Skip to main content
Menu
المواضيع

الخليل - وسط البلد

في وسط مدينة الخليل الذي كان في الماضي مركزًا تجاريًّا للجزء الجنوبيّ من الضفة الغربية أقامت إسرائيل عدّة نقاط استيطانيّة في قلب منطقة سكن فلسطينية. في هذه المنطقة يفرض الجيش منذ سنين قيودًا صارمة ومشدّدة على الفلسطينيين أدّت إلى نزوح مكثّف للسكّان الفلسطينيين وإغلاق مئات المصالح التجارية وانهيار اقتصاد وسط البلد.

بسبب وجود المستوطنين في قلب المدينة لم ينسحب الجيش منها، وذلك وفق الاتّفاق الانتقالي (أوسلو ب). في العام 1997 جرى توقيع اتّفاق الخليل بين إسرائيل ومنظمة التحرير ("بروتوكول إعادة الانتشار في الخليل") الذي عُني بإعادة انتشار قوّات الجيش في المدينة. في هذا الاتّفاق جرى تقسيم الخليل إلى منطقتين: في منطقة H1 حيث يسكن معظم سكّان المدينة الفلسطينيين وعددهم 115,000 نسمة حينئذٍ إذ نُقلت الصلاحيّات الأمنيّة والمدنيّة رسميًّا إلى يد السلطة الفلسطينية كما في بقيّة مدن الضفة. المنطقة H2 التي تشمل من ضمن ما تشمله البلدة القديمة والتي كان يسكنها حينئذٍ نحو 35,000 فلسطيني ونحو 500 مستوطن ظلّت أمنيًّا تحت سيطرة إسرائيل ونُقلت ليد السلطة الفلسطينية فقط الصلاحيات المدنيّة المتعلّقة بالسكّان الفلسطينيين هناك.

يسكن اليوم في المنطقة H2 نحو 40 ألف فلسطيني و-800 مستوطن؛ حيث يعاني الفلسطينيون تبعات حماية السلطات الإسرائيلية للمستوطنين والنقاط الاستيطانية التي أقيمت هناك. لأجل ذلك تتّبع السلطات الإسرائيلية هناك نظامًا قوامه "مبدأ الفصل" بشكل علنيّ وصريح وعلى ضوء ذلك أنشأت إسرائيل فصلاً فيزيائيًّا وقضائيًّا بين المستوطنين والسكّان الفلسطينيين.

يشمل هذا النظام فرض قيود صارمة ومشدّدة على تحرّكات الفلسطينيين القاطنين هناك - السائقين والمشاة على حدّ سواء بما في ذلك إغلاق شوارع رئيسية - فيما المستوطنون يتحرّكون بحرّية ودون أيّ قيد. إضافة إلى ذلك أصدر الجيش أوامر إغلاق لمئات المحالّ والمصالح التجارية الفلسطينية في هذه المنطقة.

أقام الجيش في قلب المدينة 20 حاجزًا تشغلها عناصر قوّات الأمن بشكل دائم يُخضع الفلسطينيون حين عبورها إلى تفتيشات مطوّلة ومهينة وبعضها لا يمكن العبور منه ليلاً. في أحيان كثيرة يغلق الجيش أحد الحواجز دون سابق إنذار متذرّعًا بأنّ ذلك مستوجَب لاعتبارات أمنيّة. عند إغلاق الحواجز يُضطرّ السكّان إلى سلوك طرق عجيبة غريبة للوصول إلى المكان الذي يقصدونه حتّى لو كان ذلك منزلهم.

في بعض المناطق يفرض الجيش قيودًا أكثر صرامة وتشدّدًا. على سبيل المثال حيّ تل رميدة مغلق تمامًا في وجه السكّان الفلسطينيين ما عدا سكّان الحيّ الذين أصبحوا بذلك معزولين تمامًا؛ هنالك قائمة بأسماء هؤلاء السكّان لدى الجنود في الحاجز المنصوب على مدخل الحيّ ولا يُسمح بعبور من لا يظهر اسمه هذه القائمة. في حيّ السّلايمة نصب الجيش جدارًا يشقّ الحيّ نصفين بحيث يفتح الجنود البوّابة المثبّتة فيه فقط في ساعات محدّدة خلال النهار وفق اعتبارات يحدّدونها هم. عندما تكون هذه البوّابة مغلقة يُضطرّ السكّان إلى سلوك طريق التفافيّ طويل لأجل الوصول إلى منازلهم.

إنّ الوجود المكثّف للجنود وعناصر الشرطة في وسط البلد والاحتكاك الدائم بينهم وبين السكّان الفلسطينيين يؤديان إلى تصرّف الجنود بعنف واستغلال الصلاحيّات الممنوحة لهم على نحو مثير للسخرية. الاعتداءات العنيفة والاقتحامات الليلة للمنازل والتفتيشات التعسّفية والمضايقات وإعاقة الناس على الحواجز والتعامل المهين - كلّها أضحت منذ زمن جزءًا من واقع يوميّ يعيشه السكّان الفلسطينيون.

كذلك عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين أضحى منذ زمن روتينًا جاريًا: بمرور السنين نشأت في أوساط المستوطنين في الخليل ظواهر التنكيل المنهجيّ بالسكّان الفلسطينيين إذْ يكون بالغ العنف أحيانًا. على مرّ السنين وُثّقت من بين ما وُثّق، اعتداءات جسديّة ورشق حجارة وتخريب محالّ تجاريّة وأبواب وسرقات وإساءات كلاميّة ومحاولات دهس وكذلك بضعة أحداث إطلاق نار - انتهى أحدها إلى مقتل فتاة في الثانية عشرة من عمرها.

لا توجد زاوية في محيط النقاط الاستيطانيّة في الخليل تخلو من الجنود. ومع ذلك يمتنع الجنود في معظم الاحيان عن حماية الفلسطينيين المعتدى عليهم. وحتى بعد انقضاء الحادثة تمتنع الشرطة تمامًا بشكل عام عن التحقيق في هجمات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم - رغم وجود كاميرات في جميع أنحاء المدينة - إذ نادرًا ما يتمّ اتّخاذ إجراءات ضدّ المعتدين. بذلك تجري الاعتداءات عمليًّا تحت حماية الشرطة.

القيود والتنكيل المستمرّ اللّذان يعانيهما الفلسطينيون في المنطقة H2 - وكلاهما من نتاج قرار دولة إسرائيل السماح بالاستيطان في قلب مناطق سكنية فلسطينية - يمنعانهم من إدارة حياتهم على نحوٍ طبيعيّ ومعقول وتحوّلان حياتهم إلى جحيم لا يطاق. هكذا تسعى السلطات إلى تنفيذ "ترانسفير" متواصل ضدّ الفلسطينيين سكّان وسط مدينة الخليل.

 سوق الفواكه في الخليل. من الاعلى: في سنوات التسعين. من الاسفل: عام 2007. تصوير: نايف هشلمون، مركز الوطن وكيرين مانور، اكتيبستيلس.
سوق الفواكه في الخليل. من الاعلى: في سنوات التسعين. من الاسفل: عام 2007. تصوير: نايف هشلمون، مركز الوطن وكيرين مانور، اكتيبستيلس.

 

منطقة السهالة في الخليل، بالقرب من سوق الجمال. من الاعلى: في سنوات التسعين. من الاسفل: عام 2007. تصوير: نايف هشلمون، مركز الوطن وكيرين مانور، اكتيبستيلس.
منطقة السهالة في الخليل، بالقرب من سوق الجمال. من الاعلى: في سنوات التسعين. من الاسفل: عام 2007. تصوير: نايف هشلمون، مركز الوطن وكيرين مانور، اكتيبستيلس.