Skip to main content
صيادو أسماك في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: صهيب سالم، رويترز، 4 نيسان 2016
Menu
المواضيع

إسرائيل تقضي على قطاع صيد الأسماك في قطاع غزة

في عام 2000 عمل حوالي 10000 شخص من سكان قطاع غزة في مجال الصّيد. اليوم هناك حوالي 4000 صياد فقط مسجلون في نقابة الصيادين، الذين يُعيلون ما يقرب من خمسين ألف شخص. لكن حتّى هذا المُعطى لا يعكس الواقع، إذ أن نصف الصيادين عاطلون عن العمل بعد أن تعطّلت مراكبهم ولا يمكن تصليحها بسبب النقص في المواد الخام. %95 من الصيادين في القطاع يعيشون تحت خطّ الفقر، والمعرّف كدخلٍ شهريّ أقل من 2293 شيكل للعائلة المكوّنة من خمسة أفراد، والّذين يعتمدون على المساعدات الإنسانيّة في معيشتهم. نسبة المعتمدين على المساعدات الإنسانيّة وسط سكّان غزة هي %80.

انكماش قطاع صيد الأسماك في غزة هو نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيل، التي تفرض قيودًا صارمة على الوصول إلى البحر، وتسويق الأسماك في الضفة وإدخال المواد الخام إلى قطاع غزة ومنع تصدير الأسماك إلى إسرائيل، وتسيء معاملة الصيادين:

أ‌. الحد من نطاق الصيد المسموح به:

في شهر آذار عام 2016، قامت إسرائيل بتوسيع نطاق الصيد الذي تسمح به في قطاع غزّة من ستة إلى تسعة أميال بحريّة وفي شهر حزيران عادت وخفضته إلى ستة أميال (حوالي 11 كم). هذا رغم أنّ إسرائيل كانت قد التزمت في اتفاقيات أوسلو بالسماح بالصيد حتى مسافة 20 ميلا بحريًا، وهو التزام لم تقف به يومًا. نطاق الصيد الذي سمحت به إسرائيل منذ توقيع اتفاقية أوسلو هو لغاية 12 ميلا بحريًا، وعلى مر السنين تمّ تخفيض هذا النطاق أكثر فأكثر، وفي بعض الأحيان وصل إلى 3 أميال بحرية فقط. في الفترات التي وقع فيها قتال مُنع الصيد تمامًا. إشعارات حول التغييرات الحاصلة في المجال المسموح به للصيد تُسلمها مديريّة التنسيق والارتباط لمكتب الثروة السمكية في القطاع. بالإضافة إلى ذلك، يقوم سلاح البحرية الإسرائيلي بتعليم حدود النطاق باستخدام العوامات. الحد من نطاق عمل الصيادين يتسبب في وجود كمية مفرطة من صيد الأسماك في مساحة صغيرة الأمر الذي يضر بتوفر الأسماك ومناطق تكاثر الأسماك.

ب‌. النقص في المواد الخام والمعدات وقطع الغيار لإصلاح مراكب الصيد:

إسرائيل تحظر إدخال المواد الحيوية لغرض الصيانة المتواصلة لمراكب الصيد، بما في ذلك الألياف الزجاجية (الفيبرجلاس)، والكابلات الفولاذيّة وقطع الغيار، بحجة أن الحديث يدور حول مواد تعرّفها إسرائيل كمواد "ثنائيّة الاستخدام"، أيّ أنّها "معدّة بالأساس للاستخدام المدنيّ وصالحة أيضًا للاستخدام الأمنيّ". خلال عام 2016 عُقدت عدّة لقاءات بين ممثّلي وزارة الزراعة الفلسطينيّة ومديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وبين قائد مديريّة التنسيق والارتباط في غزة، كان آخرها بتاريخ 10.6.16، أعطي فيها لإسرائيل قائمة بالمواد اللازمة للصيادين. حتّى اليوم لم يُصادق على إدخال أيّ من المواد التي ظهرت في القائمة. وفقاً لنقابة الصيادين في غزة فإنّ ما يقارب من مائتي قارب من نوع حسكة وخمسة قوارب بمحركات صغيرة (لانشات) معطّلة اليوم في ظلّ غياب المواد والمعدّات اللازمة لإصلاحها.

قارب حسكة مع محرك في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17
قارب حسكة مع محرك في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17

ج. الاعتقالات وإطلاق النار

خلال عام 2016، جمعت منظمة بتسيلم عشرات الإفادات من صيادين أبلغوا عن إطلاق سفن بحرية إسرائيلية النار باتجاه مراكبهم. أصيب بعضهم وألقي القبض على آخرين. وفقًا للافادات، فإنّ الجنود فرضوا على الصيادين تحت تهديد السلاح خلع ملابسهم والسباحة في البحر حتى سفينة سلاح البحرية، وذلك مع تجاهل الظروف الجوية. من الإفادات التي قدّمها الصيادون ومن معطيات أجهزة GPS لتحديد المواقع، والتي تتواجد بحوزتهم يتبيّن أنّ قسمًا منهم تمّ اعتقاله دون أن يتجاوز المنطقة التي يسمح الجيش فيها بالصّيد.

الصيادون الذين جُلبوا إلى سفن سلاح البحرية تمّ اقتيادهم إلى ميناء أشدود حيث تمّ التحقيق معهم وهم مكبّلو الأيدي ومعصوبو العينين، وقد تمّت مصادرة مراكبهم. بعد التحقيق – الّذي ركّز في حالات كثيرة على محاولة الحصول على معلومات عن حماس - أطلق سراح معظم الصيادين إلى بيوتهم، دون مراكب الصيد الخاصة بهم. وقد ذكرت نقابة الصيادين في قطاع غزة أنّه منذ شهر نيسان عام 2016، تعتقل سلطات حماس الصيّادين الذين يعيدهم الجيش إلى حاجز إيريز، وتقوم بالتحقيق معهم واحتجازهم لعدة أيام.

وفقًا لمعطيات مكتب الثروة السمكية في وزارة الزراعة في غزة، اعتقل الجيش الإسرائيلي 113 صيادًا في عام 2016. وقد أطلق سراح 107 منهم بعد التحقيق معهم وما يزال ستة منهم رهن الاعتقال. كما أصيب عشرة صيادين آخرين جراء إطلاق سلاح البحريّة الإسرائيلي النار عليهم. وأفيد أيضا من مكتب الثروة السمكية أنّه خلال عام 2016 صادرَ الجيش 28 حسكة بدون محرّكات. حتى تاريخ نشر هذه المقالة أعيدت خمس من هذه القوارب فقط إلى أصحابها وجميعها في شهر نيسان كما أُعيدت خمس حسكات كانت قد صودرت قبل نحو عام. في عام 2015 تمّ اعتقال 73 صيادًا ومصادرة 22 قارب حسكة.* كما وأنّ 14 قارب صيد معطلة حتى اليوم في القطاع بسبب الأضرار التي لحقت بها جراء إطلاق سلاح البحرية النار باتجاهها أو أثناء مصادرتها. بالإضافة إلى ذلك، يتبيّن من معطيات مكتب الثروة السمكيّة أنّ الضرر المباشر الذي لحق بالصيادين في عام 2016 عقب إطلاق النار على القوارب ومصادرتها مع معدات للصيد، يصل إلى قرابة نصف مليون دولار.

د. القيود المفروضة على تصدير الأسماك إلى إسرائيل والقيود على تسويقها في الضفة:

لغاية فرض الحصار على قطاع غزة عام 2007، كان الصيد قطاعًا مزدهرًا في القطاع، والصيادون، الذين قاموا بتسويق بضاعتهم في الضفة الغربية وتصديرها الى إسرائيل، فقد كسبوا رزقهم بما فيه الكفاية. مع فرض الحصار منعت إسرائيل تصدير الأسماك الى نطاقها وتسويقها في الضفة وبهذا مست بصورة بالغة بأرزاق الصيادين. في عام 2014 بدأت إسرائيل بالسماح بتسويق محدود للأسماك في الضفة الغربية، تحت قيود صارمة تزيد من تكلفة العملية وبالتالي من تكلفة البضاعة. نطاق التصدير إلى الضفة الغربية منخفض اليوم بشكل كبير نسبة إلى ما كان عليه قبل فرض الحصار.

سلوك إسرائيل فيما يتعلق بقطاع صيد الأسماك في غزة يوضّح سبب رفض ادعاء إسرائيل أنّه منذ خطة الانفصال عام 2005 لم تعد مسئولة أكثر عن مصير سكان القطاع وما يحث في مجالاته. على الرغم من أن إسرائيل أجلت مستوطناتها وجيشها من قطاع غزة، فقد واصلت السيطرة - عن بعد – في جوانب كثيرة من حياة السكان. مساس إسرائيل الخطير بالصيادين لا مبرر له ويشكّل جزءًا من سياسة الحصار القاسية التي تطبّقها إسرائيل في قطاع غزّة منذ عشر سنوات.

صيادون قدّموا إفادات لباحث بتسيلم الميداني، محمد صباح، وصفوا الواقع الصعب الذي وصلوا إليه:

محمود سعيد جمعة بكر، 18 عامًا، من سكان مخيم الشاطئ، روى في إفادة أدلى بها بتاريخ 5.9.16:

محمود سعيد جمعة بكر. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 5.9.16أعمل صيادًا مع والدي وإخوتي على قارب حسكة مع محرك. نخرج كل يوم تقريبًا إلى البحر، قبالة مدينة غزة وشمالها. عادة ما نخرج من البيت في الخامسة صباحًا ونعمل حتى الساعة 12:00 ظهراً، تبعًا للوضع ولكميّة الأسماك. نقوم ببيع الأسماك للتجار. أحيانًا نصيد 20 كغم من الأسماك، وأحيانًا 10 أو 5 كغم، وأحيانًا لا نصيد حتّى سمكة واحدة. يعتمد ذلك على توفر الأسماك، أحوال الطقس وسلوك سلاح البحريّة الإسرائيليّ.

يوم الجمعة، الموافق 12.8.16، خرجنا إلى البحر عند الساعة الخامسة صباحًا. خرجتُ مع والدي وإخوتي الأربعة ومع عامل أجير يعمل عندنا. أبحرنا إلى منطقة السودانيّة، والتي تبعد مسافة 2.5 ميلاً بحريًا شمال عرب الحدود الشماليّة للمنطقة المفتوحة للصيد. حتّى الساعة الثامنة صباحًا تمكّنا من صيد ما يقارب 3 كغم من سمك النهاش الأحمر (فريدة). أثناء عملنا اقتربت منا سفينة بحرية إسرائيليّة وبعدها قارب مطاطيّ. حاولنا الفرار. قامت السفينة والقارب بملاحقتنا وإطلاق الرصاص الحيّ والرصاص المطاطي في الهواء. بعد أن ابتعدنا مسافة مائتين متر تقريبًا، أمرنا الجنود بالتوقف وتوقّفنا. أمرونا بخلع ملابسنا والدخول إلى البحر. خلعنا ملابسنا وسبحنا واحدًا تلو الآخر حتى القارب المطاطي الذي أخذنا إلى السفينة. عصب الجنود عيوننا، كبّلوا أيدينا وأجلسونا واحدًا بجانب الآخر.

بعد إبحار لمدّة ساعة توقفت السفينة. أزالوا الغطاء عن عيوننا وأمرونا بالنزول. كنا في ميناء أشدود. أعطونا نعالاً وقادونا إلى غرفة وأجلسونا وعصبوا عيوننا من جديد. ثمّ حضر طبيب قاس لي درجة حرارتي وسألني إذا كنتُ مريضًا. أجبت كلاّ.

ثم كبلوا أيدينا بقيود معدنية ووضعونا في حافلة صغيرة أرسلتنا إلى حاجز إيريز. عند الحاجز بدّلوا القيود المعدنية بقيود بلاستيكيّة، وأدخلونا واحدًا تلو الآخر إلى غرفة التحقيقات. كنت أنا آخر من دخل. عندما دخلتُ إلى هناك تواجد في الغرفة محقق بدأ يسألني لماذا أنا غاضب. قلت له إني غاضب لأنكم أخذتم الآن قارب الحسكة الذي يشكّل مصدر رزق لنا. بدأ يقول إنّهم أخذوا القارب لأننا تخطينا الحدود فقلت له إنّ ذلك غير صحيح. طلب المحقق أن أشير إلى بيتنا على خريطة موجودة في الكمبيوتر. عندما سألته ماذا يريد من بيتنا قال إنه يريد أن يعرف إذا كنت صيادًا فعلاً أم لا. قلت له إنّه أخذ الحسكة خاصتي، والتي أستخدمها للعمل. طلب مني رقم هاتفي الجوال فقلت له إني لا أملك هاتفًا. واصل المحقق استجوابي عن منزل عمّي ومنازل الجيران. بعد ذلك سألني أين أريد أن أعمل. قلت إني لا أعرف لأنه لا عمل لي غير الصيد وسألني إذا كنت أرغب في العمل داخل إسرائيل. قلت له كلاّ ثمّ بدأ يقول لي إنّهم سيرتبون لي سيارة أو دراجة نارية. قلت له إني لا أريد وأني أرغب في المغادرة. سأل المحقق: ألا تريد أن تخبرني عن منزل شخص ما ينتمي لحماس؟ قلت له إني لا أعرف أي أحد.

بعدها ذهبت إلى الغرفة حيث انتظرنا لمدة ساعة تقريبا. قرابة الساعة 2:00 ظهرًا أمرونا بالتوجه إلى قاعة الخروج باتجاه غزة. مشينا إلى أن وصلنا إلى الطرف الثاني من الحاجز الذي تواجد فيه رجال شرطة حماس. قاموا بالتحقيق معنا حول ما حدث في البحر وعند حاجز إيريز. بعدها أخذونا إلى مقر جهاز الأمن الداخلي في غزة، في معسكر الأنصار وهناك أوقفونا. أعطونا نظارات سوداء بدلاً من غطاء العينين حتى لا نرى شيئًا. بعد ذلك سألوني عن اسمي ثمّ قادوني إلى زنزانة بطول 2 متر وعرض 80 سم. لاحقًا أحضروا لنا الطعام والشراب. غداة اليوم التالي، 13.8.2016، أخذني ضابط إلى غرفة وسألني حول ما حدث ثمّ أعادوني ثانية إلى الزنزانة. بقيتُ هناك حتى اليوم التالي صباحًا، وهو يوم الأحد الموافق 14.8.16، ثمّ أخذوني إلى غرفة تحقيق تواجد فيها ضابطان. سألوني مرة أخرى حول ما حدث في البحر وعند حاجز إيريز حتى وصلت إلى حاجز حماس. بعد ذلك أعادوني ثانيةً إلى الزنزانة وبقيت هناك حتى اليوم التالي. يوم الثلاثاء الموافق 16.8.16 نقلوني إلى زنزانة تواجد فيها والدي وأحضروا لنا وجبة طعام. عند الساعة الثالثة بعد الظهر أطلقوا سراحنا. طلب منا الضباط ألا نصل إلى الحدود في البحر وألا نتعرض إلى مخاطر حتى لا يتمّ توقيفنا. بعد ذلك أعطوني استدعاءً لمقابلة في تاريخ 31.8.16 عند الساعة التاسعة صباحًا.

وصلت في التاريخ المحدد. أرسلوني إلى غرفة في الطابق الرابع. حضر ضابط وسألني مرة أخرى حول ما حدث في البحر. نظر إلى ورقة كانت أمامه وقارن بين ما سمعه مني وما كان مكتوبًا في الورقة من التحقيق السابق. عندما أنهى التحقيق قال لي: هل جئت من البحر؟ قلت نعم. قال: أنت لا تستسلم وتنزل البحر مرة أخرى! قلتُ له إنّ هذا عملي ولا عمل آخر لي في القطاع.

قارب لانش في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17
قارب لانش في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17

مصطفى محمد خليل النجار، 29 عامًا، متزوّج وأب لبنتين، من سكان رفح، روى في إفادة أدلى بها بتاريخ 19.7.16:

أعمل في الصيد مع والدي وإخوتي منذ سن الرابعة عشرة. نملك ستة أنواع مختلفة من قوارب الحسكة وقارب فلوكة. يوم الاثنين، 18.4.16، الساعة 17:00، خرجت من ميناء رفح مع عاملين أجيرين عندي. من باب التوفير في المصاريف قام قارب لنش كبير بِجَرّ الحسكة التابعة لي إلى داخل البحر. عندما وصلنا إلى مسافة تبعد 8 أميال بحريّة عن الشاطئ انفضضنا عن اللنش. توجهت إلى المنطقة الموجودة قبالة خان يونس للابتعاد عن الحدود مع مصر وحتى لا أكون في منطقة خطرة. عندما وصلتُ إلى مسافة تبعد 9 أميال بحرية عن الشاطئ رمينا الشباك في البحر ثم نمنا في القارب، كان ذلك عند حوالي الساعة 22:00 وحتى 12:00 ليلاً. انتظرنا حتّى سكون الرياح لكَي ننتشل الشباك التي كانت ممتدّة حتى مسافة 2 كم تقريبًا.

في تمام الساعة 12:30 وصلت سفينة تابعة للجيش الإسرائيلي من جهة شمال- شرق، وبدأت بإطلاق النار من مسافة كبيرة باتجاهنا. أصبنا بالذعر وشغّلنا محرّك الحسكة وهربنا باتجاه جنوب- شرق. واصلت السفينة ملاحقتنا وإطلاق النار باتجاهنا لمدّة ساعة تقريبًا، وأصيبَت الحسكة بعدّة رصاصات. عندما باشروا بإطلاق النار تجاهي وتجاه الأشخاص الآخرين في القارب، توقفت. توقفت السفينة الإسرائيلية على بعد 200 متر بعيدًا عنّا. أرسلوا لنا قاربًا مطاطيًا وأمرنا الجنود بخلع ملابسنا. بقينا بملابس داخليّة. بعد ذلك كبّلوا أيدينا خلف ظهورنا، أصعدونا إلى القارب المطاطيّ، عصبوا عيوننا، قادونا إلى السفينة وأجلسونا في القسم الأماميّ. كان الطقس باردًا وطلبنا الملابس أو أيّ شيءّ نكتسي به لكنّ الجنود رفضوا أن يعطونا شيئًا. عندما واصلنا في طلبنا قاموا برَكلنا. بعد ذلك ربطوا قارب الحسكة خاصّتي بالسفينة وجرّوه. أبحرنا إلى ميناء أشدود ووصلنا إلى هناك عند الساعة الثامنة صباحًا. أثناء الإبحار سألت ضابطًا تواجد في السفينة عن قارب الحسكة خاصتي فأجابني أنها صودرت. سألته متى سأستعيدها فردّ في غضون أسبوعَين. عندما سألته لماذا فعلوا ذلك أجاب لأنّي خالفتُ القانون.

عندما وصلنا إلى ميناء أشدود أعطونا ملابسنا ووضعونا في غرفة كان فيها حوالي سبعة صيادين من غزة ورفح، وكانوا مكبلين بأصفاد معدنية، وتمددوا على الأرض. انضممنا لهم. تركونا على هذه الحال دون طعام أو شراب.

في تمام الساعة 12:00 مساء، حضر ضابط وقال لنا إنهم سينقلوننا إلى معبر إيريز حيث سيتم التحقيق معنا هناك. سألنا جميعنا عن مصير قواربنا. قال إنها قد صودرت في ميناء أشدود وأنّ أحدها أصيب في الجزء الأماميّ، وأنّ سلاح البحريّة يحاول أن يجنّبها الغرق. عرفت أنّه قاربي. بعد ذلك وضعونا في حافلة أوصلتنا إلى حاجز إيريز وهناك قام محققو الشاباك بالتحقيق معنا كلّ منا على حدة. طلب مني المحقق تفاصيل شخصيّة وأخذ رقم هاتفي الجوال. قال لي إني تجاوزت نطاق تسعة أميال بحريّة ولهذا أطلقوا النار وصادروا قارب الحسكة خاصتي. قلت له إني لم أتجاوز العوامة التي وضعها الجيش وبقيت في داخل مجال تسعة أميال بحرية. سألته عن الحسكة وقال إنّها في الوقت الحالي لم تغرق وأنها موجودة مع بقيّة القوارب التي تمّت مصادرتها. استمرّ التحقيق معي لمدّة نصف ساعة تقريبًا وانتهى زهاء الساعة الرابعة بعد الظهر. عند الساعة السادسة والنصف أطلقوا سراحنا وعدنا إلى غزّة.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصلت بوزارة الزراعة ونقابة الصيادين والشرطة البحرية. قالوا لي إنّ قارب الحسكة يتواجد في ميناء أشدود. بعد عشرة أيام تقريبًا عرفتُ من مكتب الثروة السمكية أن قارب الحسكة خاصتي غرق وأن السفينة الإسرائيليّة لم تتمكن من إنقاذه..

مصدر دخلي الأساسي يأتي من الصيد. كان طول قارب الحسكة خاصّتي 7 أمتار، وكان يحتوي على معدات باهظة الثمن. اشتريناه قبل أربع سنوات وتبلغ قيمته الآن 20000 شيكل والمحرك 30000. لكي أشتري القارب بعتُ مجوهرات زوجتي بقيمة 3000 دينار أردنيّ (نحو 15000 شيكل) وأخذت قرضًا بنَفس المبلغ تقريبًا من أقارب ومن معارف. ما زلت أدين المال للتجار. لأنّي لم أمتلك الحسكة ضاع عليّ موسم صيد اللوكوس وسمك النهاش الأحمر. تسبب فقدان قارب الحسكة في مشاكل بيني وبين أفراد الأسرة الآخرين، لأنّه كان مصدر رزقهم. العمال الذين كانوا معي فقدوا في ذلك اليوم عملهم. أشعر بالألم بسبب الحسكة والمحرّك، فقد مرّت أشهر ولم يكن في استطاعتي أن أشتري غيرهما. منذ ما حدث أجلس في البيت بلا عمل.

أحمد أبو حمادة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 27.1.17
أحمد أبو حمادة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 27.1.17 

أحمد جمال لطفي أبو حمادة، 29 عامًا، متزوّج وأب لأربعة أولاد، من سكّان مخيّم الشاطىء، روى في إفادة قدّمها بتاريخ 16.11.16:

أعمل صيادًا على حسكة والدي، الذي يمتلك ثلاثة قوارب حسكة أخرى. بدأت العمل في هذه المهنة في سن السابعة عشرة. قواربنا مصنوعة من الألياف الزجاجية، وتحتاج إلى صيانة مستمرة واستبدال قطع مصنوعة من الألياف الزجاجية بسبب أضرار المياه المالحة، اصطدام مع مراكب أخرى في الميناء، أو مجرد اهتراء، وأيضًا بسبب رصاص سلاح البحريّة الإسرائيليّ. قبل عام ونصف تقريبًا اصطدم قارب الحسكة الذي أعمل عليه برصيف الميناء بسبب رياح قوية وانقطع الحبل الذي ربطه بالرصيف. حدثت ثقوب في مقدّمة الحسكة. بالإضافة إلى ذلك، في أحد قوارب الحسكة التي نمتلكها تحطم أحد الجوانب، على ما يبدو عندما ضربه صياد آخر في الوقت الذي رسا في الميناء، لكننا لا نعرف الفاعل.

أوقفنا العمل على هذين القاربين تقريبًا بسبب وضعهما، فقد كان علينا طيلة الوقت أن نفرغ المياه منهما وأن نهتمّ بألا يمتلآ ونغرق. حاولنا أن نحصل على الألياف الزجاجيّة لكي نصلحهما لكن كان من الصعب جدًا العثور عليها لأنّ إسرائيل تحظر إدخال هذه المادة منذ سنوات. قبل الحظر، كلّف كيلوغرام واحد من الألياف الزجاجيّة التي وصلت من إسرائيل 16 شيكل. بعد ذلك كان من الممكن الحصول على المادة التي وصلت عن طريق الأنفاق من مصر، لكن في عام 2013 أغلقوا الأنفاق ومنذ ذلك اليوم ونحن نعاني من نقص فيها، ويمكن الحصول على الألياف الزجاجيّة المصنّعة هنا في غزة، وتكلفتها أكبر بكثير. قررت الحصول على المادة رغم ذلك، واشتريت 8 كغم بتكلفة 80 شيكل للكيلوغرام الواحد، وكيلوغرامين من الدهان بسعر خمسين شيكل، وثلاثة أمتار من القماش الخاصّ للتغطية ب- 180 شيكل. كما ودفعت 300 شيكل عن الخشب والعمل. أي أن مجموع عملية ترميم مساحة صغيرة في مقدّمة القارب كلّفتي نحو 1500 شيكل. لم أكن أملك هذا المال واضطررت إلى الاقتراض لأتمكّن من العمل وكسب الرزق.

يتطلّب قارب الحسكة الثاني تصليحًا أكبر، بتكلفة قدرها 2500 شيكل، والآن لا إمكانية لنا لاصطلاحه. ولكن يجب علينا أن نفعل ذلك في أقرب وقت، لأني أعمل مع والدي وأخوتي الثلاثة وهذا هو مصدر رزق عائلتنا. والآن بعد أن تعطّل القارب، تدنّى مستوى دخلنا، خصوصًا في الشتاء حيث لا يوجد الكثير من العمل في صيد الأسماك.

الحظر المفروض على الألياف الزجاجية يسبب خسائر فادحة للصيادين، لأننا لا نستطيع إصلاح القوارب ومواصلة كسب الرزق، الأمر الذي يزيد من تردّي وضعنا الاقتصادي جميعًا، وهو وضع صعب على أيّ حال.

أحمد أبو حمادة قرب قاربه المُعطل. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.1.17
أحمد أبو حمادة قرب قاربه المُعطل. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.1.177

* حرى تصحيح المعطيات في شهر حزيران 2018، عقب معلومات جديدة وصلت لبتسيلم.