Skip to main content
Menu
المواضيع

طيلة ثلاثة أيام، نكّل جنود بستّة معتقلين من قطاع غزة، ثلاثة منهم قاصرون، دون أيّ تدخّل

في تاريخ 10/10/2015 عقد شبّان فلسطينيّون من مخيم البريج وسط قطاع غزة مظاهرة بالقرب من السياج الحدودي. من استقصاء بتسيلم يتبين أنه شارك في المظاهرة، التي بدأت في ساعات ما بعد الظهر واستمرت حتى ساعات المساء، حوالي 300 شاب. وألقى بعض المتظاهرين الحجارة على الجنود الّذين وقفوا خلف كومة تراب اصطناعيّة وراء السياج وعلى مسافة معينة منه، وأطلقوا الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين. وخلال الاشتباكات اقتلع نحو ستة أو سبعة شبان البوابة الحديدية الثابتة وبدؤوا في التحرك باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وكانت قوات الجيش التي شملت عدة سيارات جيب لتمشيط المنطقة بحثا عنهم، وذلك عبر استخدام قنابل الإنارة والكلاب، من جملة أمور أخرى. بعد أدراك الشبان أنهم مطاردون، انقسموا وبدؤوا يركضون في اتجاهات مختلفة، قسم منهم إلى مجال إسرائيل. وقد حاول آخرون العودة إلى الوراء باتجاه السياج، حيث كانت لا تزال هناك اشتباكات بين الجيش والمتظاهرين.

متظاهرون فلسطينيون على السياج الحدودي بين قطاع غزة واسرائيل. تصوير: ابراهيم ابو مصطفى٬ رويتيرز. 13/10/2015
متظاهرون فلسطينيون على السياج الحدودي بين قطاع غزة واسرائيل. تصوير: ابراهيم ابو مصطفى٬ رويتيرز. 13/10/2015

ألقي القبض على ستة من المتظاهرين عبروا الحدود في تلك الليلة، من قبل الجيش. ثلاثة منهم، جميعهم قاصرون، قدّموا لباحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة إفادات يتبين منها أنهم ضُبطوا باستخدام الكلاب التي طاردتهم. الجنود والجنديات الذين أوقفوهم مارسوا العنف ضدهم أثناء القبض عليهم وفي الطريق إلى القاعدة العسكرية التي اقتيدوا إليها، التي لا يُعرف مكانها. في هذه القاعدة، نكل الجنود بالمعتقلين الستة بشدة لمدة ثلاثة أيام: واصلوا تقييدهم في مكان مفتوح طوال هذه الفترة، اعتدوا عليهم بالضرب المتكرر، حرموهم من الطعام والشراب، أهانوهم بشتى الطرق وحرموهم من النوم من خلال تشغيل الموسيقى الصاخبة وسكب الماء البارد على أجسادهم. أحد القاصرين أفاد أنه خلال الأيام الثلاثة أطفأ الجنود السجائر في يديه وقدميه.

واحد من بين الثلاثة، عبد الرحمن أبو هميسة، يبلغ من العمر 15 عاما، روى في إفادة قدّمها في تاريخ 24/2/2016 كيف أمسك به الجنود، وعن التنكيل الذي مرّ به:

بعد دقائق قليلة من وصولي إلى المظاهرة، تقدّمت مع بعض الشبان واقتلعنا البوابة الحديديّة الموجودة في السياج الحدوديّ. دخلت المنطقة الإسرائيلية وبدأت سيارات جيب عسكرية اسرائيليّة بمطاردتنا، وكانت نحو خمس سيارات جيب. أطلق الجنود النار من حولنا. واصلنا الركض شرقا داخل الاراضي الاسرائيلية وداخل الساحة النباتية . ركضنا مسافة كبيرة ولم نعد نرى الحدود، كان الوقت مساء وقد أظلمت. في مرحلة ما حلّ الليل وبدأت أخشى وأدركت أننا تورطنا. لم أتمكن من العودة إلى الحدود لأن المظاهرة انتهت وقد تركز الجنود للبحث عنّا. لم تكن لدي أي نية للانتقال إلى إسرائيل. أردت فقط أن أهرب من الجنود ومن اطلاق النار. واصلنا الرّكض حتى الساعة 21:30 مساء. أطلق الجنود قنابل الإنارة في المنطقة، وأرسلوا الكلاب لمطاردتنا.

أمسك بي كلبان. مسكني واحد من الساق ووقف الآخر على صدري. حدث الشيء نفسه لعبد الرحمن عياد الذي كان معي. كلبان آخران قاما بمهاجمتي. بدأت أصرخ لأنني كنت خائفا من الكلاب. بعد حوالي دقيقتين، حضر عدد من الجنود وأبعدوا الكلاب عنا. بعد ذلك أمرنا الجنود بخلع كافة ملابسنا وبقينا عراة تماما لعدة دقائق. ثمّ ارتدينا ملابسنا وأمرنا الجنود بالجلوس على الأرض. أوثقت جندية يديّ خلف الظهر وعصبت عينيّ. وحدث الشيء نفسه مع عبد الرحمن. نقلونا في سيارة جيب عسكرية إلى معسكر جيش ما، على بعد حوالي عشرة دقائق. أخذنا إلى هناك، ثم حرروا القيود وأزالوا رباط العينين. أدخلني أحد الجنود في غرفة كان فيها طاولة مكتب وجهاز كمبيوتر. جلس هناك شخصان في ملابس مدنية. لم يقدّموا أنفسهم. سألني أحدهم عن اسمي، إلى أي منظمة أنتمي وأين أسكن. بعد أن أجبت على الأسئلة أخذني جندي وأجلسني على الأرض في ساحة القاعدة. كبّل يديّ من جديد بقيد بلاستيكيّ وعصب عينيّ. أدخلوا إلى الغرفة عبد الرحمن أيضا، ثم أحضروه إلى الساحة قريبا مني. استطعت أن أراه من تحت غطاء العينين.

ثم شغّل الجنود الموسيقى. كان هناك الكثير من الجنود والجنديات وبدؤوا يرقصون. كل بضع دقائق ضربنا أحدهم بعقب السلاح، أو صفعنا أو ركلنا. بقينا على هذا الحال لمدة ثلاثة أيام، في ساحة القاعدة. أعطونا فقط قطعة من الخبز وبعض الماء، وواصلوا ضربنا طيلة الوقت. كان الجنود يلعبون كرة القدم أثناء وجودنا في الساحة، وركلوا الكرة باتجاهنا. من كثرة الضرب عانينا من آلام حادة في جميع أنحاء الجسم. في الليالي، عندما علموا أننا كنا نائمين من فرط الإرهاق، كانوا يحضرون سطلا من الماء ويسكبونه علينا. كان الجو باردا جدا، تحديدا في الليل، ومنعونا باستمرار من النوم.

في إحدى المرات، عندما عانيت من الآلام أثناء الليل، حضر جندي وأزال الشريط الذي غطى عيني. أمرني أن أشرب سائلا أصفر في كأس كان يمسكها. سألته عن ذلك، وقال انه دواء. كان للسائل مذاقا مرًّا، شعرت بحرق في الحلق وشربت كل الكأس. بعد ذلك، لم أكن مدركا لوضعي، نمت لبضع ساعات. عندما استيقظت شعرت بالدوار.

جنود يواكبون المتظاهرين من الناحية الاخرى من السياج الحدودي بين قطاع غزة واسرائيل. تم التقاط الصورة من قبل المتظاهرين.
جنود يواكبون المتظاهرين من الناحية الاخرى من السياج الحدودي بين قطاع غزة واسرائيل. تم التقاط الصورة من قبل المتظاهرين.

توفيق العواودة، 17 عاما، اعتقل كذلك في نفس الحدث. في الإفادة التي قدمها في تاريخ 5/4/2016 روى عن التنكيل الذي مرّ به في القاعدة العسكريّة التي احتجز فيها لمدة ثلاثة أيام:

بعد اعتقالي اقتادوني إلى قاعدة عسكرية. سمح لي الجنود بأن أتحدث إلى شخص ما على الهاتف وسألني عن اسمي ولماذا وصلت إلى الحدود. ثم أخذوني إلى الساحة، حيث قضيت ثلاثة أيام مع الآخرين. تركونا هناك في البرد القارس. خلال تلك الأيام الثلاثة قام الجنود بتعذيبنا. في بعض الأحيان أثناء نومنا سكبوا الماء البارد علينا، كي يمنعونا من النوم. منعونا من الأكل والشرب والذهاب إلى الحمام لمدة ثلاثة أيام. أحيانا كان يصل جندي ويشدّ القيود على أيدينا، بطريقة آلمتنا كثيرا. في مرات أخرى وصل جنود وضربونا في جميع أنحاء أجسادنا، بأعقاب بنادقهم. في بعض الأحيان لعب الجنود كرة القدم وألقوا الكرات باتجاهنا؛ وفي أحيان أخرى شغّلوا الموسيقى وركلونا في الوجه وكافّة الجسم.

محمد محسن العزازي، 15 عاما، روى هو كذلك لباحث بتسيلم الميداني في تاريخ 3/4/2016 عن العنف الذي مورس ضدّه أثناء اعتقاله وعن التنكيل الشديد الذي عانى منه طيلة ثلاثة أيام:

إحدى سيارات الجيب العسكريّة أمسكت بي واعتقلتني وأنا أحاول العودة إلى غزة. نزل نحو سبعة جنود من الجيب، ثم وصلت سيارة جيب أخرى، وخرج منها بعض الجنود الذين وجّهوا نحوي بنادقهم. أمروني بالوقوف ورفع اليدين. أمرني أحد الجنود بخلع سروالي. لكنني رفضت لأنه قصد إذلالي. اقترب مني الجنود وضربني أحدهم على ظهري بعقب بندقيته. أنزل سروالي و "البوكسر" ثم عاد وألبسني "البوكسر"، قيّد يدي إلى الخلف بقيود بلاستيكية. كنت مستلقيا ووجهي جهة الأرض، ثم أمالني ثلاثة جنود بحيث تمددت على الجانب اليمين وبدؤوا بركلي بجزمهم وضربي ببنادقهم في كافة أنحاء جسدي. اصابة إحدى الضربات بأسناني وانكسرت سنّي الأماميّة. شعرت بأنني ابتعلتها. ركّزوا الضربات تحديدا في منطقة البطن وبدأت أتقيأ دما.

بعد فترة من الزمن، تركوني ملقى على الأرض. ثم وصلت سيارة جيب عسكرية أخرى توقفت بالضبط بجانبي. نزل السائق منها وبدأ يضربني. ثم وضعوني في سيارة الجيب وواصلوا ضربي طيلة الطريق. وصلنا إلى قاعدة عسكرية وأنزلوني من الجيب وأجلسوني على الأرض في الخارج. بعد مرور ساعة، أقتادوني إلى ضابط مخابرات يرتديّ زيا مدنيا وبدأ في التحقيق معي. سألني لماذا جئت إلى الحدود ولماذا ترشق الحجارة. أراد معرفة أسماء أفراد عائلتي وأين أسكن أيضا. طيلة التحقيق كنت لا أزال بسروالي الداخليّ فقط، ورجفت من البرد.

بعد حوالي ربع ساعة أخرجوني من الغرفة وأحضروا لي سروالا وقميصا. عندما أخرجوني، رأيت خمسة شبان آخرين كانوا جميعا في المظاهرة على الحدود وقد ألقي القبض عليهم. جلس الجميع على الأرض مكبلين وعيونهم معصوبة. ضمّني الجنود إلى الشبان. تمّ التحقيق مع الجميع، واحدا واحدا.

بعد مدة، رأيت المحقق يخرج من غرفة التحقيق ثم جاء أحد الجنود، جردني مرة أخرى من ملابسي وغيّر قيود اليدين بقيود بلاستيكية رقيقة. كبل يدي خلف الظهر شدّ القيود بحيث آلمتني يداي كثيرا. عندما صرخت من الألم وطلبت منهم أن يحلّوا القيود قليلا، شدّ أحد الجنود عليها أكثر. بعد ذلك، في كل مرة مرّ أحد الجنود عنّي، تلقّيت ضربات.

هكذا قضيت ثلاثة أيام. جلسنا، أنا والشبان الآخرون على الأرض في الخارج، وضربونا متى شاؤوا. في بعض الأحيان شغّلوا الموسيقى وضربونا على صوت الموسيقى. عندما طلبنا الماء كان الجنود يجلبون الماء ويسكبونه على وجوهنا. أحيانا لعبوا من حولنا كرة القدم وضربونا بالكرة. في إحدى المرات، عندما توسلت إليهم من فرط العطش، حضر جنديّ ناطق بالعربية وأعطاني شيئا للشرب. ظننت انها مياه، ولكن عندما شربت كان الطعم مرا وشعرت بالدوار. أدركت أنهم أعطوني الكحول في مرة ثانية، أظنها في اليوم التالي- طلبت الماء وأحضروا لي الكحول مجددا، وعندما تذوقته رفضت الشرب وسكبوه عليّ.

لمدة ثلاثة أيام عانينا من التنكيل المتواصل. في الوقت الذي رجفنا فيه من البرد، سكبوا الماء البارد علينا، ومنعونا من النوم. في مرحلة معينة ضربوني في الكتف الأيسر بأداة حادة وبدأت أنزف. رفضوا إسعافي; أطفؤوا السجائر عليّ، أحيانا في القدم اليسرى، وأحيانا في اليد اليمنى.

في تاريخ 28/12/2015 أدين العواودة والعزازي بالتسلل والشغب. أدين أبو هميسة بالتسلل فقط. في إطار صفقات التسوية التي وقعوا عليها، حُكم على الثلاثة بالسجن لمدة 3-6 أشهر. وأشار القاضي في بروتوكول المحكمة أن ضابط النظام الذي التقى بمحمد العزازي أخذ انطباعا بأنّ تجربة الاعتقال، وتحديدا المكوث في القاعدة العسكريّة، شكّلت صدمة بالنسبة إليه.

من إفادات القاصرين يظهر وصف مفزع للتنكيل الشديد، في الوقت الذي يستغل فيه الجنود، دون أيّ تدخّل، القوة التي يمتلكونها. قدرة الجنود على تحويل قاعدة عسكرية بهذه السهولة إلى منطقة خارجة عن التشريع، يمكنهم أن يفعلوا به ما شاؤوا مع القاصرين دون أن يردعهم أحد، هي، من جملة أمور أخرى، نتيجة لنظام تطبيق القانون العسكري الذي يتيح منذ سنوات عديدة لقوات الأمن استخدام العنف ضد المعتقلين، بمن فيهم القاصرون، دون أن يؤدي ذلك إلى اتخاذ أي إجراءات ضدهم.

في تاريخ 2/5/2016 نشرت صحيفة "هآرتس" أن شرطة التحقيق العسكريّة فتحت تحقيقا في القضية، لكن التجربة السابقة تبين أن تحقيقات كهكذ تنتهي بشكل عام دون نتيجة لأن الهدف منها ليس الكشف عن الحقيقة وإنما خلق ما يشبه نظام تطبيق قانون فاعل.

كلمات مفتاحية

المكان