Skip to main content
عقيدة غزّة: الضفة الغربية تحت النّار
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عقيدة غزّة: الضفة الغربية تحت النّار

في 19.1.25، مع دُخول وقف إطلاق النار إلى حيّز التنفيذ في قطاع غزّة، أعلنت حُكومة إسرائيل عن قرارها إضافة مطلب "تكثيف العمليّات الهُجوميّة" في الضفة الغربيّة إلى الوثيقة التي تعرّف وتحدّد "أهداف الحرب" الرسميّة. هذه الإضافة ما هي إلّا تصديق رسميّ على مُمارسات إسرائيل في الضفة الغربيّة ابتداءً من 7 أكتوبر 2023 بوصفها ساحة قتال أخرى تُضاف إلى الحرب الشعواء التي شنّتها إسرائيل على الشعب الفلسطينيّ كلّه في أعقاب هُجوم "حماس". وقد قاد تبنّي هذا التوجّه إلى تصعيد جدّيّ في شدّة القمع الذي يُمارسه النظام الإسرائيليّ في الضفة والوسائل التي يستخدمها في سبيل ذلك، وتشمل عُنفاً متطرّفاً وعشوائيّاً ضدّ فلسطينيّين أبرياء، سياسة إطلاق نار أكثر تهاوُناً، قيوداً مشدّدة على الحركة وتعطيل الحياة اليوميّة، إلغاءً شاملاً لتصاريح الدّخول إلى إسرائيل وقيوداً متطرّفة على الوُصول إلى الأراضي الزراعيّة تمسّ مسّاً قاتلاً بسُبل معيشة سُكّان الضفّة، اعتقالات جماعيّة وتحويل مرافق الحبس الإسرائيليّة إلى مُعسكرات تعذيب.

إلى جانب تصعيد وسائل القمع هذه، أخذت إسرائيل تطبّق في شمال الضفة الغربيّة طرائق ونظريّات قتال نسخاً عن تلك التي طبّقتها وطوّرتها في إطار عُدوانها الحاليّ على قطاع غزّة. يشمل هذا المنحى، فيما يشمل، استخداماً متزيداً للغارات الجوّية التي تستهدف مناطق سكنيّة، وبالتالي سكّانًا مدنيّين، هدمًا واسع النطاق ومتعمّدًا لمنازل وبُنى تحتيّة مدنيّة واقتلاعًا (تهجيرًا) لسكّان مدنيّين من مناطق Jالجيش كمناطق أعلن الجيش أنها مناطق قتال. هذا كلّه يدلّ على أنّ إسرائيل تعمل على تطبيق نموذج غزّة في الضفة الغربيّة، أو ما بات يُعرف بـ"غَزْوَنة" الضفة الغربيّة. وقد مضت في تطبيق هذا النموذج في شمال الضفة الغربيّة، ومن المتوقّع - وفقاً لتصريحات مسؤولين في الحُكومة، أن تتوسّع في تطبيقه على مناطق أخرى في الضفة.

وفقاً لوقائع آذار 2025، يُطبّق هذا النهج في الضفة الغربيّة، كما ذُكر، وخاصّة في مخيّمات اللّاجئين في محافظات جنين وطولكرم وطوباس. في سلسلة من الاقتحامات العسكريّة، التي بدأت إسرائيل بتنفيذها منذ بداية الحرب وصعّدتها بعد أن أعلن الجيش إطلاقه حملة عسكريّة أطلق عليها اسم "مخيّمات صيفية" في آب 2024، ثمّ صعّدتها أكثر فأكثر منذ 19 كانون الثاني 2025، حيث اجتاحت جحافل من القوّات العسكريّة ترافقها جرّافات عدداً من البلدات ومخيّمات اللّاجئين في الضفة الغربيّة. تتميّز هذه الاقتحامات بالهدم المُتعمّد والعشوائيّ للبُنى التحتيّة المدنيّة، بما في ذلك الشوارع، وشبكات الكهرُباء والماء والمجاري. كما شملت هذه الاقتحامات المؤسّعة أيضاً تفجير وهدم مئات المنازل، بشكل تامّ أو جزئيّ، دون أن تشكّل هذه المنازل تهديداً عينيّاً أيّاً كان؛ تعطيل الإغاثة الطبيّة للسكّان؛ إطلق النيران بشكل مكثّف وعشوائيّ؛ ومؤخّراً، أيضاً استخدام دبّابات ومدرّعات لأوّل مرّة منذ الانتفاضة الثانية.

مركّب آخر في نهج "غَزْوَنة" العمليّات العسكريّة في شمال الضفة الغربيّة هو الاستخدام المُتزايد للقصف الجوّي. تستهدف هذه الغارات الجوّية عدداً من المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكّان في الضفة الغربيّة وتعرّض المُواطنين الذين يعيشون هُناك للخطر الشديد. وفقاً لما تابعته ووثّقته بتسيلم، فقد شنّ الجيش الإسرائيلي 69 غارة جوّية منذ 7.10.23 حتى 8.3.25 قُتل جرّاءها 261 فلسطينيّا، من بينهم 41 قاصرًا على الأقل. بعض عمليات القصف هذه نُفِّذَت بطائرات حربية، للمرة الأولى من الانتفاضة الثانية. وللمقارنة: طوال أكثر من 18 عاماً، من 2005 حتى بداية تشرين الأوّل 2023، قتل الجيش الإسرائيلي 14 فلسطينيّاً في غارات جوّية شنّها على الضفة الغربيّة.

العمليّات العسكريّة الفتّاكة في الضفة الغربيّة تتجسد، أيضاً، كما ذُكر أعلاه، في سياسة إطلاق النار المُتهاونة التي يطبّقها الجيش، والتي كان بين ضحاياها الكثير من القاصرين الفلسطينيّين. وفقاً للمتابعة التي أجرتها بتسيلم، قُتل في الضفة الغربيّة خلال العام 2024 لا أقلّ من 488 فلسطينيّاً، بينهم لا أقلّ من 90 قاصراً. وخلال العام 2023 قُتل في الضفة الغربيّة 698 فلسطينيّاً من بينهم 120 قاصراً و-4 نساء. بالنظر إلى التصريحات المُتتالية والمتكرّرة بشأن نوايا توسيع العمليّات العسكريّة لتمتدّ إلى بقيّة مناطق الضفة الغربيّة، فإنّ هاتين السّنتين، اللتين كانتا الأكثر دموية منذ ذروة الانتفاضة الثانية في العام 2002، قد تبدوان مجرد مقدّمة لمُستقبل أكثر دمويّة.

أحد التجلّيات الصّارخة لنهج الـ "غَزْوَنة" الذي تطبّقه إسرائيل في شمال الضفة الغربيّة هو موجات النّزوح الجماعيّ لسكّان مخيّمات اللّاجئين الذين طُردوا أو اضطرّوا إلى الفرار من منازلهم جراء الرعب من العمليّات العسكريّة. وفقاً لوكالة غوث وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين (أونروا)، تم تهجير نحو 40,000 فلسطينيّاً من منازلهم منذ بداية حملة "الجدار الحديديّ" التي أعلنها الجيش في 21 كانون الثاني 2025، والتي بدأت في مخيّم جنين ثمّ امتدّت إلى مخيّمات طولكرم ونور شمس والفارعة. استطاع بعض المُهجَّرين العثور على سكن بديل ومؤقت، لكنّ كثيرين آخرين اضطرّوا إلى المُكوث في مخيّمات نازحين مؤقتة والاعتماد على دعم الأهالي المحلّيّين في تلبية احتياجاتهم الأساسيّة. وبالنظر إلى التجربة المأساويّة في قطاع غزّة، يُخشى جدّيّاً من استمرار نُزوح عشرات آلاف الفلسطينيّين لفترة غير قصيرة. ومؤخّراً فقط، أوضح وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس أنّ الجيش سوف يبقى في مخيّم جنين طوال السّنة المُقبلة وأنّه لن يُسمح للسكّان بالعودة إلى منازلهم خلال هذه الفترة.

وكما صرّح مسؤولون إسرائيليّون، فإنّ الحرب التي شنّتها إسرائيل على الفلسطينيّين ردّاً على هُجوم "حماس" في تشرين الأوّل 2023 لا تقتصر على قطاع غزّة وإنّما تستهدف مُجمل الفلسطينيّين الذين يعيشون في مُختلف المناطق التي يُسيطر عليها النظام الإسرائيليّ. وبالفعل، منذ بداية الحرب شدّد نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ على نحوٍ متطرّف أساليب وممارسات القمع ضدّ سكّان الضفة الغربيّة، وهو يتصرّف في شمال الضفة الغربيّة وكأنّها ساحة حرب. منذ أن أعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حماس" في 19.1.25، نقلت إسرائيل مركز معركتها ضدّ الفلسطينيّين إلى الضفة الغربيّة، وهي تتصرّف هناك وسط تجاهُل الواجبات والقُيود التي يفرضها عليها القانون الدوليّ، والدوس المطلق تماماً على القواعد الأخلاقيّة الأساسيّة. بالنظر إلى العمليّات الميدانيّة التي تنفذها إسرائيل وتصريحات أعضاء الحُكومة، وعلى خلفيّة خطّة ترامب ونتنياهو للتطهير العرقيّ في قطاع غزّة، ثمة خشية جدّية من أنّ إسرائيل تنوي استغلال حالة القتال التي تُنشئها لكي تفرض على الأرض وقائع نهائيّة غير قابلة للعكس. تطمح إسرائيل إلى تشكيل الفضاء الفلسطينيّ في الضفة الغربيّة وفقاً لإرادتها، والدّفع نحو نزوح دائم لجزء من السكّان الفلسطينيّين، وإساءة ظروف معيشة من يتبقّى منهُم - والآن، يبدو هذا الطموح ملموساً أكثر من أيّ وقت مضى.

تدمير، اقتلاع ولجوء في الضفة الغربية

خلال أقل من شهر، قوات إسرائيلية تقتل أربعة أطفال لم يشكلوا أي خطر

حملة الدمار التي نفّذها الجيش الإسرائيلي في مخيم نور شمس للاجئين

إسرائيل تهدم، بشكل متعمَّد، بنى تحتية مدنية في مدينة ومخيم جنين