Skip to main content
محمّد شقورة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
Menu
المواضيع

قوّات الأمن قتلت بنيرانها الشابّ محمّد شقورة في حين لم يشكّل خطرًا على أحد وقتًا قصيرًا بعد أن سحب سلكًا كان قد ربطه إلى الجدار

ضمن "مسيرات العودة" التي انطلقت في 30.3.2018، في ذكرى "يوم الأرض"، جرت في يوم الجمعة الموافق 14.9.2018 مظاهرة قرب الشريط الفاصل بين غزة وإسرائيل، شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين الواقع في وسط قطاع غزّة. خلال المظاهرة والتي شارك فيها آلاف الأشخاص مسّ بعض المتظاهرين بالسّلك اللّولبيّ الذي يمدّه الجيش أمام الشريط العازل وبعضهم أشعل الإطارات ورشق الحجارة نحو قوّات الأمن المنتشرة في الجانب الآخر من الشريط العازل.

عند الساعة 17:00 تقريبًا وصل إلى المكان ثلاثة من سكّان مخيّم المغازي للّاجئين الواقع شمال بلدة دير البلح وهم: محمد شقورة (20 عامًا) وشقيقه هيثم (15 عامًا) وصديقهما محمد رخا (18 عامًا). اقترب الثلاثة من الشريط العازل. اقترب هيثم من الجزء الشماليّ من الشريط واقترب محمد شقورة ومحمد رخا من جزئه الجنوبيّ حيث أشعلوا الإطارات في حين كان بعض المتظاهرين يرشقون الحجارة نحو الشريط.

قرب الساعة 18:00 التقى هيثم مع أخيه ومع محمد رخا واتّجه ثلاثتهم شمالًا إلى المنطقة المجاورة للشريط العازل، قبالة خيام العودة. في التحقيق الذي أجرته بتسيلم تبيّن أنّ محمد شقورة تقدّم نحو الشريط وربط إليه سلكًا ثمّ سحبه وبعد ذلك أفلته وابتعد. بعد ذلك مباشرة أطلقت النيران عليه وهو واقف إلى جوار متظاهرين آخرين على بُعد نحو عشرين مترًا من الشريط العازل. مشى محمد المصاب بضعة أمتار ثمّ وقع أرضًا. هناك شريط فيديو يوثّق إطلاق النار على محمد شقورة نشره في صفحته على فيسبوك شخص يتبنّى وجهة نظر الجهاز الأمنيّ، والقائلة بأنّه يُسمح بإطلاق النيران بهدف القتل على متظاهرين عزّل إذا مسّوا بالشريط . لكنّ إطلاق النيران بهدف القتل - في إطار تفريق مظاهرة - على متظاهرين عزّل حتى إذا مسّوا بالشريط العازل بين إسرائيل وقطاع غزّة، كما في حالة شقورة، أمرٌ مخالف للقانون. يسمح القانون بذلك فقط في حالة خطر داهم ومحقّق على حياة أحدهم، وفقط إذا لم تتوفّر وسيلة أخرى لدرء هذا الخطر. كذلك يحظر القانون الدوليّ الانساني إطلاق النيران الفتّاكة على مدنيّين عزّل وغير مشاركين في عمليّات قتاليّة من ضمنها المسّ بالشريط العازل حيث لا يُعتبر في حدّ ذاته عمليّة قتاليّة.

منذ بداية المظاهرات قرب الشريط العازل قتلت إسرائيل 170 فلسطينيًّا على الأقلّ ومن بينهم 31 قاصرًا. الأغلبيّة السّاحقة من هؤلاء القتلى لم تشكّل أيّ خطر على قوّات الأمن الذين ينبغي التنويه أنّهم ينتشرون في الجانب الآخر من الشريط. إضافة إلى ذلك، أصابت قوّات الأمن بنيرانها أكثر من 5,300 شخص أوقعتهم جرحى. حقيقة مقتل وجرح هؤلاء الأشخاص جاء نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النار التي تطبّقها إسرائيل منذ بدء المظاهرات. إسرائيل تفعل ذلك وهي تعلم جيّدًا النتائج الفتّاكة المترتّبة على هذه السياسة، ممّا يؤكّد مرّة أخرى عدم اكتراث السّلطات الإسرائيليّة لمقتل وجرح الفلسطينيّين؛ وإلّا لغيّرت إسرائيل منذ زمن سياسة إطلاق النّار ولأوقفت إطلاق النيران على متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد ويتواجدون أصلًا في الجانب الآخر من الشريط العازل. هذه السياسة الإجراميّة المُمنهجة تتأكّد مرّة تلو الأخرى حين يواصل الجيش تطبيقها دون أيّ تغيير - ناهيك عن دعمها بواسطة أجهزة الطمس التي يشغّلها جيش إسرائيل بحيث تضمن في كلّ مرّة ألّا يحاسَب أحد على قتل فلسطينيّ.

 

في إفادة سجّلها الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة، في 16.9.2018 وصف محمّد رخا ما حدث قرب الشريط العازل:

Thumbnail
محمّد رخا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 16.9.18

دحرج محمد إطارًا كبيرًا، قد يكون إطار شاحنة، مرّ به من ثغرة في السّلك اللولبيّ أحدثها شبّان آخرون في وقت سابق وتابع حتّى وصل مع الإطار إلى الشريط الرئيسيّ وأشعله هناك. بعد ذلك ربط قطعة سلك إلى الشريط الرئيسيّ. أخذ شبّان ينادونه أن يعود لكي يضعوا هناك أربع أو خمس براميل معدنيّة لكي يختبئوا وراءها - لأنّه لم يكن قرب الجدار مكان يمكن الاحتماء به.

في تلك اللحظة ونحو الساعة 18:30، كنت مع محمد إلى جانب المتظاهرين وعلى مسافة تقارب خمسة عشر مترًا من الشريط العازل. كان أمامنا متظاهرون كثيرون آخرون. سمعت طلقة رصاص حيّ ورأيت محمّد يمشي تقريبًا ثلاث خطوات إلى الأمام ويقع على بطنه. اعتقدت أنّه أصيب في الكتف. تقدّمت منه وكان قد تحلّق حوله عدد من الشبّان يقولون "شهيد، شهيد". حملت محمد بمساعدة شبّان آخرين. تقدّمنا بضع خطوات وعندها جاء مسعفون وحملوه على نقّالة. كان غائبًا عن الوعي وينزف من الصدر. أصابتني الصدمة وكنت حزينًا جدًّا لأنّني فهمت أنّ إصابة محمد خطيرة.

في إفادة أخرى سجّلها الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة، في 16.9.2018 وصف هيثم شقورة (15 عامًا) ما رآه:

Thumbnail
هيثم شقورة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 16.9.18

كنّا نقف عند السّلك اللّولبيّ وكان هناك عدد آخر من المتظاهرين منهم نساء ورجال. وعلى بُعد نحو خمسين مترًا من السّلك اللّولبيّ تواجد نحو مائة متظاهر. قبالتنا وفي الجانب الآخر من الشريط كانت خيام وجنود فوق سواتر ترابيّة عالية.

تقدّم محمد إلى أن وصل الشريط الرئيسيّ. أنا بقيت واقفًا في الخلف. ربط محمد السلك لكي يسحبه الشبّان. في الوقت نفسه تقدّمتُ أنا نحو الشريط الرئيسيّ وعاد محمد من الشريط نحو مجموعة المتظاهرين التي وقفت على بُعد نحو عشرين مترًا منه. نادى أحد أصحابه ونظر يسارًا في اتّجاه الجنود. بقيّة المتظاهرين كانوا على يمينه. فجأة سمعت صوت رصاصة ومحمد مشى بضعة أمتار ووقع على الأرض. أنا كنت قريبًا من الشريط وفورًا انبطحت أرضًا. نظرت في اتّجاه المتظاهرين ورأيت عددًا من الشبّان يحملون محمد ويقولون "شهيد، شهيد".

نهضت وركضت نحو الشبّان الذين يحملون محمد. عندما وصلت رأيتهم ينقلونه ركضًا على نقّالة ويتّجهوا إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر كانت متوقّفة على شارع جكر. أدخلوه إلى سيّارة الإسعاف وصعدت أنا معه. في الطريق إلى المستشفى حاول المسعفون إجراء إنعاش وإنقاذ حياة محمد لكنّه كان في غيبوبة. كان ينزف من جُرح في الجانب الأيسر من صدره. في مستشفى شهداء الأقصى الواقع في دير البلح فحص الأطبّاء محمد ولكن لم يكن بإمكانهم فِعل شيء سوى إعلان وفاته. في الطريق إلى المستشفى، كانت حالتي النفسيّة سيّئة جدًّا، لمرأى أخي في غيبوبة ودماؤه تنزف. هاتفت والدتي وقلت لها "محمد ابنك استشهد" فأخذت تصرخ وما عادت تجيبني ولا تتحدّث إليّ.

اعتاد محمد أن يشارك في مسيرات العودة كلّ يوم جمعة وأحيانًا كان يذهب أيضًا في وسط الأسبوع. قبل ثلاث سنوات أنهى محمد دراسته في المدرسة التكنولوجيّة التابعة لوكالة "أونروا" وحصل على شهادة فنّي كهرباء، لكنّه لم يجد عملًا. أراد محمد أن يعمل وأن يدّخر المال لكي يبني منزلًا له فوق منزل أهلنا، وأن يتزوّج ويقيم عائلة. لكنّه لم يتمكّن بتاتًا من إيجاد فرصة عمل.

 

جرى إخلاء شقورة المصاب في صدره إلى مستشفى شهداء الأقصى لكنّه فارق الحياة قبل وصوله.

 

المكان