Skip to main content
Menu
المواضيع

غياب المساءلة والمحاسبة

المساءلة والمحاسبة جرّاء انتهاكات حقوق الإنسان مركّب جوهريّ لإقامة سلطة القانون وحيويّ للمتضرّرين - إذ يحظون بمشاهدة تطبيق العدالة على من تسببوا لهم بالأذى؛ كما أنّهما حيويّتان للمصلحة العامّة فالجهاز الناجع ينتج الرّدع ويمنع بذلك مظالم إضافية في المستقبل. تبعًا لذلك إرساء المسؤولية القضائية عن انتهاك حقوق الإنسان وإخضاع الضالعين في تلك الانتهاكات للمساءلة والمحاسبة هما في صُلب نشاط منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل والعالم. هذا هو أيضًا السبب في أنّ القانون الدولي وكذا الأجهزة القضائيّة المحلّية في مختلف الدول تُلزم الدول - على المستوى القضائي - بإجراء تحقيقات ناجعة في حالة الاشتباه بانتهاك حقوق الإنسان وتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة وتُلزمها - على المستوى المدنيّ - بتعويض المتضرّرين عن الأضرار التي لحقت بهم.

رغم أهمّية ومركزيّة هذه المسألة إلا أن إسرائيل تتهرّب من واجباتها هذه في كلّ ما يتعلّق بممارسات قوّات الأمن في الأراضي المحتلّة. عوضًا عن ذلك أنشأت الدولة أجهزة بديلة لا تنتج سوى صورة زائفة توهم بتطبيق القانون - في المستويين الجنائي والمدنيّ معًا. نتيجة لذلك لا يعاقَب المسؤولون عن إلحاق الأضرار بالفلسطينيين ولا يحظى الضحايا بالتعويض عن تلك الأضرار. هكذا هو الوضع سوى في حالات قليلة واستثنائية - تُستخدم فقط لذرّ الرّماد في العيون والإيحاء بأنّ جهاز تطبيق القانون يعمل كما ينبغي.

هذه السياسة التي تنتهجها إسرائيل في كلّ ما يتعلّق بالمساءلة والمحاسبة تُظهر عمق استهتارها بالسكّان الفلسطينيين - بحياتهم وسلامة أجسادهم وممتلكاتهم. وهي توضح أيضًا أنّ إسرائيل من جهتها لا تتحمّل أيّة مسؤولية بوصفها صاحبة السيطرة الفعلية على السكّان الفلسطينيين لا في الضفة الغربية حيث هي قوّة احتلال ولا في قطاع غزّة حيث تسيطر من الخارج. إسرائيل ترى أنّ صلاحيّاتها السلطوية توجد فقط لخدمة أهدافها وتختفي إذا استدعى الأمر إخضاعها للمساءلة والمحاسبة.

هكذا تنجح إسرائيل في التصرّف كما يحلو لها داخل الأراضي المحتلّة دون أن تُلزمها أيّة جهة بالمثول للمساءلة والمحاسبة على أفعالها: على المستوى الجنائي يطمس جهاز تطبيق القانون العسكري المخالفات المرتكَبة وعلى المستوى المدنيّ ضمنت الدولة لنفسها إعفاءً شبه تامّ من دفع التعويضات عن أضرار تسبّبت فيها قوّات الأمن. في غياب أجهزة الرّدع والمراقبة تبقى الطريق ممهّدة لارتكاب انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان.

هذا الواقع المستمرّ هو من ركائز الاحتلال وسيطرة إسرائيل على السكّان الفلسطينيين. مع مرور السنين يعرف الجميع أنّ فرص الضحيّة الفلسطينيّ أن يحظى بالعدل ضئيلة كما هي ضئيلة احتمالات مساءلة ومحاسبة الطرف الإسرائيلي على أفعاله خاصّة إذا كان مسؤولاً في منصب رفيع ومن صُنّاع السياسة. وبالتوازي مع ذلك تقريبًا كلّ فلسطينيّ في الأراضي المحتلّة يعلم كم هو معرّض للإصابة والتنكيل أو حتى للموت على يد قوّات الأمن - وكم أنّه الفرص ضئيلة لتقديم أيٍّ كان للمساءلة والمحاسبة أو لتعويضه عن الأضرار اللاّحقة به.

غياب المساءلة والمحاسبة على المستوى الجنائي

جهاز تطبيق القانون العسكري ينبغي أن يعالج الشكاوى المرفوعة ضدّ جنود اعتدوا على فلسطينيّين بما في ذلك حالات الاعتداء الجسدي وإطلاق النيران التي أسفرت عن إصابات أو موت - وهذه الاعتداءات أضحت جزءًا لا يتجزّأ من روتين الاحتلال. وظيفة هذا الجهاز قد تمّ تعريفها مسبقًا وبشكل مقتضب: مهمّته أن يحقّق فقط في أحداث عينيّة يُشتبه بأنّ الجنود تصرّفوا فيها خلافًا للأوامر أو التعليمات التي صدرت إليهم. لا يحقّق الجهاز بتاتًا في الأوامر نفسها ولا في مسؤولية صنّاع السياسة ومن أصدروا التعليمات.

عليه فإنّ الجهاز موجَّه فقط نحو الجنود ذوي الرتب المتدنّية بينما تعفي من المسؤولية كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين - وبضمنهم النائب العسكري الرئيسي. من هنا فحتّى حين يقوم الجهاز بالمهام الملقاة على عاتقه تظلّ نجاعته في تطبيق القانون محدودة. إلاّ أنّ تقصّي أداء جهاز تطبيق القانون العسكري يبيّن أنّه لا يسعى حتى إلى القيام بمهامه رغم محدوديّتها.  

منذ بدء الانتفاضة الثانية في أواخر عام 2000 وحتى نهاية عام 2015 توجّهت بتسيلم“بتسيلم” إلى النيابة العسكرية مطالبة بالتحقيق في 739 حادثة قتل أو جرح أو ضرب فلسطينيين أو استخدامهم كدروع بشريّة على يد جنود أو تخريب ممتلكاتهم. جميع هذه الحالات تقصّتها بتسيلم“بتسيلم” وحققت فيها وفقط بعد أن تأكّدت من صدقيّتها تقدّمت مطالبة النيابة العسكرية بالتحقيق فيها. كانت النتيجة حتى منتصف عام 2016 أنّ رُبع هذه الحالات لم يجر التحقيق فيها بتاتًا (182 حالة) ونصفها تقريبًا فتح فيه ملفّ تحقيق وأغلق دون أن يسفر عن شيء (343 ملفًّا) وفقط في حالات نادرة جدًا تمّ تقديم لوائح اتّهام ضدّ الجنود الضالعين في الحادثة (25 لائحة). 13 حادثة أخرى تمّ استدعاء الضالعين فيها إلى محاكمة تأديبيّة. في الفترة المذكورة كان 132 ملفّا في مراحل مختلفة من المعالجة و-44 ملفًّا آخر لم تعثر عليها النيابة العسكرية. يتبيّن من هذه المعطيات أنّ احتمالات انتهاء الشكوى بلائحة اتّهام هي 3% فقط، بينما تبلغ ضعف ذلك احتمالات أن تفقد النيابة الملفّ فعليًّا أي أن تضيعه بكلّ بساطة.

هذه المعطيات في حدّ ذاتها تثير علامات سؤال حول أداء جهاز تطبيق القانون العسكري. علاوة على ذلك لكي نفهم عُمق الإشكاليّة الخاصّة بمعالجة الجهاز العسكري لشكاوى تتعلّق بأضرار ألحقها جنود بفلسطينيّين ينبغي أن ننظر إلى المعطيات في السياق الأوسع الذي تتحدّد فيه طرق عمل هذا الجهاز واعتباراته. مثل هذه النظرة سوف تمكّننا من الإشارة إلى الإخفاقات البنيويّة التي هي في أسّ قدرة جهاز تطبيق القانون العسكري على تقبُّل هذا الحجم الكبير من الملفّات وفي الوقت نفسه على إغلاق غالبيّتها المطلقة دون أن يؤدّي الأمر إلى مساءلة ومحاسبة أحد تقريبًا:

تجري التحقيقات في قسم التحقيقات لدى الشرطة العسكرية على نحوٍ متهاون لا يمكّن المحقّقين من التوصّل إلى الحقيقة. يكاد لا يُبذل جهد في إطار التحقيق للحصول على بيّنات وأدلّة خارجية، ويتذرّع الجهاز مرارًا وتكرارًا بوجود صعوبات علمًا أنّها معروفة منذ سنين طويلة ومع ذلك لا تجري أيّة محاولة لحلّها. تستند التحقيقات بشكل شبه حصريّ إلى إفادات جنود وفلسطينيين. ورغم الدور المركزي لهذه الإفادات في التحقيق يتصعّب محقّقو الشرطة العسكرية في جلبها، وفي حالات كثيرة يجلبونها فقط بعد مضيّ أشهر طويلة على الحادثة. والأدهى من ذلك أنّ ما يقوم به المحقّقون عند الاستماع إلى الإفادات هو التسجيل بالأساس دون السعي إلى بحث الحقيقة - حتّى عندما تظهر أمامهم تناقضات بين أقوال الجنود أو بين أقوالهم وأقوال المشتكين.

يتمّ تحويل ملفّ التحقيق إلى نيابة الشؤون الميدانية - أي قسم التنفيذ الجنائي ولديه مجموعة اعتبارات تكاد تُملي مسبقًا إغلاق الملفّ دون التوصّل إلى شيء حيث تُغلق ملفّات كثيرة لاعتبار "غياب الذنْب الجنائي" - لأنّ النيابة تقبل رواية الجنود المشتبه فيهم وغالبًا دون الاستناد لأيّة أدلّة. إضافة إلى ذلك رغم أنّ النيابة هي الجهة التي ترافق التحقيق منذ البدء فيه وتشرف على متابعته لم تسعَ طيلة السنين لتحسين جودة التحقيقات وعوضًا عن ذلك تكتفي بالتحقيقات المتهاونة التي يجريها قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية، واستنادًا إليها تنظر في الحالة وتتّخذ قرارَها وهكذا يتحدّد مصير الملفّ. في هذه الظروف من المتوقّع أن تغلق ملفّات كثيرة لاعتبار "انعدام الأدلّة" وهذا يدلّ على سياسة النيابة وليس على الحالة المنظور فيها.

في حالات كثيرة أخرى تقرّر نيابة التنفيذ الجنائي عدم فتح تحقيق جنائي أصلاً. أحيانًا تعلّل ذلك بغياب الذنب الجنائي - وهذا أيضًا يتمّ بالاستناد إلى روايات الجنود؛ وأحيانًا في الأحداث التي يُقتل فيها فلسطينيّون تعلّل ذلك بأنّها حدثت في سياق "عمليّة قتالية" وهو استثناء حدّدته النيابة ويمنح الجنود إعفاءً جارفًا من التحقيقات الجنائيّة بحيث يتجاوز ما يمنحه القانون الإنساني الدولي.

يستمدّ جهاز تطبيق القانون العسكري شرعيّة أيضًا من وجود ظاهريّ لآليّات مراقبة على مستوى الجهاز المدنيّ، مثال المستشار القضائي والمحكمة العليا اللّذين يُفترض فيهما مراقبة أداء النيابة العسكرية عمومًا وأداء النائب العسكري الرئيسي خصوصًا. غير أنّ المستشار القضائي يمتنع عن التدخّل في قرارات النائب العسكري الرئيسي بعد أن خوّله معظم صلاحيّاته. أمّا المحكمة العليا فلم توجد أساسًا كآليّة مراقبة - وفي الحالات القليلة التي استدعت منها ذلك فضّلت المحكمة عدم التدخّل مطلقًا.  

إضافة إلى ذلك هناك سلسلة من الإشكاليّات تميّز الأداء اليوميّ لجهاز تطبيق القانون العسكري: لا يمكّن الجهاز للمشتكين الفلسطينيّين الوصول إليه فهم لا يستطيعون تقديم الشكاوى بأنفسهم لدى قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية ويظلّون متعلّقين بمؤسسات حقوق الإنسان والمحامين الذين يرفعون الشكاوى بالنيابة عنهم. تستمرّ معالجة كلّ شكوى شهورًا طويلة وأحيانًا سنوات ويحدث أكثر من مرّة إنجاز المعالجة بعد تسريح الجنود المشتكى عليهم من الخدمة العسكرية وفي هذه الحالة لا يسري عليهم القانون العسكري. نظرًا إلى غياب الشفافية في عمل قسم تحقيقات الشرطة العسكرية والنيابة العسكرية فإنّ تحصيل معلومات منهما حول شكوى معيّنة أو حول عملهما بشكل عامّ يتطلّب التوجّه إليهما مرّات ومرّات.

على مرّ السنين أُدخلت فعلاً بعض التغييرات في عمل جهاز تطبيق القانون العسكري ولكنّها جاءت أساسًا لتعزيز مظهر إجراء التحقيق وليس لحلّ الإشكاليّات الجوهرية. في هذا السياق ينبغي التمعّن في مداولات لجنة تيركل“تيركل” وتوصياتها. نشرت هذه اللجنة توصياتها على الملأ في بداية 2013 وقد شتملت سلسلة من التعديلات على جهاز تطبيق القانون العسكري من بينها تعديلات تشريعيّة تشمل تشريعات ضدّ جرائم الحرب وأخرى تتعلّق بالمسؤولية الجنائية للقادة عن ممارسات مرؤوسيهم؛ كذلك أوصت بتحسين طرق عمل قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية وعمل النيابة - بما في ذلك وضع جداول زمنيّة أقصر لإتمام معالجة الشكاوى وإقامة وحدة تحقيقات مختصّة بشكاوى الفلسطينيين واعتماد قدر أكبر من الشفافية في عمل النيابة؛ وأوصت باتّخاذ سلسلة من الخطوات لتعزيز استقلاليّة النائب العسكري الرئيسي.  

ولكن من بعد لجنة تيركل“تيركل” شكّلت الحكومة لجنة تشحنوفر“تشحنوفر” التي قدّمت توصياتها فقط بعد مضيّ سنتين ونصف إضافيّتين في آب 2015. في تقريرها كتبت هذه اللجنة أنّها توصي بتطبيق جزء فقط من توصيات لجنة تيركل“تيركل” كما هي لأنّ بعضها الآخر يتطلّب تخصيص موارد إضافية؛ كذلك أوصت لجنة تشحنوفر“تشحنوفر” بإجراء تغييرات بسيطة في بعض توصيات اللجنة الأولى. في البند التلخيصيّ أكّدت لجنة تشحنوفر“تشحنوفر” أنّ تقريرها لا يُعتبر نهائيًّا حيث تحتاج بعض المواضيع إلى مزيد من التمحيص. لذلك أوصت اللجنة بإقامة هيئة إضافية تتابع تطبيق توصياتها. مرّت على ذلك سنتان.

وهكذا يأتي التقرير بعد الآخر ولجنة تتلوها لجنة أخرى. مجرّد التداول في هذه الأمور ينشئ تحرّكًا وهميًّا يوحي بالتغيير وبتحسين أداء الجهاز. هذا ما يسمح لأطراف داخل الجهاز وخارجه أن تصرّح في شأن أهميّة الغاية المعلنة لتطبيق القانون على الجنود في حين تبقى الإخفاقات الجوهرية على حالها ويتواصل إغلاق معظم الملفّات دون التوصّل إلى شيء.

صورة زائفة توحي بأنّ الجهاز يقوم بمهامّه على نحوٍ فعّال وهي تضفي قدْرًا من الشرعيّة - في إسرائيل والعالم - على استمرار الاحتلال وبفضلها يسهُل الردّ على انتقاد مظالم الاحتلال ويبدو الجيش - وبضمنه النيابة العسكرية - وكأنّه يأخذ المساءلة والمحاسبة مأخذ الجدّ. هكذا تنجح الدولة في الحفاظ ليس فقط على جهاز وهميّ لتطبيق القانون يبدو لائقًا وأخلاقيًّا وإنّما أيضًا على صورة أخلاقيّة زائفة لجيشها وكأنه يعمل لمنع الأفعال التي وُصفت بأنها "شاذّة" أو "استثنائيّة" بل وكأنّه يشغّل جهازًا متفرّعًا ومهنيًّا للقيام بذلك.

طيلة 25 سنة اهتمّت بتسيلم“بتسيلم” بالتوجّه إلى جهاز تطبيق القانون العسكري مطالِبة بالتحقيق في شبهات اعتداء جنود على فلسطينيّين. خلال هذه السنوات بنى ذاك الجهاز توقّعات بأنّ مؤسسات حقوق الإنسان ومن ضمنها بتسيلم“بتسيلم” ستعمل لديه كمقاول ثانويّ: لمجرّد رفع الشكوى إليه باسم المتضرّرين الذين لا يسمح لهم بالوصول إليه وتقديم الشكوى بأنفسهم والتنسيق في جلب الإفادات وتحصيل مختلف المستندات وغير ذلك. ولكن فعليًّا لم تحقّق هذه التوجّهات العدل وإنما جلبت نتائج عكسيّة. تعاون منظّمات حقوق الإنسان مع منظومتَي تطبيق القانون والتحقيق العسكريّتين لم يعزّز المساءلة والمحاسبة وإنّما أضفى الشرعية على نظام الاحتلال وأسهَم في تسويغه.

لذلك قرّرت بتسيلم“بتسيلم” في أيّار 2015 التوقّف عن رفع الشكاوى إلى جهاز تطبيق القانون العسكري وعن الإسهام في تمكينه من العمل الزائف وذرّ الرماد في العيون. اتّخذت بتسيلم“بتسيلم” هذا القرار بعد تفكير ومناقشة طويلين واستندت في ذلك إلى ما تراكم لديها من معلومات طيلة سنوات وإلى مئات الشكاوى التي رفعتها إلى جهاز تطبيق القانون العسكري وعشرات ملفات التحقيق لدى الشرطة العسكرية وعشرات اللقاءات مع جهات رسمية في جهاز تطبيق القانون العسكري.

منذ ذلك الحين تواصل بتسيلم“بتسيلم” العمل على تعزيز المساءلة والمحاسبة ولكن من دون التوجّه إلى جهاز تطبيق القانون العسكري. بتسيلم“بتسيلم” تواصل تقصّي الأحداث والتحقيق فيها وجباية الإفادات ثمّ نشر النتائج على الملأ. على هذا النحو أو ذاك من المفهوم ضمنًا أنّه يبقى من واجب السلطات إجراء التحقيق. ومفهوم ضمنًا أيضًا أنّ السلطات ما زالت تخلّ بشكل منهجيّ وجارف بواجبها هذا.

غياب المساءلة والمحاسبة على المستوى المدنيّ

تمكّنت إسرائيل من أن تضمن لنفسها إعفاءً شبه مطلق من دفع التعويضات عن الأضرار التي تلحقها قوّاتها بالفلسطينيّين. وعوضًا عن منح الفلسطينيين المتضرّرين فرصة حقيقية لرفع دعاوى أضرار إلى المحاكم في إسرائيل، أبقت الدولة على مظهر زائف وحسب: بواسطة توسيع الإعفاء المحدّد في القانون بشأن أحداث تدخل في سياق "العمليّات الحربيّة" وتأويل هذا المصطلح على يد المحاكم - من جهة أولى ثمّ بواسطة قيود إجرائيّة وإثباتيّة حدّدها القانون وقرارات المحاكم - من جهة ثانية خفضت الدولة إلى الصّفر احتمالات حصول المشتكين الفلسطينيين على تعويضات عن الأضرار اللاحقة بهم.

دفع التعويضات لضحايا الاعتداءات عن أضرار لحقت بأجسادهم أو بممتلكاتهم ليس منّة ولا معروفًا تقدّمه الدولة وإنّما هو واجبها المنصوص في أحكام القانون الدولي والراسخ في المبادئ الأخلاقية الأساسية. عدم دفع التعويضات يتبعه انتهاك صارخ لحقوق الإنسان لسكّان المناطق المحتلة لأنه يمسّ بقدرتهم على تلقّي العوْن بشأن الانتهاك الصارخ لحقوقهم الأساسية: حقّ الحياة وحقّ سلامة الجسد وحقّ المُلكيّة. حرمانهم من الحقّ في التعويض عن أضرار نجمت جرّاء انتهاك حقوقهم مثله كمثل انتهاك الحقوق ذاته: حقوق الإنسان لا تقتصر على نصّ في قانون أو في ميثاق دوليّ ما إذ في غياب عقوبات على انتهاكها تبقى تلك خالية من المضمون ولا يوجد ما يقنع المسؤولين عن انتهاكها بأنّ من مصلحتهم تغيير سياساتهم.

وفقًا للقانون الإسرائيلي تتحمّل الدولة مسؤولية عن الأضرار الناجمة عن تهاونها وإهمالها. ولكنّ القانون يمنح الدولة إعفاءً عندما يتعلّق الأمر بأضرار حدثت أثناء "العمليّات الحربيّة". يستند هذا الإعفاء إلى فرضية أنّ درجة الخطورة ونطاق الأضرار أثناء الحرب تختلف كثيرًا عنها في الأوقات العاديّة. تتميّز الحرب بظروف الضغط وعدم اليقين ولذلك فقانون التعويضات عن الأضرار لا يلائم لمعالجة الأحداث الجارية خلال الحرب.

في التسعينات أثناء الانتفاضة الأولى وما بعدها رفع سكّان الأراضي المحتلّة إلى المحاكم الإسرائيلية دعاوى أضرار مطالِبين بتعويضات عن الأضرار التي ألحقتها بهم قوّات الأمن الإسرائيلية في غير سياق "العمليّات الحربيّة". كانت تلك أضرارًا نجمت عن إطلاق نيران مخالف للتعليمات - وبضمنها التسبّب بمقتل أشخاص أو إصابتهم وتخريب الممتلكات والاعتداءات الجسدية والتعذيب أثناء التحقيق لدى الشاباك وانفجار مخلّفات ذخيرة تركها الجيش وراءه وغير ذلك. إدارة هذه الدعاوى كلّفت الفلسطينيّين تكاليف عالية استمرّت لسنوات طويلة وأجبرت المدّعين على مجابهة سلسلة من الصعوبات البيروقراطية. لذلك كثيرًا ما اختار الفلسطينيون التوصّل إلى حلّ وسط وقبول تعويضات زهيدة لم تعكس حجم الأضرار التي لحقت بهم.

ولكنّ إسرائيل لكي تعفي نفسها حتى من دفع هذه التعويضات الزهيدة بدأت في النصف الثاني من التسعينيّات بالعمل على عدّة مستويات لتوسيع الإعفاء من المسؤولية عن الأضرار التي ألحقتها قوّات الأمن بسكّان المناطق الاراضي المحتلة؛ وعزّزت إسرائيل جهودها في هذا الاتجاه بعد اندلاع الانتفاضة الثانية. مع مرّ السنين عدّلت الكنيست القانون عدّة مرّات ووسّعت المحاكم بمبادرة منها نطاق الإعفاء من دفع التعويضات الممنوح للدولة. نتيجة لهذه التغييرات انسدّت بشكل شبه تامّ إمكانية حصول سكّان الأراضي المحتلّة على تعويضات حتّى عن أضرار ألحقتها بهم قوى الأمن في سياق لا صلة له بالعمليّات الحربيّة كالمهام الشرَطيّة (أعمال حفظ النظام) وأحداث النهب والاعتداءات العنيفة.

تأثير التغييرات التي أحدثها التشريع وقرارات المحاكم يبدو جليًّا في المعطيات التي قدّمتها وزارة الأمن لمؤسسة بتسيلم“بتسيلم” بشأن دعاوى التعويضات التي رفعها ضدّ الدولة فلسطينيون من سكّان الضفة الغربية وقطاع غزة. تؤكّد المعطيات تأثير التعديلات التي أدخلت على القانون أيضًا بالنظر إلى الهبوط في عدد المتضرّرين وحجم الأضرار نتيجة انتهاء الانتفاضة الثانية.

يظهر من المعطيات أعلاه اتّجاهان واضحان: الأول هبوط في عدد الدعاوى الجديدة المرفوعة إلى المحاكم حيث رُفعت في السنوات ما بين 2002 و2006 دعاوى بمعدّل 300 سنويًّا وبعد مرور عقد في السنوات ما بين 2012 و2016 رُفعت دعاوى بمعدّل 18 سنويًّا - فقط 6% من معدّل الدعاوى التي قدّمت قبل ذلك بعقد واحد.  

الاتّجاه الثاني تدني المبالغ التي طولبت إسرائيل بدفعها كتعويض. هكذا على سبيل المثال في السنوات ما بين 1997 و2001 دفعت إسرائيل سنويًّا ما معدّله 621,6 مليون ش.ج تقريبًا - سواء بحُكم تسوية أو بحُكم قرار أصدرته المحكمة. في المقابل بين السنوات 2012 و2016 دفعت الدولة سنويًّا ما معدّله 3.8 3,8 مليون ش.ج. تقريبًا - هبوط بنسبة أكثر من 80%. في السنوات نفسها برز بشكل خاصّ هبوط المبالغ التي دفعتها الدولة في دعاوى قدّمها سكّان قطاع غزّة: من معدّل يقارب 8.7 8,7 مليون ش.ج سنويًّا إلى معدّل يقارب 280.000 280,000 ش.ج. سنويًّا - هبوط بنسبة تقارب 97% (في الدعاوى التي رفعها سكّان الضفة الغربية في السنوات نفسها هبط معدّل المبالغ التي دفعتها إسرائيل من نحو 12.7 12,7 مليون ش.ج سنويًّا إلى نحو 3.5 3,5 مليون ش.ج سنويًّا - هبوط بنسبة 72% تقريبًا).

لتسويغ رفضها دفع التعويضات للفلسطينيين المتضرّرين بأيدي قوّات الأمن تأتي الدولة بحجج ثلاث أساسية: أولاً، الإعفاء الخاصّ بـ"العمليّات القتاليّة" الذي نصّ عليه القانون وطريقة تطبيقه في المحاكم كانا أضيق من اللازم وتجاهلا طبيعة الانتفاضتين الأولى والثانية. وتقول الدولة أنّها اضطرّت نتيجة لذلك إلى دفع تعويضات في حالات غير مبرّرة؛ ثانيًا، لا تستطيع الدولة أن تفحص حقيقة ادّعاتادعاءات المدّعين الفلسطينيّين وفي بعض الحالات لا تملك حتى طرف خيط للدفاع عن نفسها أمام هذه الدعاوى؛ ثالثًا، المتّبع أنّه في أثناء القتال المسلّح "يتحمّل كلّ طرف أضراره" ولذلك على السلطة الفلسطينية - كأيّة دولة أخرى - أن تتحمّل المسؤولية عن الأضرار اللاحقة بالفلسطينيين.  

الحجج الثلاثة أعلاه باطلة. أولاً، الإعفاء الخاصّ بـ"العمليّات الحربيّة" الذي نصّ عليه القانون وسّعته المحاكم خلال السنوات - قبل إتمام مراحل التشريع. أدخل القضاة تدريجيًا إلى هذا التعريف مزيدًا ومزيدًا من أنماط الأحداث وفي بعض الحالات تنازلوا سلفًا عن فحص ملابسات الحادثة بما في ذلك السؤال هل حقًّا تعرّض الجنود لخطر هدّد حياتهم أو سلامة أجسادهم. علاوة على ذلك جزء كبير من عمليّات قوّات الأمن في الأراضي المحتلة أيضًا خلال الانتفاضتين الأولى والثانية كان عبارة عن عمليّات شرَطيّة عاديّة، أي عمليّات حفظ النظام: وهي الوقوف على الحواجز وتنفيذ الاعتقالات وفرض حظر التجوّل والعناية بتطبيقه وتفريق المظاهرات وما إلى ذلك. كثير من الفلسطينيين أصيبوا تحديدًا جرّاء ممارسات الجنود أثناء تنفيذ مهام من هذا النوع وهي ليست مهام حربيّة قتاليةّ ولذلك لا مبرّر لإعفاء الدولة من دفع التعويضات عن الأضرار التي حدثت خلالها.

ثانيًا، بعض التعديلات التشريعية التي أُدخلت مع مرور السنين وبعض قرارات المحاكم يُفترض أنّها رسميًّا قد تجاوبت مع الصعوبات التي أشارت إليها الدولة ولكنّ الدولة استمرّت في الإشارة إلى هذه الصعوبات حتى بعد إدخال تلك التعديلات. غير أنّ المشكلة الأساسية في هذه الحجّة تكمن في كونها تتناقض مع ما تعلنه الدولة في سياقات أخرى على رؤوس الأشهاد من إنّها تنفّذ بنجاح وجدّية تحقيقات جنائية ناجعة وفعّالة في أحداث مشابهة حيث اشتُبه بجنود بممارسات مخالفة للقانون. تنجح الدولة في ذلك رغم أنّ التحقيقات الجنائيّة أعقد بكثير من تقصّي الحقائق المتعلقة بدعاوى الأضرار وسقف الإثبات المطلوب فيها أعلى بكثير. في شأن التحقيقات الجنائية هذه - تتباهى الدولة بأنّها نجحت في التغلّب على تلك الصعوبات بالضبط. لا تسلّم بتسيلم“بتسيلم” بالقول إنّ مثل هذه التحقيقات تتمّ فعلاً (للتوسّع في ذلك، يُنظر أعلاه) ولكنّ هذا التناقض الداخلي في أقوال الدولة يجسّد مدى استغلاليّة ونفعيّة حججها: فهي حينًا تتباهى على المستوى الجنائي بجهاز تطبيق قانون فعّال وقادر على إدارة تحقيقات ناجعة في أحداث أصيب فيها فلسطينيون في الأراضي المحتلة بأيدي قوّات الأمن؛ وحينًا آخر تدّعي على المستوى المدنيّ أنّها غير قادرة على إنجاز المهمّة نفسها.

ثالثًا، لا يمكن معاملة الفلسطينيين كمواطني دولة أجنبيّة قادرة على تعويض مصابيها وعلى التوصّل إلى ترتيبات دفع مع إسرائيل. لا يوجد هنا طرفان متساويان تدور بينهما حرب وإنما هو احتلال. حتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو مازالت إسرائيل قوّة احتلال في الضفة الغربية وبالتالي فسكّان الضفة الفلسطينيون - ومن ضمنهم القاطنون في شرقيّ القدس الشرقية التي ضمّتها إسرائيل - هم "سكّان محميّون". وفي قطاع غزّة رغم الانفصال ما زالت إسرائيل تواصل سيطرتها على نواحيَ عدّة من الحياة اليومية للسكّان وهي تدير في أراضي القطاع حملات عسكرية عودًا وتكرارًا. والحالة هذه لا تستطيع إسرائيل أن تلقي على السلطة الفلسطينية بالمسؤولية عن الإصابات التي تسبّبت فيها هي نفسها وأن تنظر إليها كدولة ذات سيادة. إنّ الصلاحيات التي نقلتها إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاقية أوسلو محدودة جدًا وكلّ قرار تريد السلطة اتخاذه – مهما كان هامشيًّا – يتطلّب موافقة (ولو بالصمت) من السلطات الإسرائيلية. هنا أيضًا تنتقي الدولة فقط الادّعاءات التي تخدم غاياتها: واقع الاحتلال الذي أنتجته إسرائيل وما زالت تعزّزه معلوم لها جيدًا وعمومًا هو يلائم مصالحها. ولكن لكي تبرّر تملّصها من دفع التعويضات تغيّر الدولة فجأة ادّعاءها فتعلن أنّ مكانة السلطة مماثلة لمكانة دولة – وذلك دون أن تغيّر شيئًا في تعاملها مع السلطة سكّانها.

إحدى الحجج التي تسوّغ الدولة من خلالها رفض دفع التعويضات للفلسطينيين هي أنّ موضوع التعويضات ينبغي أن يتمّ حلّه في إطار ترتيبات بين الطرفين بعد انتهاء النزاع. ولكن هذه الأقوال ليست سوى "كلام فارغ". تفعل دولة إسرائيل كلّ ما في وسعها لإنشاء وقائع ثابتة على الأرض ولمنع التوصّل إلى تسوية أيًّا كانت. عندما تقول إسرائيل إنّ عشرات آلاف المتضرّرين عليهم انتظار انتهاء "النزاع" ونتائج "المفاوضات" بين الطرفين فذلك يعني أنّهم لن يحصلوا أبدًا على التعويضات.