Skip to main content
مرة مشاهدة: 346

جنود يدهمون في بلدة سبسطية موقعاً أثريّاً وسياحيّاً يعجّ بالزوّار ويطلقون عشوائيّاً الرّصاص المطّاطي وقنابل الغاز المسيل للدّموع. زائر من بُرقة أصيب واضطرّ الأطبّاء لاستئصال عينه

تقع بلدة سبسطية شمال غرب مدينة نابلس ويبلغ عدد سكّانها نحو 3,000. في الجزء الغربيّ من البلدة يوجد موقع أثريّ وباحة ومحلّات تشكّل مصدر رزق لعدد من أهالي البلدة حيث يؤمّ الموقع سكّان البلدا...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

جنود يدهمون في بلدة سبسطية موقعاً أثريّاً وسياحيّاً يعجّ بالزوّار ويطلقون عشوائيّاً الرّصاص المطّاطي وقنابل الغاز المسيل للدّموع. زائر من بُرقة أصيب واضطرّ الأطبّاء لاستئصال عينه

تقع بلدة سبسطية شمال غرب مدينة نابلس ويبلغ عدد سكّانها نحو 3,000. في الجزء الغربيّ من البلدة يوجد موقع أثريّ وباحة ومحلّات تشكّل مصدر رزق لعدد من أهالي البلدة حيث يؤمّ الموقع سكّان البلدات المجاورة للترفيه والتنزّه.

يُظهر تحقيق بتسيلم أنّ الجيش نكّل بأهالي البلدة بشتّى الطرق خلال شهر تشرين الأوّل حيث دهمت قوّاته البلدة على مدار ثلاث ليالٍ متقاربة وأطلقوا عشرات قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع. في إحدى هذه اللّيالي حين كان الموقع يعجّ بالزّائرين أطلق الجنود الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط وأصابوا شابّاً يُدعى أدهم الشاعر في رأسه أثناء جلوسه في أحد المقاهي ولم يتمكّن الأطبّاء من إنقاذ عينه فاضطرّوا لاستئصالها. إضافة إلى ذلك كان الجيش طوال أسبوعين يسدّ مداخل البلدة من حين لحين في ساعات الصّباح والعصر حين كان الأهالي يغادرون إلى أعمالهم أو يعودون منها، وضمن ذلك كان الجنود يفتّشون السيّارات ويمنعون دخول الزوّار القادمين من خارج البلدة؛ وطوال أسبوعين إضافيّين واصل الجيش ذلك وإن بوتيرة أقلّ.

الباحة في موقع سبسطية القديمة. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 20.10.20

زعم الجيش في تصريحات نشرتها وسائل الإعلام أنّ سبب تنفيذ العمليّة شكاوى قدّمها سكّان مستوطنة "شفي شومرون" المجاورة زعموا فيها أنّ "سكّان القرية يبهرون أبصارهم بواسطة أشعّة اللّيزر". في شريط فيديو يوثّق اقتحام الجنود البلدة في 1.10.20 صوّره رئيس المجلس المحلّي يظهر هو وأشخاص آخرون يطلبون من الجنود أن يتوقّفوا عن إطلاق قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع ويظهر جنديّ (قال إنّه ضابط) يهدّدهم بالعودة كلّ ليلة إذا لم يتوقّفوا عن تسليط أشعّة اللّيزر.

آثار ممارسات الجيش هذه تطال جميع سكّان البلدة وعليه فهي عقاب جماعيّ يحظره القانون: إغلاق المداخل إلى سبسطية مراراً وتكراراً طوال نحو الشّهر يشوّش نظام حياة السكّان ويُربك روتينهم اليوميّ؛ منع دخول الزوّار القادمين من خارج البلدة يمسّ بالرّوابط الأسريّة وأيضاً بمصدر معيشة جزء من أهالي البلدة؛ الاقتحامات اللّيليّة وسط إلقاء قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع وإطلاق الرّصاص "المطاطيّ" بما لذلك من نتائج متوقّعة تماماً - كما في الاقتحام الذي أصيب خلاله أدهم الشاعر. جميع هذه الممارسات جزءٌ من مخطّط تنكيل متعمّد بأهالي سبسطية ويندرج بدوره ضمن نهج الترهيب المنظّم الذي يمارسه نظام الاحتلال ويفرض من خلاله على الفلسطينيّين حياة ملؤها الخوف والإرباك وانعدام اليقين.

 

اقتحام الجيش للموقع. تصوير: محمد عازم رئيس مجلس سبسطية

فيما يلي نتائج تحقيق بتسيلم في الحادثة التي أودت بعين أدهم الشاعر وإفادات عدد من شهود العيان استمعت إليها باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

نحو التاسعة والنصف من مساء يوم الخميس الموافق 1.10.20 جاءت مجموعة أصدقاء من سكّان برقة الواقعة شمال غرب نابلس إلى الموقع الأثريّ لقضاء الوقت معاً في مقهى "باب السّاحة" وبضمنهم أدهم الشاعر (29 عاماً) ويعمل محاسباً. جلست المجموعة في ساحة المقهى المطلّة على الباحة الأثريّة التي يتنزّه فيها أهالي البلدة والزّوار القادمين من القرى المجاورة وتقف فيها السيّارات أيضاً.

بعد وقت قصير اقتحم الباحة 20 - 30 جنديّاً وهُم يطلقون قنابل الغاز المسيل للدّموع ويلقون قنابل الصّوت نحو الأهالي المتواجدين هناك وبضمنهم أسَر ونساء وأطفال. ردّاً على ذلك أخذ عدد من الفتية يرشقون الجنود بالحجارة عن بُعد نحو خمسين متراً.

بعد بُرهة تقدّم الجنود نحو مركز الباحة - ويبعد بضعة عشرات من الأمتار عن المقهى - وأخذوا يطلقون الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط نحو ساحة المقهى حيث يجلس أدهم الشاعر وأصدقاؤه فأصيب أدهم أثناء محاولة الفرار إلى داخل المقهى وأغمي عليه. اضطرّ الأطبّاء لاحقاً إلى استئصال عينه اليسرى جرّاء الإصابة. أصيب شخص آخر من روّاد المقهى في ظهره إصابة طفيفة. بعد أن حمل الأصدقاء أدهم وهرعوا به إلى المستشفى في سيّارة أحدهم لاحظوا وجود جيبات عسكريّة تسدّ مدخل القرية في الطرف الآخر من الشارع فطلبوا من الجنود أن يُسعفوا أدهم لكنّ الجنود رفضوا ذلك فواصل الأصدقاء إلى منطقة بيت إيبا حيث لاقتهم سيّارة إسعاف كان قد تمّ استدعاؤها بعد إصابة أدهم ونقلته إلى مستشفى رفيديا في نابلس حيث خضع لعمليّة جراحيّة لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إنقاذ عينه. غادر الجنود الموقع بعد إصابة أدهم الشّاعر بنصف السّاعة.

مقهى باب الساحة والذي أُطلق الرصاص على أدهم الشاعر وهو بداخله. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 20.10.20

أدناه يحدّث أدهم الشاعر عن إطلاق النار عليه خلال الحادثة - من إفادة أدلى بها في 8.10.20:

أدهم الشاعر بعد إصابته. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 8.10.20

حين كنّا نجلس في ساحة المقهى نلعب الورق ونتسلّى سمعنا فجأة جلبة في الخارج. سمعت أناساً يقولون إنّ الجيش اقتحم المنطقة وأيضاً سمعت انفجارات قنابل الغاز والصّوت التي كانت تُطلق بكثافة. وحيث أنّنا كنّا نجلس في المقهى ولم نشكّل خطراً على أحد فقد كنّا متأكّدين أنّ الجيش لن يتعرّض لنا. كثيراً ما سمعت أنّ الجيش دهم هذا الموقع ولكن لم يحدث ذلك أبداً أثناء وجودي هناك.

 

رأيت حجارة تُلقى نحو الجنود. كان هناك نحو 20 - 30 جنديّاً يلقون قنابل الصّوت ويُطلقون لا أدري ماذا فلم أميّز أكان ذلك رصاصاً مطّاطيّاً أم حيّاً. إلى جانبنا وقفت أسر كثيرة بما في ذلك نساء وأطفال كما توقّفت هناك سيّارات كثيرة لأنّه في مثل هذا الموسم يأتي من خارج البلدة زوّار كثيرون لقضاء أمسيّاتهم في سبسطية وخاصّة في أيّام الخميس.

مع استمرار إطلاق الرّصاص لمدّة نحو رُبع السّاعة قرّرنا مغادرة المكان لكنّنا خشينا الوصول إلى سيّارتنا لأنّ الجنود كانوا قريبين منها. بقينا في ساحة المقهى لأنّنا خفنا إن تحرّكنا أن يظنّ الجنود أنّنا نريد المسّ بهم فيعتدون علينا أو يعتقلونا أو يطلقوا علينا الرّصاص. ولكنّهم فجأة استداروا نحونا وأخذوا يطلقون علينا الرّصاص المطّاطيّ. بالكاد تمكّنت من النهوض عن الكرسيّ لكي أدخل إلى المقهى حتى أحسست بألم حادّ. وضعت يدي على عيني اليسرى وفهمت رأساً أنّني فقدت عيني. نزفت الدماء من عيني ثمّ أغمي عليّ.

استيقظت داخل سيّارة إسعاف كانت تقلّني إلى مستشفى رفيديا في نابلس. في المستشفى أجريت لي صور CT وتبيّن أنّه لا سبيل لإنقاذ عيني رغم أنّ الرّصاصة لم تدخل في العين. نقلوني إلى مستشفى النجاح لأنّه يشمل قسماً لأمراض العيون فقرّر الأطبّاء هناك أن يستأصلوا عيني. خضعت لعمليّة جراحيّة في صباح يوم الجمعة ثمّ لعمليّة إضافيّة في يوم الاثنين. مع بداية السّنة الجديدة سيتمّ تركيب عين زجاجيّة.

بعد مضيّ أسبوعين على إصابته عاد أدهم الشّاعر لمزاولة عمله. في إفادة أخرى أدلى بها يوم 31.10.20 حدّث أدهم عمّا يشعر به اليوم:

أشعر حاليّاً أنّ وضعي أفضل حيث الآلام تخفّ بالتدريج. الأطبّاء ينتظرون أن يُشفى الجرح مع بداية السّنة لكي يجروا لي عمليّة زراعة العين الزجاجيّة. عدت إلى عملي وها أنا أواصل حياتي كالعادة. هذا قدري الذي كُتب لي.

أدناه إفادة رياض الشاعر (49 عاماً) من سكّان سبسطية وأب لستّة أبناء وهو صاحب مقهى "باب السّاحة" الذي أصيب فيه أدهم الشّاعر - أدلى بها في 20.10.20 محدّثاً عمّا جرى في الموقع بعد بدء إطلاق قنابل الغاز:

رياض الشاعر في مدخل مقهاه. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 20.10.20

كان زوّار المقهى المتواجدين في السّاحة يحاولون دخول المقهى هرباً من الغاز المسيل للدّموع ولكن حيث لا متّسع للجميع طلبت منهم أن يبقوا جالسين على مقاعدهم لكي لا نلفت انتباه الجنود. كان من ضمن زوّار المقهى امرأة ومعها ستّة أطفال وبضمنهم زوجان من التوائم أحدهما طفلان بالكاد يبلغ عمرهما سنتين. هؤلاء أخذوا يبكون حين سمعوا انفجارات قنابل الصّوت وإطلاق قنابل الغاز والرّصاص المطّاطيّ وكانت والدتهم خائفة جدّاً. طلبت من الشباب في المقهى أن يساعدوها في أخذ الأولاد إلى السيّارة ومغادرة المكان قبل أن يحدث ما هو أسوأ. وكانت أيضاً عائلة من طولكرم - نساء وأطفال - تمكّنت من المغادرة.

بعد ذلك بوقت قصير وحين كان الجنود يقفون وسط الباحة على بُعد عشرات الأمتار من المقهى نهض أدهم الشّاعر عن طاولته في السّاحة لكي يدخل إلى المقهى فوقع على الأرض ولمّا يكد يبتعد متراً واحداً عن الطاولة. وقع أمام عينيّ ثمّ سمعته يصرخ وكان الدم ينزف من رأسه. ثمّ ظننت أنّه قد فارق الحياة. تقدّم منه بعض الشباب وأخذوه إلى سيّارة أحدهم. وهناك شخص آخر من زوّار المقهى أصيب في ظهره برصاص مطّاطيّ وقد سمعت أنّه تلقّى العلاج في المنزل بوضع كمّادات ماء بارد على موضع الإصابة.

في أعقاب الفوضى الناجمة عن إطلاق شتّى المقذوفات نحو المقهى وأثناء تدافُع الناس كُسرت 7 - 8 زجاجات نرجيلة ونحو خمس مقاعد من البلاستيك. كذلك تحطّم زجاج باب المقهى جرّاء الرّصاص المطّاطيّ الذي أطلقه الجنود على المقهى. لم أعرف ماذا أفعل. طلبت من الناس أن يبقوا في أماكنهم حفاظاً على سلامتهم إذ لم يكن سبيل للوصول بأمان إلى سيّاراتهم.

منذ الحادثة التي أصيب خلالها أدهم انخفض عدد زوّار المقهى إلى النصف وعموماً فقد قلّ عدد الزوّار القادمين إلى البلدة لأنّ الناس باتت تخشى أن تصاب بسوء إذا تكرّرت اقتحامات الجنود. الكثير من الزبائن قالوا لي إنّ المقهى أصبح مكاناً غير آمن. إضافة إلى ذلك أصبحت الحياة أصعب مع تواجد قوّات الجيش عند مدخل القرية حيث يفتّشون السيّارات ويفحصون بطاقات الهويّة لكي يمنعوا دخول الأشخاص الذين من خارج سبسطية. مدخول المقهى خاصّتي والمحلّات الأخرى في سبسطية يعتمد على السّياحة. بدون الزوّار القادمين من خارج البلدة سيلحق بنا ضرر كبير.

أدناه إفادة محمد عازم (45 عاماً) حول أحداث ذلك اليوم والأسبوع الذي تلاه - أدلى بها في 20.10.20. يُذكر أنّ محمد هو رئيس مجلس محلّي سبسطية وهو متزوّج وأب لأربعة أبناء. في ذلك اليوم كان يتنزّه في الموقع مع أسرته وزوّار من رام الله هم والدته وأسرة شقيقه الذين جاءوا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في بلدة سبسطية، وكانوا جميعاً يجلسون قرب الأعمدة الأثريّة في الجانب الغربيّ من الباحة.

محمد عازم رئيس مجلس سبسطي، تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 20.10.20

فجأة دهم الباحة 20 - 25 جنديّاً جاءوا من الناحية الغربيّة للبلدة - وهي منطقة لا توجد فيها إنارة ليليّة - وفوراً شرعوا يطلقون الرّصاص المطّاطيّ وقنابل الغاز المسيل للدّموع نحو الأهالي المتواجدين هناك. كان الجنود على بُعد 10 - 15 متراً منّا وأخذوا يتقدّمون نحونا بسُرعة.

طلب من أخي رامي (34 عاماً) أن يغادر المكان مع والدتنا (72 عاماً) ويأخذ معه نساءنا وأطفالنا. جميع الحاضرين تملّكهم الرّعب وعمّت الفوضى المكان لأنّ الجميع كان يحاول الفرار مع أسرته خوفاً من أن يصيبهم رصاص الجنود. تقدّمت إلى الجنود محاولاً التحدّث إليهم، لأنّ ما يفعلونه أمرٌ لا يصدّق إذ لم يحدث أيّ شيء يستدعي ذلك. هم أيضاً هاجموا دون أن يحذّروا الحاضرين حيث دخلوا الباحة وفوراً شرعوا يطلقون الرّصاص والقنابل. تحدّثت إليهم بالإنجليزيّة طالباً منهم أن يتوقّفوا لأنّه يوجد في المكان نساء وأطفال. ردّ عليّ أحد الجنود بالعبريّة وفهمت لاحقاً أنّه قال لي إنّه سيعود كلّ ليلة. كنت أصوّرهم بواسطة هاتفي لكنّ الجنود ألقوا نحوي قنبلة صوت. أوضحت لهم أنّني رئيس المجلس المحلّي لكنّهم لم يكترثوا للأمر. بعض الأهالي ممّن يعرفون العبريّة تحدّثوا أيضاً معهم محاولين تهدئة الأوضاع لكنّ الجنود لم يُصغوا لأحد.

بعض الفتية رشقوا الجنود بالحجارة والجنود يواصلون إطلاق قنابل الغاز والرّصاص المطّاطي نحو الأهالي المنهمكين في محاولات الفرار. نشأت عن ذلك جلبة وفوضى عارمة حيث كان يتعالى صراخ النساء والأطفال. لا أجد حتى كلمات أصف بها الوضع الذي ساد. كذلك أطلق الجنود الرّصاص الحيّ في الهواء عدّة مرّات.

استمرّ الوضع هكذا طوال نصف السّاعة تقريباً. بعد إصابة أدهم الشاعر ونقله إلى المستشفى في نابلس بقي الجنود نصف السّاعة ثمّ غادروا. خمس سيّارات كانت متوقّفة في الباحة تضرّرت جرّاء الحجارة وقنابل الصّوت والرّصاص المطّاطيّ ومعظمها تعود لزوّار قدموا من خارج البلدة.

 

آخر الفيديوهات