Skip to main content
الفتى أحمد جزر. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جُنود يطلقون النار على فتى (14 عامًا) في بلدة سبسطية ويقتلونه، لأنّه وجّه نحوهم قلم "ليزر"

في يوم الأحد المُوافق، 19.1.25، نحو السّاعة 20:00، دخل أربعة جُنود في سيارة "جيب" عسكريّة إلى الحيّ الغربيّ في بلدة سبسطية الواقعة شمال غرب نابلس. أطلق الجُنود طلقتين فخرج عدد من الأهالي إلى الشارع لتفحّص ما يحدُث.

الفتى أحمد جزر. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

خرج الجُنود الأربعة من "الجيب" ووقفوا في الشارع. على بُعد قرابة 300 متر منهُم اختبأ أربعة فتية خلف حائط، قرْب روْضة أطفال، وكانوا يُطلّون من خلف الزاوية من حين لآخر ويوجّهون نحو الجُنود قلم "ليزر". في مرحلة معيّنة، عندما أطلّ أحمد جزر (14 عاماً) من خلف الزاوية لكي يوجّه "الليزر" نحو الجُنود أطلق عليه هؤلاء رصاصتين أصابته إحداهُما في صدره. ركض أحمد صُعوداً في الشارع مسافة تُقارب 15 متراً وابتعد عن القوّات، إلى أن تهاوى وسقط في الشارع ودمُه ينزف. أخلى سكّان الحيّ الفتى الجريح في سيارة خاصّة إلى مُستشفى النجاح في مدينة نابلس، وبعد وقت قصير أعلن الأطبّاء وفاته. سيارة الـ "جيب" العسكريّة غادرت المكان فوراً بعد إطلاق النار.

في الناحية الغربيّة من بلدة سبسطية هنالك موقع أثريّ يشكّل، مع المحالّ التجاريّة المُحيطة به، مركزاً يستقطب المُتنزّهين من أهالي البلدات المُجاورة، ومصدر رزق لعدد من أهالي البلدة. نظراً للنشاط التجاريّ الجاري في الموقع وقُربه من مُستوطنة "شفي شومْرون"، يعاني الأهالي من تواجد عسكري مكثف وتنكيل الجُنود بهم.

في تعقيب لصحيفة "هآرتس"، ورد إنّه "في أعقاب الحادثة، باشرت شرطة التحقيقات العسكريّة التحقيق؛ وبطبيعة الحال لا يُمكن الإدلاء بتفاصيل حول التحقيق الجاري". غير أنّنا نتوقّع، بناءً على تجرُبة الماضي، أن لا يُسفر هذا التحقيق عن شيء، وبالتالي لن يخضع أحد للمُساءلة والمُحاسبة حول قتل أحمد جزر، الفتى الذي لم يشكّل خطراً على الجُنود أو أيّ إنسان آخر.

نظرة نحو الطرف الغربيّ من شارع الأعمدة، حيث وقف الجُنود. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم

حقيقة أنّ القوّات غادرت البلدة فوراً بعد إطلاق النار ودون تنفيذ عمليّات أخرى، تدلّ على أنّ دُخول هذه القوّات إلى البلدة كان هدفه منذ البداية استفزاز الأهالي وجرّهم إلى إبداء رُدود أفعال تبرّر في نظر القوّات استخدام القوّة ضدهم. إنّها مُمارسة معروفة يقوم بها الجيش، وقد حظيت على مرّ السّنين بأسماء مُختلفة مثل "إثارة واستجابة" أو "خلق الإحساس بالمُلاحقة" أو "استعراض الحُضور". في شتى أنحاء الضفة الغربيّة ومُنذ بدء الحرب في قطاع غزّة، ازدادت كثيراً وتيرة استخدام هذا الأسلوب وأساليب مُشابهة، وذلك بهدف افتعال مُواجهات بين الجيش والأهالي الفلسطينيّين. هكذا تعطّل إسرائيل يوميّاً مجرى حياة الفلسطينيّين على نحوٍ يوميّ، تُمارس الترهيب ضدّهم، كما تقتل وتجرح فلسطينيّين دون أيّ مبرّر.

فيما يلي إفادات سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 21.1.25:

مالك مخالفة (46 عاماً)، أب لستّة أولاد، قال في إفادته:

مالك مخالفة. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم

نحو السّاعة 20:00 كنت في صالون الحلاقة خاصّتي، في "شارع الأعمدة" في القسم الغربيّ من سبسطية. سمعت طلقتين أو ثلاثاً، ووفقاً للصّوت كانت قريبة جدّاً منّي. هاتفت زوجتي فقالت لي إنّ الجيش مُتواجد على بُعد 300 متر من صالون الحلاقة. رأيت الرّصاصات تُصيب حائط أحد المنازل. كذلك شاهدت عدداً من الأهالي مُتّجهين نحو مركز البلدة في طريقهم إلى منازلهم في الناحية الغربيّة من البلدة فقلت لهُم إنّه قد حصل إطلاق نيران هُناك وأقنعتهم بأن ينتظروا. كما شاهدت أيضاً أربعة فتية يسيرون في اتّجاه مصدر النيران. أمسكت أحد الفتية من يده وحاولت إقناعه بألّا يذهب إلى هُناك، لكنّه أصرّ. أحمد جزر (14 عاماً) كان واحداً من هؤلاء الأربعة.

علامة خلّفتها رصاصة أصابت حائطاً مُجاوراً للمكان الذي كان يقف فيه أحمد جزر. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم

بعد بضع دقائق سمعت طلقتين. شاهدت أحمد جزر يمشي بضع خُطوات ثمّ يقع أرضاً، قرب صالون الحلاقة. كان ينزف منه دم غزير. سحبت الفتى بمُساعدة شخص آخر وكان غائباً عن الوعي، بل كان يبدو ميتاً لا يُبدي أيّاً من علامات الحياة. أخذناه إلى سيّارة أخي بشّار الذي انطلق به إلى مُستشفى النجاح في نابلس، ومعه أيضاً والد الفتى أحمد. بعد مضيّ وقت قصير علمنا أنّه استُشهد. فوراً بعد إطلاق النار على أحمد غادر الجيش البلدة.

لاحقاً سمعت أنّ الفتية كانوا يوجّهون أشعّة "ليزر" نحو الجُنود، ممّا أغضب الأخيرين على ما يبدو. لكنّ هذا الـ"ليزر" مجرّد لُعبة أطفال - قلم يبيعونه في كلّ دكاكين البقالة، وغير مُؤذٍ أبداً.

إبراهيم أبو رعد (28 عاماً)، قال في إفادته:

إبراهيم أبو رعد. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم

نحو السّاعة 20:00 كنت في منزلي الواقع في شارع الأعمدة، قرب صالون حلاقة مالك وروضة الأطفال في سبسطية. سمعت إطلاق نار، طلقتين ربّما. كان الصّوت قويّاً جدّا. ابتعدت عن النوافذ كي لا يُصيبني الرّصاص. شاهدت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ تقارير عن تواجُد الجيش في شارع الأعمدة، على بُعد 300-400 متر من منزلنا.

نزلت لكي أبعد سيّارتي، وكنت قد أوقفتها في جوار المنزل، لأنّني خشيت أن يُتلفها الجيش. لحظة أن فتحت الباب شاهدت أمامي أربعة فتية متّكئين على حائط محلّ تجاريّ قبالة منزلنا، وكان أحدهم ينظر في اتّجاه المكان الذي تواجد فيه الجيش. بعد ذلك سمعت مرّة أخرى إطلاق نيران، وقد أصابت الرّصاصات الحائط المُقابل لنا. تجمّدت في مكاني ولم أتقدّم نحو السيّارة. مكثت هناك في انتظار أن يهدأ الوضع، وفي أثناء ذلك شاهدت أحد الفتية يُطلّ بالجزء العُلويّ من جسده من خلف الزاوية، ثمّ وضع يده على صدره وصرخ أنّه قد أصيب، وانطلق يركض. وقع الفتى بعد أن قطع مسافة 15 متراً تقريباً. الفتية الآخرون أيضاً كانوا يصرُخون أنّه توجد إصابة. لم أصدّق أنّ هذا يحدث فعلاً. دماء كثيرة كانت تسيل في الشارع. أخلوا الفتى إلى المستشفى في سيّارة خاصّة. بعد إطلاق النار على الفتى غادر الجيش المنطقة.

لاحقاً علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ اسم الفتى أحمد رشيد جزر، وقد أعلنت وفاته في مستشفى النجاح.

والدة أحمد جزر، وفاء جزر (45 عاماً)، أمّ لثمانية، تحدّثت عن فُقدان ولدها في إفادة أدلت بها في 12.3.25:

أنا وزوجي رشيد جزر (55 عاماً) لدينا ثمانية أولاد: رشدي (20 عاماً) وميرا (19 عاماً) ومايا (18 عاماً) وأحمد (14 عاماً) وحلا (12عاماً) وآدم (11 عاماً) وجود (8 أعوام) وأمير (6 أعوام).

نحن من سكّان سبسطية، ولكن حين فرض الجيش قيوداً مشدّدة على التنقّل والحركة مع بدء الحرب في قطاع غزّة، استأجرنا شقّة في نابلس أيضاً، لأنّني أعمل في مخيطة هُناك وابنتاي الكبريان تدرُسان هُناك أيضاً. وقد عانينا كثيراً من الحواجز على الطرق. منذ ذلك الوقت يبقى معي بعض أولادي بينما يبقى الآخرون مع والدهم في سبسطية. أحمد فضّل البقاء في سبسطية لأنّ أصدقاءه كلّهم هناك وهو لا يحبّ البقاء في نابلس.

في 19.1.25 رجعت من عملي إلى شقّتنا، وما أن تناولت طعام الغداء حتى اتّصلت صديقة ابنتي ميرا، من سبسطية، وأخبرَتها أنّ شخصاً من عائلتنا أصيب بالرّصاص. لم تقل من الذي أصيب، لكنّ ميرا علمت أنّه أحمد حين تصفّحت شبكات التواصُل الاجتماعيّ.

أسرعنا جميعاً مُتوجّهين إلى المُستشفى. وجاء إلى هُناك أيضاً ابني رُشدي، وهو يعمل في مطعم في نابلس. عندما وصلنا كان قد سبقنا إلى المُستشفى عدد من أقاربنا، وقد منعوني من الدّخول إلى غرفة الإنعاش. قالوا لي إنّ إصابة أحمد صعبة وحاولوا أن يهدّئوا من روعي، لكنّني كنت كالمجنونة. كانت النار مشتعلة في قلبي. كيف يُمكن أن أهدأ وأنا أعلم أنّ ابني مُصاب في الصّدر وهو موجود في الدّاخل وحالته خطيرة. مع ذلك منّيت نفسي بأخبار جيّدة تطمئنني عنه ودعوت الله أن يحفظ لي ابني. تذكّرت كيف عانقته في اليوم السّابق، وكيف طلب منّي أن أعدّ له كوسا وباذنجان محشيّ.

كان أحمد يحبّ الرّسم ولذلك أراد أن يدرس في المعهد الألماني، مثل أخته. تذكّرت كيف كان يقول لي إنّه سوف يعمل ويشتري لي منزلاً لكي يُريحني من دفع بدل الإيجار. كلّ حياته منذ ولادته مرّت كأنّها شريط مسجّل في رأسي.

في مرحلة معيّنة تقدّم نحوي أحد الشباب وسألني ما إذا كنت أريد أن أرى ابني، وعندما قلت له "نعم" أخذني إلى الغرفة. كان هُناك طبيب بادرني بالقول "ألله يرحمُه". لم أصدّق. نظرت نحو السّرير ورأيت أحمد جثّة هامدة بلا حراك، وعلى صدره بقع دم. ركضت إليه وقبّلته. كان جسده لا يزال دافئاً. دمُه كان لا يزال ساخناً وهو يبلّل يديه وثيابه. منّيت نفسي لو يفتح عينيه ويُناديني "يا حاجّه" - لأنّه كان يُناديني "يا حاجّة" على سبيل الدّعابة فأصرخ به مؤنّبة "لستُ عجوزاً إلى هذا الحدّ!".

رُحت أصرُخ "أحمد، لا تذهب وتتركني! ارجعْ يا أحمد! لماذا تركتني؟! من سيشتري لي منزلاً؟"، ثمّ غبت عن الوعي. عندما أفقت رأيت حولي ممرّضين، وقد أعطوني حقنة مهدّئ. منذ ذلك اليوم أعيش على الأدوية المهدّئة. في اللّيل لا أستطيع أن أغفو، فقط أستلقي وأبقي مُستيقظة يغمرُني القلق والخوف.

لا يُفارق مخيّلتي منظر أحمد وهو مُستلقٍ غارقاً في الدّماء على سرير المُستشفى. بعد فُقدانه بتّ أعاني من ارتفاع ضغط الدّم والصُداع الدائم. أظلّ مُرهقة طوال الوقت ولا أقدر على القيام بأيّ شي - لا إعداد الطعام ولا الذهاب إلى العمل. بعد أن استُشهد أحمد عُدنا إلى منزلنا في سبسطية، وننام جميعاً في غرفة واحدة. لم أعُد إلى مُزاولة عملي. أريد أن أبقى قريبة من قبر ابني. أنا أزوره هُناك كلّ يوم وأتحدّث معه. لقد قتلوه بدم بارد، وهو لم يفعل شيئاً يعرّضهُم للخطر. حسبما فهمت من الأهالي، لم يحدث حتى رشق حجارة. لقد أطلقوا عليه الرّصاص عبثاً، دون أيّ مبرّر، رغم أنّه كان مجرّد طفل.

الجيش يُواصل المجيء إلى بلدتنا طوال الوقت، لكي يسدّ الطرق ويُغلق المحالّ التجاريّة.

أخشى على بقيّة أبنائي ولا أريدُهم أن يخرجوا من المنزل. كلّما خرجوا أقف عند باب المنزل وأنتظرهُم إلى أن يعودوا. اليوم، في الثامنة صباحاً، موعد ذهاب الأولاد إلى المدارس، جاءت مرّة أخرى سيارة "جيب" إسرائيليّة وتجوّلت في البلدة. منعتُ أولادي الصّغار من الذهاب إلى المدرسة، لأنّني خفت أن أفقد ولداً آخر من أولادي.