Skip to main content
Menu
المواضيع

مقتل عودة حمد برصاص جنود وهو يجمع الخردوات في مزبلة مجاورة للجدار الأمنيّ. في السنة والنصف الأخيرة جُرح أربعة أشخاص في ملابسات مشابهة

مزبلة بيت حانون. في الخلفية، البرج العسكري. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 15/1/2014.
مزبلة بيت حانون. في الخلفية، البرج العسكري. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 15/1/2014.

في يوم الجمعة، 20/12/2013، أطلق جنود الرصاص على عودة حمد وأردوه قتيلا، فيما كان يعمل في جمع الخردوات في مزبلة بيت حانون. من البحث الميداني الذي أجرته منظمة بتسيلم يتضح ما يلي: في ظهيرة ذلك اليوم وصل الأخوان عودة ورداد حمد إلى مزبلة بيت حانون، التي تقع بجوار الجدار الأمني، من أجل جمع النفايات البلاستيكية والمعدنية لكي يبيعانها لكسب رزقهما. قرابة الساعة 15:20، فيما كان عودة حمد يقصّ مقطعًا من السياج الشائك الذي يسبق الجدار الأمني، أصيب برأسه برصاصة حيّة. وقال أخوه، رداد، لبتسيلم إنه لم يسمع قبل إطلاق هذه الرصاصة أيّ نداءات تحذير أو إطلاق الرصاص في الهواء. رصاصات أخرى أُطلقت بعد ذلك من برج المراقبة العسكرية الذي يقع على بعد قرابة 400 متر من الموقع، أصابت رداد حمد في يده. وبما أنه لم يكن يحمل هاتفًا نقالا، فإنه ركض لطلب المساعدة. سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر وصلت بمحاذاة الموقع من خلال التنسيق الأمني مع الجيش، واقتربت حتى المكان الذي سمح لها الجيش بالاقتراب، ونزل منها أعضاء الطاقم وفتشوا عن عودة سيرًا على الأقدام. وبعد مرور قرابة نصف ساعة وجدوه وهو يعاني إصابة بالغة، على بعد عدة أمتار من الجدار الأمني. وطيلة هذا الوقت كانت سيارتا جيب عسكريتان تقفان عبر الجهة الأخرى من الجدار الأمنيّ. نُقل عودة إلى المستشفى في بيت حانون وتوفي متأثرًا بجراحه بعد وصوله بقليل.

وقد وصف رداد حمد (23 عامًا) في يوم 21/12/2013، أمام الباحث في بتسيلم محمد صباح ما حدث:

رداد حمد. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 14/1/2014.في الشهور الأخيرة نعمل أنا وأخي بجمع النفايات في المزبلة التي تقع شرقي بيت حانون، بجانب الجدار الأمني شمالي القطاع. نحن نجمع الخردوات البلاستيكية والمعدنية: المواسير والمغلفات والأغطية والعلب والعلب المعدنية والقضبان. لا عمل آخر لنا ونحن مجبرون على إعالة عائلاتنا.

هذا عمل منهك ونحن نعاني الروائح، لكن لا خيار لدينا. نحن نصل إلى المزبلة كل يوم ظهرًا بعد أن يلقي عاملو البلدية النفايات، ونجمع الأشياء ونبيعها لتجار البلاستيك والمعادن. وعمومًا نكسب 20-30 شيكلا لليوم. في يوم الجمعة، 20/12/2013، وقرابة الساعة 12:00 ظهرًا، وصلنا أنا وأخي إلى المزبلة على الدراجة الهوائية. جمعنا الخردوات على بعد أمتار معدودة من الجدار، مقابل الأبراج العسكرية. وفجأة، وقرابة الساعة 15:20، سمعنا صوت إطلاق للرصاص وسمعت أخي عودة يصرخ ويقع. ركضت إليه ووجدته ملقيا على ظهره وهو ينزف من رأسه. بعدها أُطلقت عدة رصاصات أخرى باتجاهنا وأصبت بيدي. لم يكن معي هاتف ولذلك هربت من هناك لاستدعاء النجدة. بعد قرابة الساعة نقلوا أخي إلى المستشفى. وقد مات بعد قرابة عشر دقائق على وصوله هناك.

كان عودة حمد يبلغ من العمر 27 عامًا يوم مقتله. وقد كان متزوجًا من إيمان (20 عامًا) ولم يكن الزوجان قد رزقا بأولاد بعد. وتحدثت زوجته، إيمان، مع الباحث في بتسيلم عن اليوم الذي قُتل فيه زوجها:

في ساعات الظهيرة من يوم الجمعة، 20/12/2013، وصلني أسوأ خبر في حياتي- خبر وفاة زوجي. كنت مصدومة جدًا. لم أفكر أبدًا أنّ مثل هذا الأمر قد يحدث معنا. كأنهم اقتلعوا روحي من جسدي. لقد فقدت أيّ سبب للعيش. المستقبل الذي طالما حلمت به مع زوجي والطفل أو الطفلة تبدّد تمامًا.

وصلني خبر وفاة زوجي بينما كنت منهمكة في التحضير ليوم عيد ميلاده. زيّنت البيت استعدادًا لعودته بعد الظهر. لقد فكر في كسب المال في ذلك اليوم كي نستطيع شراء الحاجيات اللازمة لعيد الميلاد، مثل الكعكة والشموع والكولا. لكن يوم عيد الميلاد تحوّل إلى يوم الموت، وتبدل الفرح بالحزن والحفلة تحولت إلى بيت عزاء. لقد صرت أرملة في لحظات. ومن وقتها وأنا في حالة صدمة كبيرة وحزن وإحباط ويأس.

وقد روت أمه عائشة للباحث في بتسيلم بعض التفاصيل عن ابنها:

عائشة حمد، والدة عودة ورداد حمد. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 28/1/2014.عمل عودة في موقع النفايات وجمع الأحجار. وقد اشتغل كعامل في عدة مجالات كي يكسب رزقه. وفي كل أسبوع عمل في موقع النفايات لثلاثة أو أربعة أيام وجمع هناك قطع المعدن والبلاستيك وباعها للتجار. عندما عرفت أنه يعمل هناك مع أخيه رداد، طلبت منهما أن يتوقفا عن ذلك، لأنني كنت أخشى رصاص الجنود الإسرائيليين في هذه المنطقة. كما أنني قلقت عليهما لأنّ رجال المقاومة يشتبهون بالأشخاص الذين يقتربون من الجدار بأنهم يراقبونهم ويوصلون المعلومات إلى إسرائيل. عمل عودة في بيئة صعبة من القذارة والزبالة كي يعيل نفسه وزوجته ويمول علاجات الإخصاب، لأنهما لم ينجحا في إنجاب الأطفال منذ زواجهما قبل أربع سنوات ونصف السنة. وقد تلقى العلاج وأجرى الفحوصات طيلة الوقت ودفع لقاء ذلك مبالغ كثيرة. فكل فحص تصل تكلفته إلى أكثر من 500 شيكل.

في الرد على التقرير الذي نشر في صحيفة هآرتس يوم 25/12/2013، قال الناطق العسكري: "في ظهيرة يوم الجمعة حضر عدة مشبوهين إلى الجدار الأمني في المنطقة المحظورة، وأتلفوا أكثر من مرة العائق الخاص بالجدار. القوة التي مكثت في الموقع حاولت أكثر من مرة إبعادهم، وبعد أن واصلوا العبث بالجدار، قامت القوة بإجراء اعتقال مشتبه أصيب خلاله أحد المشتبهين. النيابة العسكرية تفحص ملابسات الحادثة وعليه فستتقرر مسألة فتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية المحققة أم لا".

ويتضح من البحث الميداني الذي أجرته بتسيلم أنّ عودة حمد قام فعلا بقص جزء صغير من السياج الشائك المحاذي للجدار الأمني، كي يبيعه على ما يبدو، إلا أنّ البحث الميداني يشير أيضًا إلى أنّ ادعاء الناطق العسكري بتنفيذ الإجراء المتبع لاعتقال مشتبه به غير صحيح. الحقيقة أنّ الرصاص أصاب رأس عودة ولم يصبه في الجسم السفلي من جسده، تشير إلى أنّ إطلاق الرصاص جرى خلافًا للإجراء المتبع لاعتقال مشتبه به، الذي يحظر إطلاق الرصاص على الرأس في أي مرحلة. بالإضافة إلى ذلك، يتضح من إفادة رداد حمد أنه لم تجر أيّ محاولة لتحذير الأخوين أو إبعادهما عن الموقع قبل إطلاق الرصاص.

لقد أصيب عودة حمد برأسه من دون أن يشكل أيّ خطر على أحد. وفيما كان يستلقي مصابا على مقربة من الجنود الذين كانوا يمكثون عند الجهة الأخرى من الجدار، أضاع طاقم الهلال الأحمر وقتا ثمينا في محاولة للعثور عليه. لم يقدم له الجنود المساعدة الطبية، ولم يساعدوا طاقم سيارة الإسعاف بالعثور عليه. توجّهت بتسيلم إلى النيابة العسكرية مطالبة بفتح تحقيق جنائي لاستيضاح ملابسات إطلاق الرصاص وترك حمد المصاب من دون مساعدة طبية. وبعد مرور أكثر من شهر على وقوع الحادثة، لم تقم النيابة العسكرية بعد بإخبار بتسيلم ما إذا كان سيُفتح تحقيق أم لا.

ويتضح من البحث الميداني اذي أجرته بتسيلم أنه وقعت حوادث أخرى أطلق خلالها الجنودُ النار على جامعي النفايات في هذه المزبلة، إلا أنّ غالبية حالات إطلاق النار لم تؤدّ إلى إصابات. وبالإضافة إلى الأخوين عودة ورداد حمد ولخالد حمد، فإنّ لدى بتسيلم معلومات تتعلق بثلاث حالات أخرى أصيب بها مواطنون برصاص جنود في هذه المزبلة في السنة والنصف الأخيرة، أحدهم يعمل في بلدية بيت حانون.

يؤدي الوضع الاقتصادي الصعب في قطاع غزة إلى حمل الشبان على المخاطرة بحياتهم بجمع النفايات، وذلك في غياب مصدر آخر للرزق. وقال مدير بلدية بيت حانون للباحث في بتسيلم محمد صباح، إنّ البلدية تحاول منع وصول جامعي النفايات إلى المكان وحتى إنها تفرض الغرامات على من يُضبط وهو في المزبلة. وتحدث شابان آخران أصيبا في ملابسات مشابهة في الإفادتين اللتين أدليا بهما أمام الباحث الميداني في بتسيلم، محمد صباح، عن الظروف التي حملتهم على المخاطرة بجمع النفايات بمقربة من الجدار وإلى إصابتهما:

خالد حمد (18 عامًا)، والذي أصيب برجله في مزبلة بيت حانون يوم 14/7/2013 في ملابسات مشابهة، قال في إفادته يوم 21/7/2013:

أنا عامل. وأنا أعمل أحيانًا في هدم الحيطان وأحصل على 40 ش.ج. لقاء يوم العمل وأحيانًا أعمل سائقًا لعربة وأنقل الأحمال. أحيانا يوجد عمل ليومين فقط أو أسبوع في الشهر، وعندها أجمع قطع البلاستيك والخردوات المعدنية وأبيعها للتجار. ولقاء ثلاثة كيلوغرامات من البلاستيك أحصل على شيكل واحد.

قبل عدة أيام سمعت بوجود شبان يجمعون الخردوات في المزبلة التي تقع شمال-شرق بيت حانون على بعد قرابة 200 متر من الجدار الأمنيّ. قررت الذهاب معهم. في يوم الخميس، 11/7/2013، ذهبنا أنا وأخي صالح (19 عامًا) معهم وجمعنا الخردوات. كسبنا سوية 40 ش.ج.. عدنا إلى هناك يوم الجمعة أيضًا وفي يوم السبت كسبنا سوية 90 ش.ج. أخرى. في الغداة قدمنا إلى هناك مرة أخرى، وفي هذه المرة أصبت برجلي اليسرى برصاص جنود كانوا يمرون بسيارة جيب عسكرية بجوار الجدار.

أحمد حسنين. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 10/4/2012، في مستشفى الشفاء في غزة.أحمد حسنين (25 عامًا)، والذي أصيب برجله يوم 9/4/2012، في مزبلة تقع في جحر الديك، جنوب-شرق مدينة غزة، تحدّث هو أيضًا في إفادته التي أدلى بها أمام بتسيلم:

بعد وفاة والدي أصبحت المعيل الوحيد في العائلة. أنا أعمل في جمع النفايات برغم الصعوبة والخطر والحرج المنوطة بالتنقيب في الزبالة والنفايات. يجب عليّ فعل ذلك لأنني لا أملك عملا آخر. أنا أكسب 30-50 ش.ج. في يوم العمل. هذا لا يكفي لكسب الرزق لكنها الإمكانية الوحيدة. الآن أنا أفتقر لهذا حتى بسبب إصابتي. لقد كان إطلاق الرصاص علي عقابًا لأنني أحاول كسب رزقي من البحث في النفايات.

وثقت بتسيلم في السابق تقييد الوصول إلى المناطق المحاذية للجدار والسياسة غير القانونية المتمثلة في إطلاق الرصاص على المزارعين وجامعي الخردوات الذين يقتربون من الجدار. وبناءً على معطيات المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، أطلق جنود الرصاص في النصف الثاني من عام 2013 على 29 مدنيا في المناطق المحاذية للجدار الأمني في غزة. بعد حملة "عمود السحاب" نُشر في وسائل الإعلام عن تسيير تسهيلات معينة في تقييد الوصول إلى المناطق المحاذية للجدار الأمنيّ، إلا أنّ الناطق العسكريّ أعلم منظمة "مسلك" بعد قرابة ثلاثة أشهر على ذلك بأنّ تقييد الوصول لهذه المناطق تسري على الاراضي التي تبعد 300 متر عن الجدار، كما جرى تعريف ذلك رسميًا في السابق. 17% من مناطق قطاع غزة و35% من الأراضي الزراعية في القطاع موجودة في هذا النطاق. وقد طالبت بتسيلم آنذاك بأن يلغي الجيش الحظر المفروض على الوصول المناطق المحاذية للجدار. وفي حال وجود حاجة حيوية لمنطقة أمنية تكون محظورة الدخول، يجب على الجيش أن يُنشئها في داخل الأراضي الإسرائيلية.

ما دام الجيش يقف مكتوف الأيدي إزاء ذلك، فإنّ عليه أن يوضح للسكان الفلسطينيين جيدًا ما هي المناطق التي يمنع الدخول إليها والامتناع كلية عن استخدام الرصاص الحي كوسيلة لإبعاد المدنيين عن هذه المناطق. من حق إسرائيل بل ومن واجبها أن تدافع عن المنطقة الحدودية وأن تحول دون وقوع عمليات ضدّها، لكن عليها أن تفعل ذلك في إطار القانون، ومن خلال الامتناع عن المس بالأشخاص الذين لا يشكلون تهديدا على أمنها وبأرزاقهم. إنّ حالة قتل عودة حمد الخطيرة تشكل تجسيدًا آخر للسياسة المتواصلة والمحظورة المتمثلة باللجوء إلى وسائل فتاكة بغير وجه بحق ضد مدنيين، كما تجسد أوامر إطلاق النار التي تسمح بإلحاق الإصابات –القاتلة أحيانًا- في وضعيات لا تشكل خطرًا على الحياة.

المكان