Skip to main content
مصطفى ظاهر في المستشفى مع ابن عمه محمد. تصوير:  ألفت الكرد، بتسيلم، 6.5.2018
Menu
المواضيع

هكذا يفعلون بالفتى إذا احتجّ على سَجنه في غزّة

منذ 30.3.2018 جرت قرب الشريط الحدودي في قطاع غزة سلسلة من المظاهرات تراوحت اعداد المشاركين فيها بين المئات وعشرات الآلاف. قُتل حتى الآن خلال هذه المظاهرات عشرات الأشخاص بنيران قوّات الأمن بينهم 12 قاصرًا على الأقلّ وجُرح أكثر من 3,600 جرّاء إطلاق الرّصاص الحيّ. تفيد معطيات نشرتها منظّمة الصحة العالميّة أنّه حتّى يوم 22.5.2018 أجرى الأطبّاء في قطاع غزة 32 عمليّة بتر أعضاء من بينها 27 عمليّة بتر أطراف سفليّة. تُظهر الإفادات التي جمعتها بتسيلم من فلسطينيين جُرحوا خلال المظاهرات أنّ النيران أطلقت عليهم في حين لم يشكّلوا خطرًا على حياة أحد بل إنّ بعضهم أصيب حين كان على بُعد مئات الأمتار من الشريط. في بعض الحالات على الأقلّ - لئلّا نقُل في جميعها - أطلقت قوّات الأمن النيران أيضًا على من حاولوا الاقتراب من الجرحى لتقديم الإسعاف لهم. 

هذه الأعداد الهائلة من الجرحى في المظاهرات لا سابق لها وهي ناجمة عن تعليمات إطلاق النار المخالفة بوضوح للقانون التي صدرت لقوّات الأمن. سمحت هذه التعليمات بإطلاق النار على متظاهرين عُزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد ويتواجدون داخل قطاع غزّة في الجانب الآخر من الشريط الحدوديّ. رغم هذه النتائج الوخيمة والتي كانت متوقّعة من تطبيق تلك التعليمات - رفضت جميع الجهات الرسميّة تغيير التعليمات وواصلت ادّعاءها بأنّها تنسجم والقانون بل دافعت عنها أمام محكمة العدل العليا، التي صادقت على هذا الواقع بختمها. 
ليست الجراح البليغة سوى بداية القصّة. من الصّعب جدًّا حتّى لمنظومة صحّية معافاة وتعمل كما ينبغي أن تجابه هذا العدد الهائل من الجرحى فكم بالحريّ منظومة الصحّة في قطاع غزة الذي كان على شفا انهيار حتّى قبل بدء المظاهرات. نتيجة لهذا الظرف المتشابك وجد كثير من الجرحى أنفسهم دون إمكانيّة لتلقّي العلاج اللّازم لهم. وفقًا لمعطيات نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة فإنه حتى 22.5.2018 كانت هناك حاجة عاجلة لـ257 نوعًا من الأدوية و-247 نوعًا من التجهيزات الطبّية المستخدمة لمرّة واحدة إثر نفاد المخزون. أبلغ الأطبّاء في قطاع غزّة منظمة "أطبّاء لحقوق الإنسان" أنّهم يستخدمون مرّات ومرّات التجهيزات الطبّية التي يُفترض أن تُستخدم لمرّة واحدة وأنّ هناك نقص في موادّ التعقيم والتخدير. انهيار النظام الصحّي في القطاع ناجم بالأساس عن سياسة الحصار الإسرائيلية حيث تفرض إسرائيل من خلالها قيودًا على استبدال الأجهزة المعطّلة وإدخال الأجهزة متطوّرة والأدوية وقيودًا على خروج الأطبّاء للمشاركة في استكمالات مهنيّة خارج القطاع. إضافة إلى ذلك يتعطّل عمل المستشفيات في قطاع غزة جرّاء انقطاع الكهرباء المتواصل - والذي تتحمّل إسرائيل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عنه.

تسبّبت إسرائيل بسياستها المخالفة للقانون بجرح هؤلاء الأشخاص وتسبّبت جرّاء سياسة الحصار بحرمانهم من تلقّي العلاج الطبّي اللّازم لهم وعلاوة على ذلك ترفض إسرائيل مبدئيًّا السّماح لهم بالسّفر بضع عشرات من الكيلومترات داخل حدودها وصولًا إلى أيّ مستشفًى في الضفّة يستطيع فيه - على الأقلّ جزء منهم - تلقّي العلاج اللّازم لهم.

منذ بدأت المظاهرات سجّل الباحثون الميدانيّون لبتسيلم عشرات الإفادات من جرحى وشهود عيان على إطلاق النيران بينهم فتية أصيبوا بنيران قوّات الأمن حين كانوا في مواقع مختلفة تفاوتت المسافة بينها وبين الشريط الحدوديّ. وصف الفتية في إفاداتهم صعوبة تلقّي العلاج الطبّي الضروريّ لهم بشكل ملحّ وعمليّة التأهيل الطويلة والمُكلفة التي يُفترض أن يجتازوها. أدناه قصّة ثلاثة منهم:

Thumbnail
محمد العجوري. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 17.4.2018

محمد العجوري (16 عامًا) أصيب شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين 30.3.2018:

محمد العجوري طالب في الصفّ الحادي عشر يبلغ من العمر 16 عامًا وهو من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين وعضو في الاتّحاد الرياضي الفلسطيني. في يوم الجمعة الموافق 30.3.2018 نحو الساعة 11:00 وصل العجوري برفقة بعض أصدقائه إلى المظاهرة التي جرت قرب الشريط الحدودي شرقيّ مخيّم جباليا. اقترب العجوري وأصدقاؤه من الشريط بحيث فصلت بينهم وبينه بضع عشرات من المترات وكان غرضهم توزيع البصل على المتظاهرين لتخفيف آثار الغاز المسيل للدّموع على المصابين. تراجع العجوري إلى الوراء عندما أطلقت قوّات الأمن كميّة كبيرة من قنابل الغاز نحو المنطقة التي كان فيها. عندما أصبح على بُعد نحو 300 متر من الشريط الحدوديّ أطلقت قوّات الأمن عيارًا ناريًّا على ساقه اليمنى.

في إفادة أدلى بها يوم 17.4.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، وصف العجوري ملابسات إصابته:

اقتربت حتّى مسافة 50 مترًا تقريبًا من الشريط لكي أوزّع البصل على المتظاهرين. رأيت عدّة جرحى بينهم شخص بالغ أصيب في ساقه اليسرى. كانت عظمة ساقه مكشوفة والدم ينزف بغزارة. معظم الإصابات التي رأيتها كانت في الساقين. كان الجنود يطلقون قنابل الغاز بكثافة وتقريبًا اختنقت فاستدرت وأخذت في الابتعاد من هناك. عندما أصبحت على مسافة نحو 300 متر من الشريط أطلقوا عليّ النار من خلف وأصبت في ساقي اليمنى. لم أقع على الأرض وواصلت الوقوف في المكان وساقي تنزف. جاء والدي لكي يساعدني وبعد ذلك أتى بعض الشبّان وقدّموا لي الإسعاف الأوّلي. لفّوا ساقي بحزام قماشيّ لوقف النزيف وأخذوني على درّاجة ناريّة إلى سيّارة إسعاف كانت متوقّفة على بُعد 250 مترًا. 

والد محمد هاني العجوري (39 عامًا) الذي كان هناك مشاركًا في المظاهرة ومشاركًا في تقديم الإسعاف الأوّلي كمتطوّع. عندما أطلقت النيران على ابنه كان يقف على مسافة 300 متر من الشريط.

في إفادة أدلى بها يوم 3.5.2018 وصف كيف شاهد لحظة إطلاق النار على ولده: 

عندما رأيت أبنائي الثلاثة في المظاهرة أعدْتُهم إلى الوراء إلى منطقة الخيام - على مسافة نحو 700 متر من الشريط الحدوديّ لأنّني خشيت أن يصابوا بالنيران الحيّة أو من قنابل الغاز. بعد ذلك قال لي شابّ أعرفه أنّ محمّد اقترب كثيرًا من الشريط لكي يسعف المصابين ويوزّع البصل لبعض الشباب المغمى عليهم نتيجة استنشاق الغاز. عندما نظرت باتّجاه الشريط رأيت الجنود يطلقون قنابل الغاز بكثافة على المتظاهرين القريبين منه. 

رأيت ابني محمد يركض باتّجاهي. عندما أصبح على مسافة بضعة أمتار منّي أطلق عليه النار قنّاص كان فوق تلّة رمليّة في الجانب الآخر من الشريط. اقتربت من ابني واحتضنته. رأيت أنّه أصيب في الجزء الخلفيّ من ساقه اليمنى. كان هناك ثقب كبير في السّاق والدماء تسيل منه. كان منظر ساقه فظيعًا وخشيت أنّهم سيضطرّون إلى بترها. تمكّنت من لفّ الساق بقطعة قماش وربطتها بهدف وقف النزيف. بعد ذلك لم أعد قادرًا على التحمّل أكثر فانهرت تمامًا. لم أقدر بعد على مساعدته. عدد من الشبّان كانوا قد وصلوا فحملوه على درّاجة ناريّة ونقلوه إلى سيّارة الإسعاف. 

وصلت إلى المستشفى الإندونيسي القريب من مخيّم جباليا لكنّي لم أجد ابني هناك. تابعت إلى مستشفى العودة الواقع في بيت لاهيا فقال لي الأطبّاء هناك أنّه قد وصل إليهم لكنّهم حوّلوه إلى مستشفى الشفاء في غزة نظرًا لخطورة وضعه. سافرت إلى مستشفى الشفاء وفتّشت عن محمّد هناك لكن لم أجده. فتّشت عنه في غرف العمليّات لكن لا أحد كان يعلم عنه شيئًا. 

صادفت طبيبًا وهو يخرج من غرفة العمليّات سألته عن ابني فأجاب بأنّه لم يصل أحد بهذا الاسم لكن هناك شابّ لم تُعرف هويّته بعد. قال إنّه في غيبوبة ولا يحمل بطاقة هويّة. كانت في هاتف الطبيب صورة للشابّ وعندما أراني إيّاها وجدت أنّه محمّد ابني. 

تبيّن في المستشفى أنّ محمد العجوري أصيب بشريان في ساقه ويعاني أيضًا من كسر في عظم الساق. أجريت له عمليّة جراحيّة لكنّ الأطبّاء قالوا إنّ حالته خطرة وينبغي أن يجري عمليّة أخرى مستشفًى برام الله. عندما رفضت إسرائيل السّماح له بالخروج من القطاع رفع مركز "عدالة" ومركز "الميزان" التماسًا إلى محكمة العدل العليا باسم الجريح محمد وجريح آخر في 8.4.2018 مطالبين بالسّماح لهما بالخروج لتلقّي العلاج. وطالب الملتمسون المحكمة بإجراء مناقشة عاجلة لكنّ القضاة رفضوا طلبهم. في هذه الأثناء أخذت حالة العجوري تتدهور حتى اضطرّ الأطبّاء إلى بتر ساقه في 9.4.2018 وغادر المستشفى بعد ثلاثة أيّام. وهذا كان أيضًا مصير الجريح الآخر الذي قدّم باسمه الالتماس. 

قال والده, هاني العجوري, في إفادته: 

عندما قال لي الأطبّاء أنّهم سوف يضطرّون لبتر ساق محمد لم أوافق. خشيت أن يُمضي كلّ حياته معاقًا وعاجزًا ولم أتقبّل هذا الأمر. في نهاية الأمر أقنعني الأطبّاء أنّه لا مناص من ذلك لأنّه يُخشى أن ينتشر التسمّم في حسمه كلّه. سلّمت بقضاء الله وقدره ووافقت. كان قلبي يتمزّق حسرة كلّما فكّرت بما سيكون عليه مستقبله. 

أنظر اليوم إلى ولدي وساقه المبتورة فيتملّكني الألم. كان محمد ساعدي الأيمن. كان شابًّا رياضيًّا وأحبّ كرة القدم كما أنّه كان عضو منتخب العدّائين الفلسطينيين وحاز على المرتبة الأولى في المدرسة.

Thumbnail
محمد مصبح. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 2.5.2018

محمد مصبح (17 عامًا) أصيب شماليّ بلدة خُزاعة في 5.4.2018

في يوم الخميس الموافق 5.4.2018 نحو الساعة 16:30 وصل محمد مصبح (17 عامًا) وهو طالب في الصف الثاني عشر وهو من سكّان عبسان الكبيرة وعمّه وسيم مصبح (22 عامًا) إلى منطقة المظاهرات شماليّ بلدة خُزاعة. بعد أن مكثا لوقت قصير في منطقة الخيام على مسافة نحو 400 متر من الشريط الحدوديّ تقدّم محمد برفقة شابّ آخر من امرأة كانت تقف وترفع علم فلسطين قرب سلك لولبيّ شائك كان الجيش قد مدّه على الأرض. أخذ الشابّان العَلم من المرأة وتابعا يتقدّمان أكثر نحو السّلك اللّولبيّ الشائك وكان يبعد نحو عشرة أمتار عن الشريط الحدوديّ.

في إفادته من يوم 2.5.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة، أدلى محمد بما يلي: 

تقدّمنا من السّلك اللولبيّ الشائك الذي كان يبعد نحو عشرة أمتار عن الشريط الحدوديّ وعلّقت أنا عليه علم فلسطين. وفجأة أصبت بعيار ناريّ أطلقه جنديّ كان يقف على تلّة ترابيّة في الجانب الآخر من الشريط. وقعت على الأرض وجلس إلى جانبي الشابّ الآخر الذي رافقني والذي لا أعرف حقًّا من يكون. استلقيت على ظهري هناك طيلة نحو عشرين دقيقة. كان شبّان كانوا يقفون إلى الوراء منّا لكنّهم لم يتمكّنوا من الوصول إلينا إذ كان الجيش يطلق النيران نحوهم كلّما حاولوا الاقتراب منّا. طيلة هذا الوقت أحسست وكأنّ تيّارًا كهربائيًّا يسري في جسدي وكانت الدماء تسيل منّي بغزارة. فقد بعد مضيّ عشرين دقيقة تمكّن شبّان من الوصول إليّ وحملوني على عربة "توكتوك" نقلتني من المكان إلى مسافة تبعد نحو 600 متر تقريبًا إلى مشارف بلدة خُزاعة من جهة الشرق لأنّه لم يكن هناك سيّارة إسعاف أقرب.  

وئام مصبح (23 عامًا وهو من سكّان عبسان الكبيرة) عمل كمُسعف متطوّع في منطقة الخيام أثناء "مسيرة العودة". عندما وقعت الحادثة كان وئام يقف مع مسعفين آخرين تفصلهم بضعة عشرات من الأمتار عن الشريط الحدوديّ. 

في إفادة من يوم 2.5.2018 أدلى بها أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة، قال وئام:  

Thumbnail
وئام مصبح. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 2.5.2018

عند الساعة 16:30 رأيت شابّين يأخذان علم فلسطين من امرأة كانت تقف قريبًا من سلك لولبيّ شائك ممدود على الأرض ويتقدّمان مع العلم نحو السّلك نفسه الذي كان يبعد نحو عشرة أمتار من الشريط الحدوديّ. وضع الشابّان العلم على السلك اللولبيّ الشائك وعندها سمعت صوت طلقات عدّة ورأيت أحدهما يقع أرضًا واستلقى الشابّ الآخر إلى جانبه على الأرض. حاول بضعة الشبّان التقدّم منهما لتقديم الإسعاف الأوّلي لكنّ الجنود أطلقوا حولهما عيارات ناريّة وقنابل غاز مسيل للدّموع.


تقدّمت إليهما مع طاقم الإسعاف الأوّلي فأطلق الجنود قربَنا أعيرة ناريّة تحذيرًا لنا لئلّا نقترب. كان معنا في الطاقم فتاة شابّة رفعت يديها لكي يهدأ الجنود ويفهموا أنّنا طاقم طبّي وتابعنا التقدّم. لكنّ الجنود واصلوا إطلاق النيران قربَنا وفوق رؤوسنا كما أنّهم ألقوا قنابل الغاز خلفنا. رغم هذا كلّه تمكّنا من الوصول إلى الشابّين وعندها اكتشفت أنّ الشابّ المصاب من أقربائي ويدعى محمد مصبح. كان مستلقيًا على الأرض ومصابًا بعيار ناريّ في ساقه اليمنى. كانت ساقه ممزّقة تمامًا في منطقة ما تحت الرّكبة والدّماء تسيل منها بغزارة. لففت الجُرح بقطعة شاش طبّي. كان معنا وسيم مصبح وقد جلب وسيم العصا المثبّت عليها علم فلسطين كسرها وقسمها إلى نصفين ثمّ استخدم كِسرة العصا لتثبيت الساق الجريحة. طيلة هذا الوقت فيما نحن نعالج الجريح كان الجنود يواصلون إطلاق النيران نحونا. تقدّم إلينا بعض الشبّان ومعًا حملنا محمد وأبعدناه عن السّلك اللولبي الشائك ثمّ حملناه على عربة "توكتوك" لأنّه لم تكن هناك سيّارة إسعاف. 

نُقل محمد مصبح من عربة الـ"توكتوك" إلى سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر ونقلته هذه بدورها إلى المستشفى الأوروبي جنوبيّ خان يونس حيث بُترت ساقه اليمنى من تحت الرّكبة. غادر محمد المستشفى بعد مضيّ أكثر من ثلاثة أسابيع.

قال محمد صبح في إفادته التي أدلى بها بعد مغادرة المستشفى: 

عندما استيقظت من العمليّة وجدت والدي بجانبي. قال لي إنّ الطبيب اضطرّ لبتر ساقي اليمنى من تحت الركبة لأنّها أصيبت بشظايا كثيرة تسبّبت بتقطيع الشرايين والأعصاب وتهتّك عظام السّاق. كنت حزينًا جدًّا وشعرت بالاختناق. فهمت أنّني لن أتمكّن من لعب كرة القدم - وأنا أحبّها كثيرًا. قبل أن أصاب كنت أمارس لعب كرة القدم كلّ يوم. يوجد في منطقتنا ملعب لكرة قدم وكنت ألعب ضمن فريق الحيّ كلاعب دفاع. 
ما زلت أتلقّى العلاج وأعود إلى المستشفى كلّ يوم لإجراء الفحوصات. آخذ ثلاثة أنواع من المضادّات الحيويّة إضافة إلى مسكّنات الأوجاع لأنني ما زلت أشعر بالألم في ساقي. أنام بصعوبة كبيرة وبمساعدة المسكّنات فقط. أكثر ما يشتدّ عليّ الألم عند الظهر وفي اللّيل. 

في الوقت الحالي جميع طلّاب شعبتي يستعدّون لامتحانات نهاية السنة أمّا أنا فأكاد لا أقدر على القراءة لشدّة الألم. وأيضًا خلال رقودي في المستشفى للعلاج لم أستطع مراجعة الموادّ بسبب الإصابة. لا أعلم إن كنت سأنجح في امتحانات هذه السنة ولا كم من الوقت سوف سيمرّ إلى أن تنتهي عملية التأهيل وأعود إلى حياتي العاديّة. لم يخطر ببلي أبدًا أن أكون معاقًا ذاتَ يوم. أنا ما زلت مصدومًا ممّا حدث لي.  

Thumbnail
مصطفى ظاهر في المستشفى مع ابن عمه محمد. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 6.5.2018

مصطفى ظاهر (15 عامًا) أصيب شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين في 2.5.2018

في يوم الأربعاء الموافق 2.5.2018 في ساعات ما بعد الظهر وصل ثلاثة فتية من سكّان مخيّم البريج لحضور مراسيم تأبين شهداء "مظاهرات العودة" والتي جرت في منطقة الخيام شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. الثلاثة هم: مصطفى ظاهر (15 عامًا) وابن عمّه محمد ظاهر (14 عامًا) ويوسف أبو منصور (17 عامًا). بعد وقت قصير تقدّم الفتيان الثلاثة نحو الشريط الحدوديّ وتوقّفوا على مسافة بضعة عشرات من الأمتار بعيدًا عنه. نحو الساعة 19:00 قرّر الفتية العودة إلى منازلهم. 

في إفادة أدلى بها يوم 6.5.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، حدّث مصطفى ظاهر قائلًا: 

في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ كان جنود يقفون فوق سواتر ترابيّة. كان الهواء مشبّعًا تمامًا بالغاز المسيل للدموع الذي ألقاه الجنود من جيبات الجيش كما أطلقوا النيران الحيّة بكثافة. نحو الساعة السابعة مساءً ناديت أصدقائي: "محمود، يوسف، يجب أن نعود إلى البيت. خلص، سئمت"، وأخذت في المغادرة. في اللحظة التي استدرت فيها أطلق الجنود النار على ساقي اليسرى في منطقة الفخذ. نفذت الرّصاصة من رجلي اليسرى وأصابت رجلي اليمنى. شعرت كأنّما تيّار كهربائيّ يسري في جسدي ووقعت. تقدّم منّي يوسف ومحمود. كان الدّم يسيل منّي بغزارة فوضعت يديّ على الجرحين لوقف النزيف لكن دون فائدة. لفّ يوسف لفّ كلتي رجليّ واحدة بكوفيّة والأخرى بقميصه وهذا ما ساعدني. 

بعد بضعة دقائق نقل الأصدقاء وشبّان آخرون مصطفى على نقّالة إلى سيّارة إسعاف أقلّته إلى المستشفى الإندونيسي في جوار مخيّم جباليا وهناك أجريت له عمليّة جراحيّة في الساق اليمنى، وما زال يحتاج عمليّة أخرى في السّاق اليسرى. 

في إفادته قال:

ما زلت أرقد في المستشفى قيد العلاج. يجب أن تجرى لي عمليّة أخرى لكنّهم ينتظرون أن ترتفع نسبة الهيموغلوبين في الدّم. أعاني الآن من أوجاع شديدة تنتابني طيلة النهار. أبكي وأصرخ وعندها يعطونني مسكّنات. أتألّم بشكل خاصّ عند فكّ اللّفافات وتغييرها. كلّ ما في الأمر أنّني شاركت في مراسيم تأبين الشهداء. لم أفعل شيئًا يشكّل خطرًا على الجنود الإسرائيليّين. لم أرفع علمًا حتّى ولم أرشق الحجارة. فقط وقفت وتفرّجت على شبّان كانوا يتظاهرون قرب الشريط ورغم ذلك أطلق الجنود النّار عليّ.