصب الرئيسي والوتر الرئيسي. قام الأطبّاء بزرع بلاتين داخل رجلي. بعد ذلك تمّ تحويلي إلى مستشفى ناصر حيث رقدت للعلاج طيلة 25 يومًا ومن هناك حوّلوني إلى مستشفيات أخرى مثل دار السلام والمستشفى الحكومي في خان يونس خضعت فيها لثلاث عمليّات جراحيّة.

أثناء مكوثي في المستشفى حوّلني الأطبّاء لاستكمال العلاج في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس لأنّني أحتاج عمليّة جراحيّة معقّدة لا يمكن إجراءها في مستشفيات قطاع غزّة. عبّأت نموذج وزارة الصحّة الفلسطينيّة ثمّ تمّ تعيين دور لي في مستشفى المقاصد بتاريخ 12.11.18. قبل الموعد بيوم واحد تلقّيت عبر الهاتف رسالة نصّيّة تفيد بأنّ طلبي لا يزال قيد الفحص وهكذا خسرت دوري فاضطررت إلى إعادات الإجراءات وتمّ في مستشفى المقاصد تعيين دور جديد في 10.12.18 فقدّمت مرّة ثانية طلب تصريح خروج لكن في هذه المرّة تلقّيت ردًّا بالرفض. في المرّة الثالثة تمّ تعيين دور لي في 7.1.19 وأيضًا في هذه المرّة رفضوا طلبي لتصريح خروج. الآن هناك دور للعلاج في 5.3.19 وقدّمت طلبًا رابعًا لتصريح وما زلت أنتظر الردّ عليه.

في موازاة ذلك قدّمت طلبًا للعلاج في مصر احتياطًا، في حال لم أتمكّن من تلقّي العلاج في شرقيّ القدس - لأنّ وضع رجلي سيّء جدًّا. أعاني من مضاعفات أدّت إلى التهابات في العظم، وهذا وضع خطير يستدعي علاجًا ملائمًا وإلّا فسوف يقطعون رجلي. حاليًّا أتلقّى العلاج الطبيعي في عيادة جمعيّة "أطبّاء بلا حدود" مرّة كلّ يومين والجمعيّة تتكفّل بنقلي إلى هناك. لديّ سيّارة لكنّني لا أستطيع القيادة في ظرفي الحاليّ. أستخدم في المشي عكّازات طبّية ولكنّني لا أخرج من المنزل سوى لأجل العلاجات.

لقد توقّفت حياتي منذ أن أصبت. قبل الإصابة كنت أتدرّب على رفع الأثقال في نادٍ رياضيّ. وقد اضطررت إلى مفارقة زوجتي وأولادي لأنّ منزلنا يقع في الطابق الرّابع وأسكن حاليًّا في منزل والدتي في الطابق الأوّل لكي يسهل عليّ الذّهاب إلى المستشفى وبقيّة العلاجات. أحيانًا أتواجد في منزلي مرّة في الأسبوع وأقضي الوقت مع زوجتي وأولادي. أعيش في توتّر دائم وهذا الوضع يؤثر على علاقتي مع زوجتي والأولاد. علاوة على ذلك أنا عاطل عن العمل منذ الإصابة. كنت أعمل مدير مشاريع في جمعيّات خاصّة لكنّي مسيرتي المهنيّة توقّفت. الآن أقضي معظم وقتي في مواقع التواصل الاجتماعي والعلاجات.

أعاني من آلام شديدة في رجلي لكنّني أرفض تناول مسكّنات قويّة لأنّ أعراضها الجانبيّة تضرّ الكبد والكلى كما أنّها تسبّب الإدمان ولذلك أفضّل تحمّل الألم. أرغب كثيرًا في تلقّي العلاج اللّازم لي ولكنّي محبط جدًّا من ردود الرّفض التي تصلني. لقد سُدّت سبُل العلاج في قطاع غزّة لأنّ العلاج الذي أحتاجه موجود فقط خارج القطاع.

* مستجدّات: في هذه الأثناء رُفض أيضًا الطلب الرّابع الذي قدّمه العيسوي للحصول على تصريح للدخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج.

الجريح محمد صالح (12 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين

أصيب محمد صالح بالرّصاص الحيّ في رجله يوم 5.10.18 خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. نُقل إلى المستشفى الإندونيسي حيث خضع لعمليّة جراحيّة ورقد للعلاج حتى 18.10.18. خلال مكوثه في المستشفى وأيضًا بعد خروجه قدّم والداه ثلاث طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل إجراء عمليّة جراحيّة في رجله في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس. رُفض اثنان من هذه الطلبات وجاء الردّ على الطلب الثالث بأنّ عليهم تغيير المرافق أي والدة محمّد. حاليًّا، تنتظر الأسرة تعيين موعد جديد في مستشفى المقاصد لكي يتمكّنوا من تقديم طلب تصريح جديد لأجل معالجة صالح الذي لا يستطيع المشي الآن سوى بمساعدة عكّازين.

Thumbnail
محمد صالح في منزله. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 21.2.19

في إفادة أدلى بها محمد في 21.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، حدّث عن إصابته وعن حياته بعد الإصابة:

في يوم الجمعة الموافق 5.10.18 شاركت في مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. أثناء المظاهرة اقتربت كثيرًا من الشريط الحدوديّ وعندها أصبت في رجلي اليمنى بالرّصاص الحيّ. في البداية لم أشعر بالإصابة، ولكن عندما نظرت إلى رجلي ورأيتها تنزف كثيرًا وقعت على الأرض. أخلاني المسعفون إلى سيّارة إسعاف أقلّتني إلى المستشفى الإندونيسي. استمرّ النزيف أثناء نقلي في سيّارة الإسعاف وكنت أشعر كأنّ تيّارًا كهربائيًّا يسري في رجلي. أدخلوني فورًا إلى غرفة العمليّات، ثمّ أدخلوني إلى قسم العناية المكثّفة لمدّة عدّة أيّام، وبعد ذلك رقدت في المستشفى حتى تاريخ 18.10.18. لقد خضعت لعمليّتين جراحيّتين. بعد خروجي من المستشفى كنت أعود إلى هناك مرّة كلّ بضعة أيّام بسبب ارتفاع الحرارة. بعد مضيّ شهر تقريبًا بدأت العلاج الطبيعي في عيادة "أطبّاء بلا حدود".

قبل إصابتي كنت أحبّ لعب كرة القدم وركوب الدرّاجة، لكنّي لا أستطيع اليوم ممارسة ذلك. عندما أرى أصحابي يلعبون كرة القدم أحسّ بحسرة في القلب وأشفق على نفسي. تنتابني الرّغبة في البكاء ولكنّي أتمالك نفسي وأحبس دموعي. أقضي معظم وقتي في المنزل على السّرير. لا أستطيع المشي سوى بمساعدة عكّازين.

أنا تلميذ في الصفّ السّابع، وقد تغيّبت كثيرًا خلال الفصل الأوّل. لقد سمح لي المدير بالقدوم إلى المدرسة مرّتين فقط في الأسبوع لأنّه يصعب عليّ الذهاب كلّ يوم. أذهب إلى المدرسة محمولًا على كتف شقيقي جهاد (30 عامًا) ويمشي بي مسافة كيلومتر واحد لأنّنا لا نملك سيّارة ولا نقودًا ندفعها للسّفر في سيّارة أجرة. قال لي المدير أنّه سوف ينقل صفّنا من الطابق الثالث إلى الطابق الثاني لكي يسهل عليّ الوصول إليه. أصدقائي يساعدونني في الدروس وفي حمل الحقيبة. كانت علاماتي ممتازة قبل الإصابة لكنّها الآن هبطت وأصبحت متوسّطة بسبب كثرة غيابي عن المدرسة. منذ إصابتي أصبحت حزينًا أبكي كثيرًا وأحيانًا أصرخ. أصبحت عصبيّ المزاج وفقدت الشهيّة. أخرج أحيانًا مع والدتي لزيارة الأقارب لكنّني لا أجد متعة في ذلك؛ أنا أريد أن ألعب مع أبناء جيلي وأن أركض مع بقيّة الأولاد وألعب كرة القدم. أتمنّى أن تُجرى لي العمليّات اللّازمة لكي أتمكّن من المشي على رجليّ من جديد وبدون أوجاع.

والدة محمد - نهى صالح (45 عامًا) وهي متزوّجة وأمّ لسبعة أولاد أدلت بإفادتها في 21.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، فوصفت كيف تجابه الوضع هي وابنها بعد الإصابة:

بعد ان أصيب محمد وخضع لعمليّتين جراحيّتين قال لنا الأطبّاء أنّه يجب إجراء عمليّة أخرى في رجله ولكن لا يمكن إجراؤها في مستشفيات القطاع لأنّها صعبة وحسّاسة؛ وقالوا أنّ احتمالات نجاح مثل هذه العمليّة متدنّية جدًّا.

حصلنا من وزارة الصحّة على تحويل لمستشفى المقاصد في شرقيّ القدس وعيّن له المستشفى موعدًا في 12.11.18. قبل الموعد بيوم واحد وصلتني رسالة على هاتفي تقول أنّ طلب محمد قد رُفض. عيّنّا موعدًا جديدًا ليوم 18.12.18 وفي هذه المرّة أيضًا رُفض الطلب. تمّ تعيين دور ثالث في تاريخ 18.2.19 ولكن في هذه المرّة وصلتنا رسالة عبر الهاتف وقبل الموعد بيوم واحد تقول أنّ طلب تصريحي للدخول كمرافقة لمحمد لا يزال قيد الفحص ولذلك على محمّد أن يقدّم طلب تصريح جديد. ها نحن الآن ننتظر أن يعيّن له المستشفى موعدًا جديدًا لكي نتمكّن من تقديم طلبات تصاريح جديدة. محمّد يعاني كثيرًا منذ إصابته. كلانا يعيش في توتّر نفسيّ دائم. محمد يقضي اللّيل مستيقظًا ويصرخ من الأوجاع وأنا أيضًا لا أنام لأنّي أظلّ إلى جانبه طوال الليل. فقد محمد الإحساس في رجله لفترة معيّنة، حتّى أنّها احترقت حين لامس المدفئة دون أن يشعر بذلك. لولا أن انتبه شقيقه إياد وصرخ قائلًا له "رجلك تحترق!" لربّما احترقت رجله تمامًا. أخذناه إلى مستشفى الشفاء وظلّ يروح ويجيء طيلة 40 يومًا لأجل تغيير اللّفافات على الحرق - هذا إضافة إلى معاناة الإصابة.

لجريح محمود الحواجري (19 عامًا) من سكّان مخيّم النصيرات للّاجئين

Thumbnail
محمود الحواجري في منزله. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 27.1.19

أصيب الحواجري بالرّصاص الحيّ في كلتي رجليه خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين في 31.3.18، أوّل أيّام "مسيرات العودة". خضع للعلاج في قسم العناية المكثّفة في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح ومن هناك تمّ تحويله بعد ثلاثة أيّام إلى مستشفى الشفاء في غزة حيث خضع لعمليّة زرع بلاتين في رجله. منذ ذلك الحين قدّم الحواجري ثلاث طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل إجراء عمليّة جراحيّة في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس ورُفضت جميعًا. في هذه الأثناء تدهور وضع رجله فاضطرّ الأطبّاء إلى بترها في شهر نيسان. قدّم الحواجري طلب تصريح جديد لأجل تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى المقاصد، ولكنّه رُفض أيضًا.

في إفادة أدلى بها محمود لحواجري في 27.1.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، خالد العزايزة، حدّث عن إصابته وعن حياته في أعقابها:

في أوّل أيّام مسيرات العودة شاركت في نشاط أقيم شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين بعد صلاة الظهر. عندما وصلت إلى هناك شاهدت آلاف الأشخاص في منطقة الحدود.

نحو الساعة 17:00 كنت على بُعد خمسين مترًا تقريبًا من الحدود، وبالضبط حين هممت بالابتعاد من هناك أطلق عليّ قنّاص النيران فدخلت الرّصاصة في ساقي اليمنى وخرجت ودخلت في ساقي اليسرى. وقعت على الأرض وأغمي عليّ لشدّة الألم. استيقظت في قسم العناية المكثّفة في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وبعد ثلاث أيّام نقلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة.

أراد الأطبّاء في مستشفى الشفاء قطع رجلي اليمنى لكنّني رفضت فأجريت لي عمليّة زرع بلاتين في الرّجل. بقيت في قسم العناية المكثّفة طيلة سبعة أيّام وبعد ذلك نقلوني إلى قسم الجراحة حيث رقدت طيلة شهر. خلال ذلك الشهر قدّمت عدّة طلبات لتصريح دخول لأجل استكمال معالجة رجلي في مستشفى المقاصد في شرقيّ القدس، لأنّ العلاج المطلوب لا يتوفّر في قطاع غزّة، ولكنّ إسرائيل رفضت جميع الطلبات التي قدّمتها. عانيت آلامًا شديدة وكانت تزداد مع الوقت، ثمّ أخذت تظهر بقع "غنغرينا" سوداء في رجلي اليمنى.

كان خطر قطع رجلي اليمنى يزداد مع مرور كلّ يوم لأنّ الأوردة كانت مقطّعة. بعد رفض طلبي الأخير في شهر نيسان قرّر الأطبّاء في مستشفى الشفاء قطع رجلي لأنّهم خافوا من انتشار "الغنغرينا" في بقيّة أعضاء جسمي ممّا قد يتسبّب في موتي.

 

Thumbnail
محمود الحواجري في ساحة منزله. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 27.1.19
عندما صحوت من العمليّة بدون رجلي أصبت بصدمة شديدة. كيف أصبحت بدون رجل وكيف ساعيش وأتدبّر أموري بعد الآن؟ أنا غير قادر على العيش بصورة طبيعية منذ أن قطعت رجلي. لا أستطيع المشي بدون عكّازين ولا أستطيع لعب كرة القدم أو ركوب الدرّاجة. هوايتي الوحيدة اليوم تربية الحيوانات: الكلاب والطيور والنحل. أشغل نفسي بقضاء معظم وقتي في السّاحة مع الحيوانات.

أنا أفضّل الانعزال داخل المنزل. أحاول نسيان إصابتي ولكنّني لا أنجح في ذلك حقًّا. آمل أن أستطيع الدّخول إلى المستشفى في القدس لأجل تركيب رجل اصطناعيّة تمكّنني من المشي ولو جزئيًّا. الموعد الأخير الذي عيّنوه لي في المقاصد لأجل تركيب الرّجل الاصطناعيّة كان في 7.6.18، ولكن إسرائيل رفضت طلب تصريح الدّخول الذي قدّمته. حاليًّا أمشي عرجًا برجل واحدة وأتّكئ على عكّاز وهذا يسبّب لي آلامًا كثيرة في رجلي اليسرى لأنّها تحمل كلّ ثقل جسمي. في البرد تشتدّ أوجاعي بشكل خاصّ وعندها يتعكّر مزاجي فأصبح شديد العصبيّة ولا صبر لي على أحد من أبناء عائلتي.

الجريح محمد مسعود (18 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين

أصيب محمد في صدره بتاريخ 13.4.18 خلال إحدى مظاهرات مسيرة العودة شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين وتلقّى العلاج في مستشفى الشفاء حيث وجد الأطبّاء أنّه مصاب بنزيف صدريّ داخلي نتيجة دخول الرّصاصة إلى صدره وخروجها مخترقة الرّئتين. خضع محمد لعمليّة جراحيّة واحتاج استكمال العلاج في شرقيّ القدس غير أنّه لم يتلقّ ردًّا على طلبي تصريح دخول قدّمهما ورُفض طلبه الثالث.

Thumbnail
محمد مسعود في منزله. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 21.2.19

في إفادة أدلى بها في 18.2.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، قال:

عندما أصبت أقلّني المسعفون في سيّارة إسعاف إلى المستشفى الإندونيسي قرب مخيّم جباليا للّاجئين وفي الطريق كانوا يقدّمون لي الإسعافات الأوّليّة. عندما وصلت إلى المستشفى فقدت وعيي. بسبب خطورة إصابتي حوّلوني إلى مستشفى الشفاء في غزّة حيث رقدت في غيبوبة طيلة أسبوع في قسم العناية المكثّفة. خضعت لعمليّة جراحيّة لإزالة الدم المتجمّع في منطقة الصدر ولكن بقيت شظايا الرّصاصة داخل رئتيّ. قال الأطباء أنّ إزالتها صعبة بسبب خطورة موقعها. منذ ذلك الحين أحسّ كأنّ شيئًا يتحرّك داخل قفصي الصدري.

نتجت عن هذا الوضع مضاعفات وصرت أعاني اختناقات شديدة في الصدر. منذئذٍ لا أقدر على بذل أيّ مجهود ويصعب عليّ المشي أكثر من بضعة أمتار، كما أنّني لا أستطيع حمل أيّ شيء بيدي اليسرى. عندما يصيبني الاختناق أستخدم البخّاخ. أصعب الأمور عليّ صعود الدّرج خاصّة وأنّنا نسكن في الطابق الثاني. أثناء الاستحمام أختنق عندما تنزل المياه على رأسي. أنا تلميذ في الصفّ الثاني عشر ومنذ الإصابة تقريبًا لم أذهب إلى المدرسة. فعلت ذلك طيلة نحو شهر ولكنّني توقّفت عن ذلك لأنّ المدرسة بعيدة عن منزلنا وكان يصعب عليّ المشي إلى هناك مع الأوجاع الشديدة التي أعانيها.

قال لي الأطبّاء أنّ عليّ تقبّل وضعي الصحّي والتأقلم معه. حاولت ذلك لفترة طويلة ولكنّ هذا الوضع لا يمكن تحمّله. قدّمت طلب تصريح دخول للعلاج في شرقيّ القدس وسجلنا والدي كمرافق وتمّ تعيين دور لي في 10.11.18. قبل الموعد بيوم واحد تلقّت والدتي رسالة على هاتفها تفيد أنّ طلبي لا يزال قيد الفحص. طلبت تحويلًا جديدًا للمستشفى وتمّ تعيين دور آخر في 10.12.18، ولكن وصل الردّ نفسه إلى هاتف والدتي. طلبت تحويلًا ثالثًا وعيّنوا لي دورًا في 21.1.19. في هذه المرّة تلقّت والدتي ردًّا يقول أنّ طلب التصريح لوالدي قد رُفض. يجب إزالة الشظايا من رئتيّ لأنّ وجودها يسبّب لي أوجاعًا دائمة واختناقات متكرّرة. أنا أتناول مسكّنات الأوجاع طوال اليوم، ولكن حتّى هذه لم تعد تؤثّر. أحيانًا أبكي وأحيانًا أصرخ من شدّة الألم. أحسّ طعنات حادّة جدًّا في الصدر تصيبني على نوبات، وأحيانًا يتسارع النبض عندي.

الأطبّاء هنا يقولون أنّه لا يمكن معالجة حالتي في قطاع غزّة وأنّ عليّ التأقلم مع الوضع ولكنّني سأواصل محاولة الوصول لتلقّي العلاج في المستشفى في شرقيّ القدس وإذا لم أحصل على تصريح فسوف أطلب تحويلي للعلاج في مصر. عليّ أن أجد حلًّا لمعاناتي. كلّ ما أريده إجراء العمليّة لكي أتمكّن من العودة إلى المدرسة وممارسة حياتي بشكل طبيعيّ والتخلّص من الأوجاع. حالتي النفسيّة صعبة جدًّا وقد أصبحت عصبيّ المزاج كثير الصّراخ والبكاء، كما انّني فقدت شهيّتي ونحل جسدي كثيرًا.