Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

إفادة عابد صباح من سكّان مخيّم الجلزّون للّاجئين في محافظة رام الله - حين اعتُقل كان في الـ15 من عمره

إفادة من تقرير بتسيلم:
"شبيبة في خطر - وجود المحاكم العسكرية يضفي الشرعيّة على ممارسات تمسّ بحقوق القاصرين"

عابد صباح. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم
عابد صباح. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم 

في 20.8.2017 قرب الساعة 3:00 فجرًا أيقظت والدتي جميع أفراد الأسرة قائلة إنّه علينا أن ننهض لأنّه يوجد جنود عند مدخل المنزل. نهضت أنا قبل الجميع لأنّي خشيت أن يقتحم الجنود المنزل بأنفسهم. خلال بضع لحظات طرق الجنود الباب وفتح لهم والدي.

دخل نحو عشرة جنود جميعهم كانوا مسلّحين ويرتدون دروعًا واقية. لم يخطر ببالي أنّهم سوف يعتقلونني لأنّني ولد وأيضًا لأنّني لم أفعل شيئًا. كنت متأكدًا بأنهم جاءوا لاعتقال أخي عمران البالغ من العمر 18 عامًا. أوقفني ضابط الفرقة أنا وأخي ثمّ أحاطنا الجنود. سألوا عن أسمائنا ثمّ أمرونا أن ندور في مكاننا وهم يحملون صورنا ويقارنون بيننا وبين الصور. في النهاية تركوا عمران وقال لي الضابط: "ارتدِ ملابسك. أنت ستأتي معنا". كنت حينها أرتدي قميصًا داخليًّا فقط فذهبت لأرتدي ملابسي وفي هذه الأثناء ناول الضابط أمر الاعتقال لأبي دون أن يوضّح له سبب اعتقالي ولا إلى أين يأخذونني.

اقتادني الجنود خارجًا وعندها كبّل أحدهم يديّ إلى الخلف بقيود بلاستيكية وعصب عينيّ بقطعة قماش وبعد ذلك اقتادوني عبر أزقّة المخيّم حتّى وصلنا إلى أطرافه - مسافة نحو 300 إلى 500 متر - حيث كانت تقف سيارات الجيب التابعة للجيش. طوال الطريق كان الجنود يلطمونني ويضربونني ببنادقهم ويركلونني بنعالهم الثقيلة. لقد آلموني كثيرًا وشتموني. عندما وصلنا إلى الجيبات أدخلوني إلى واحد منها وأجلسوني على مصطبة الجيب وجلسوا من حولي. لم أكن قادرًا على رؤية شيء. وقد واصل الجنود ضربي داخل الجيب أثناء السفر. عندما توقّف الجيب جاء الضابط الذي اعتقلني وقال لي إنّني قد وصلت إلى معسكر الجيش في "بيت إيل". اقتادني الجنود إلى ساحة كبيرة وكانوا في البداية قد أزالوا العصبة عن عينيّ وأجلسوني على الأرض مع وجعلوا جسمي يتكيء على عامود خشبيّ ثمّ عادوا وكبّلوا يديّ إلى العامود وعصبوا عينيّ. تركوني هكذا طيلة بضع ساعات. لم يسمح لي الجنود بدخول المرحاض طيلة اللّيل كلّه. طلبت منهم أيضًا أن يرخوا القيود لأنّها آلمتني جدًّا لكنّهم رفضوا بل واصلوا ضربي من حين لآخر. توجّعت بشكل خاصّ حين ضربوني بأداة صلبة على الجزء الخلفيّ من رأسي - على أثرها انتابتني نوبات دُوار قويّ مرّتين خلال الاعتقال وفي كلّ مرّة أعطوني حبّة دواء مسكّنً.

نحو الساعة 7:00 صباحًا أيقظوني قائلين إنّهم سيأخذونني إلى محطّة الشرطة. عندما نهضت شعرت بأنّني أفقد توازني وعندها أمسك بي أحد الجنود. مجدّدًا أدخلوني إلى سيّارة جيب وفي هذه المرّة أيضًا ضربني الجنود في الطريق لكن ليس كثيرًا. عندما وصلنا إلى محطة الشرطة في "بنيامين" أنزلوني وأزالوا العصبة عن عينيّ ثمّ استبدلوا القيد البلاستيكي بقيد معدنيّ وكبّلوا رجليّ أيضًا. استصعبت المشي وكدت أقع. اقتادني الجنود مباشرة إلى الطابق الثاني وأجلسوني على كرسيّ مقابل المحقق. كان في الغرفة محقّق ثانٍ يرتدي زيّ الشرطة وشخص ثالث بزيّ عسكريّ لم أعرف من هو.

في لحظة دخولي قال لي المحقّق أنّه سيحقّق معي حول رشق الحجارة وإلقاء عبوة كوع. وقد سمح لي بالاتّصال بأسرتي قبل بدء التحقيق فكلّمت أخي وقلت له إنّني موجود في التحقيق وأريد محامٍ لكنّ المحقّق أخذ منّي الهاتف ولم أتمكّن من مواصلة المكالمة. لم أتمكّن حتّى من إخبار أخي عن مكان اعتقالي. باشر المحقّق التحقيق دون أن يقرأ عليّ حقوقي ولم يقل لي حتّى أنّ من حقّي الحفاظ على الصمت إلى حين مقابلة محامٍ.

اتّهمني المحقّق بأنّني ألقيت عبوة كوع نحو "بيت إيل" ولكنّي أنكرت ذلك. طيلة الوقت ظلّ يطالبني بأن أعترف ويقول لي إنّ هذا من شأنه تقصير مدّة العقوبة. بعد مضيّ نحو ساعة قال لي المحقّق أن أوقّع على ورقتين مكتوبتين باللّغة العبرية. قال إنّ هذه الوثيقة سوف تساعدني في تقصير مدّة العقوبة وقد تؤدّي إلى الإفراج عنّي. لم أصدّقه ورفضت أن أوقّع. عندما انتهى التحقيق أخذوني إلى غرفة أخرى وهناك صوّروني وطبعوا بصمات أصابعي. بعد ذلك أنزلوني إلى المدخل وكنت لا أزال مكبّل اليدين والرّجلين. بعد نصف ساعة تقريبًا أخذوني إلى معتقل "عوفر" وهناك أمروني بخلع ملابسي. فتّشوني وأوقفوني أمام جهاز فحص إلكتروني. أمروني تارةً بالجلوس وتارةً بالوقوف أمام ذلك الجهاز أربع أو خمس مرّات. بعد ذلك ناولوني بنطالاً وقميصًا خاصّين بالسجن ثمّ أخذوا كلّ ما في حوزتي - الملابس ورباط الحذاء - وكبّلوا يديّ إلى الأمام. تاليًا أدخلوني إلى زنزانة في القسم الخاصّ بالقاصرين.

لاحقًا أخذوني من الزنزانة ويداي مكبّلتين إلى الأمام بقيود معدنيّة إلى غرفة انتظار جلس فيها نحو عشرين فتًى ينتظرون جلسات محاكمتهم. من هذه الغرفة أخذونا في حافلة إلى المحكمة الموجودة في نطاق المعسكر نفسه. كانوا كلّما أخذونا إلى المحكمة يقيّدون أرجلنا إلى مقاعد الحافلة حتّى وصولنا إلى المحكمة وهناك يزيلون القيود عن أرجلنا. في المحكمة كانوا يدخلوننا إلى غرفة انتظار فنجلس على مقاعد من إسمنت. كنّا نستطيع التحرّك لكن بصعوبة فالغرفة صغيرة - يزجّون ما يقارب عشرين شخصًا في غرفة مساحتها 3x3م لها نافذة واحدة للتهوئة. كانوا يكبّلوننا من جديد عند اقتيادنا من الغرفة إلى قاعة المحكمة حيث ينادون أسماءنا واحدًا تلو الآخر. أثناء الانتظار كانوا يحضرون وجبة فطور لكلّ واحد عبارة عن تفّاحة وخيارة ووجبة غداء عبارة عن قطعة خبز وعلبة لبن صغيرة وخيارة.

اقتادوني إلى قاعة المحكمة في الساعة 12:00 حيث سار جنديّ أمامي وجنديّ ورائي. لم يكن هناك محامٍ يمثّلني ولا أحد من أفراد أسرتي. ربّما لم يعلموا بأنّ هناك جلسة محكمة. أنا لم أفهم ما الهدف من الجلسة. القاضي سألني فقط ما اسمي وكان هناك مترجم يترجم. بعد ذلك قال لي القاضي أنّ الجلسة قد تأجّلت لا أذكر إلى متى. بعد بضعة دقائق أعادوني إلى غرفة الانتظار وبقيت فيها ورجلاي مكبّلتان حتّى الساعة 16:00 ثمّ أعادونا إلى السجن في الحافلات.

في السجن أدخلونا من جديد إلى الزنزانة. مساحتها 3x2.5م، وفيها 15 فتّى معتقلاً. يوجد فيها مرحاض واحد وأسرّة من طابقين على كلّ سرير فرشة وغطاء. كانوا يحضرون لنا وجبتين في اليوم - وجبة فطور عبارة عن خبز ومربّى وحمّص تُقدَّم في الساعة 12:00 ووجبة عشاء تُقدّم في الساعة 18:00 وهي عبارة عن طبخة باللحم أو الدجاج وبجانبها أرز. بين الوجبتين كان يمكننا شراء أغراض من الكنتين - معلّبات ورقائق بطاطا وحلويّات وشوكولاطة. كانوا يفتحون أبواب الزنازين مرّة كلّ نصف ساعة بحيث يمكننا الخروج إلى الساحة حيث توجد طاولة "بينغ بونغ"، ويمكن ممارسة الرياضة. إضافة لذلك فإنه في كلّ زنزانة هناك جهاز تلفزيون تتحكّم به إدارة السجن وبضعة ألعاب وعدد من الكتب.

في بداية شهر أيلول لا أذكر متى بالضبط أخرجوني من الغرفة في السادسة صباحًا واقتادوني إلى المحكمة. بقيت في غرفة الانتظار حتّى الساعة 14:30 وعندها أدخلوني إلى قاعة المحكمة. في هذه المرّة كان هناك محامٍ يمثّلني. تحدّث إليّ مدّة خمس دقائق داخل القاعة. قال لي أنّهم يتّهمونني برشق الحجارة وإلقاء زجاجات حارقة ثمّ سألني إن كنت قد اعترفت بإحدى هاتين التّهمتين. قلت له كلّا. ثمّ قال لي أنّهم قد يحكمون عليّ بالسجن مدّة سنتين وأنّه سيحاول تأجيل الجلسة إلى نهاية شهر تشرين الأوّل.

تحدّث المحامي إلى القاضي. لم أفهم ماذا قال لأنّهم كانوا يتكلّمون بالعبرية والمترجم لم يترجم لي ماذا قالوا. لكنّي انتهزت الفرصة للتحدّث مع والدتي التي كانت في القاعة. تحدّثنا فقط من بعيد لأنّهم لم يسمحوا لي بالاقتراب منها أو حتّى بمصافحتها. كلّ ما أمكننا قوله "كيف الحال؟" و"كيف أنتم؟" - لم يكن مجال لأيّة خصوصيّة. لكنّني ارتحت لمعرفة أنّها وبقيّة الأسرة بخير وأنّها الآن تعلم أنّني بخير. استمرّت الجلسة خمس دقائق فقط وقرّرت المحكمة تأجيل الجلسة حتّى نهاية تشرين الأوّل. أعادوني إلى غرفة الانتظار وفي الساعة 16:00 - عندما انتهت جلسات جميع المعتقلين أعادونا إلى المعتقل.

في 31.10 أخذوني إلى المحكمة مجدّدًا - منذ الساعة 6:00 صباحًا وأدخلوني إلى الجلسة في الساعة 14:30. كان والداي هناك ومرّة أخرى لم أستطع سوى أن أسلّم عليهما من بعيد. اقترب منّي المحامي وقال لي "أريد أن أعقد صفقة" وكان مضمونها سجن لمدّة شهرين و-15 يومًا وهي المدّة التي كنت قد قضيتها في المعتقل إضافة إلى غرامة بمبلغ 2000 شيكل وخمسة أشهر سجن مع وقف التنفيذ. وكان المحامي قد سأل والدي إن كان لديه المبلغ لأنّه في هذه الحالة سيتمّ الإفراج عنّي في اليوم نفسه. أعطى والدي المبلغ للمحامي خارج القاعة. لم يجرِ أيّ نقاش خلال الجلسة وفي الساعة 19:00 أعادوني إلى السجن.

في الساعة 20:00 نادوني وقالوا إنّه قد أخلي سبيلي. أعادوا لي ملابسي ونقلوني إلى حاجز بيت سيرا. كان معي ثلاثة معتقلين آخرين لا أعرفهم. أنزلوني في الحاجز عند الساعة 23:00. لم ينتظرني أحد هناك لأنّه لا أحد يعلم أنّهم سوف يخلون سبيلي هناك. طلبت من أحد السائقين العرب الذين يعملون في المنطقة أن أستخدم هاتفه واتّصلت بأخي فقال لي إنّه ينتظرني مقابل سجن "عوفر". ثمّ جاء في تاكسي ليأخذني وعدنا معًا إلى البيت.

خسرت أكثر من 45 يوم تعليمي في المدرسة وفاتتني الامتحانات نصف الفصليّة. لا أعلم إن كانت المدرسة ستتيح لي تعويض ما خسرته لكنّني سأعمل كلّ ما في وسعي لذلك.

  سجل إفادته الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، في 25.12.2017.