Skip to main content
شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

عمر أبو النيل. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
عمر أبو النيل. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط.

في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21.

بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين.

نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل:

في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: :

تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها.

أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي.

أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21

أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز.

بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى.

عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان.

في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى:

إيمان أبو النيل تحمل بعضا من متعلقات نجلها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 31.8.21
إيمان أبو النيل تحمل بعضا من متعلقات نجلها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 31.8.21

كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء.

عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي.

نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن.

عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر.

في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل.

في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد.

كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.