Skip to main content
محمد نعسان. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جُنود يُطلقون النار من داخل سيارة "جيب" مُدرّعة ويقتلون فتىً (15 عاماً) حاول رشقهم بحجر عن بُعد عشرات الأمتار

محمد نعسان. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
محمد نعسان. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في يوم الجمعة المُوافق 16.1.26، نحو السّاعة 9:20، جاء مستوطنون ومعهم قطيع أغنام إلى أراضٍ بملكية فلسطينية خاصّة في الجهة الجنوبيّة من قرية المغيّر، تبعد مسافة 300- 350 متراً تقريبًا عن منازل القرية. بعد نحو عشر دقائق، جاء عدد من السكان من ناحية القرية ورشقوا حجارة نحو المستوطنين بهدف إبعادهم من المنطقة. وبعد دقائق معدودة داهمت قوّات من الجيش القرية عبرَ مدخلها الشرقيّ المؤدّي إلى شارع "ألون"، الذي كان الجيش قد أغلقه قبل 7 تشرين الاول 2023 بوقت قصير ليُصبح استخدامه منذ ذلك الحين مقصوراً على الجيش وحده فقط. تقدّمت القوّات إلى المنطقة الجنوبيّة من القرية وأبعدت المستوطنين والسكان من هناك.

نحو السّاعة 10:45، وخلال انسحاب المجموعة الأولى من المستوطنين مع القطيع، جاءت إلى المنطقة مجموعة أخرى من المستوطنين على درّاجات ناريّة وسرعان ما اندلعت في المكان، مرّة أخرى، مُواجهات أطلق خلالها أحد سكان القرية مفرقعات ناريّة صوب المستوطنين. قامت قوّات الجيش، التي كانت لا تزال في الموقع، بإبعاد الطرفين عن المنطقة مرة أخرى ثمّ غادرت القرية عبرّ البوّابة المنصوبة في المدخل الشرقيّ.

بعد وقت قصير، قرابة السّاعة 13:30، خلال صلاة الجمعة، عادت قوّات من الجيش وداهمت القرية ثانية، عبر المدخل الشرقيّ. ألقى الجنود قنابل الصّوت نحو المسجد الشرقيّ في القرية، في الوقت الذي كانت المنطقة فيه هادئة وكان عدد كبير من السكان يؤدون الصلاة في المسجد. عندما انتهت الصّلاة وأخذ المصلّون يُغادرون المسجد، مرّت ثلاث مركبات "جيب" عسكريّة من أمام مدخل المسجد واتّجهت نحو مركز القرية. في ذلك الوقت نفسه، خرج من المسجد محمد نعسان (15 عاماً) ووالده، سعد، وسارا في اتّجاه منزلهما.

سيارات "الجيبات" العسكريّة تدخل إلى القرية. (استخدام وفقاً للبند 27أ)

بعد أن سارا مسافة 200 متر تقريباً، ابتعد محمد عن أبيه وتقدم نحو مجموعة أولاد كانوا يرشقون حجارة نحو إحدى مركبات "الجيب". قرابة السّاعة 13:30، وبينما كان على بُعد نحو 65 متراً من "الجيب" وانحنى ليلتقط عن الأرض حجراً لرشقه، أطلق عليه جنود من داخل مركبة "الجيب" المدّرعة رصاصة واحدة. أصابت الرّصاصة الجهة اليُسرى من صدره وخرجت من خاصرته اليُسرى، فوقع أرضاً.

قام مُسعف متطوّع من سكان القرية، يسكن قريباً من المكان الذي أطلقت فيه الرصاصة على محمد، بإخلائه بسيّارته الخاصّة إلى عيادة في قرية خربة أبو فلاح المُجاورة، حيث وصل إليها دون أيّة علامات على أنه ما زال حيًا. فشلت محاولات الإنعاش التي أجريت في المكان وتمّ نقله في سيّارة إسعاف إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله، وهُناك أيضاً أخفقت مُحاولات إنعاشه. عند السّاعة 14:00 أقرّ الأطبّاء وفاته.

في أعقاب الحادثة أغلق الجيش مدخل القرية الغربيّ ـ الوحيد الذي يًسمح للفلسطينيين بالدخول إلى القرية منه، واقتحمت قوات القرية وجابت شوارعها وفرضت منع تجوّل ومنعت سعد نعسان من إعادة جثمان ابنه إلى القرية، حتى ساعات المساء. عند السّاعة 20:00 فُتح المدخل وفي اليوم التالي، 17.1.26، جرى تشييع جثمان محمد إلى مثواه الأخير. أثناء التشييع أغلق الجيش المدخل الغربيّ مرة أخرى ومنع، بشكل تعسّفيّ، بعض السيّارات من دُخول القرية بينما سمح لبعضها الآخر بالدخول. خلال أيّام الحداد الثلاثة التالية، داهمت قوّات الجيش القرية عدّة مرّات، أطلقت الرّصاص الحيّ وألقت قنابل الصوت وقنابل الغاز المُسيل للدّموع نحو القاعة التي اجتمع فيها المعزّون.

 

كغيرها من قرى المنطقة، أصبحت قرية المغيّر على مدى العقد الأخير هدفاً لجمات متكررة من قبل المستوطنين والجيش. ومنذ العام 2006 وثّقت منظمة بتسيلم عشر حالات قتل أخرى لأشخاص من سكان القرية نفذها مستوطنون وجُنود. ستّة منهم قتلهم جنود، اثنان قتلهم مستوطنون رمياً بالرّصاص واثنان آخران قُتلا خلال أحداث أطلق النار فيها مستوطنون وجنود معًا، ولذلك لم تُعرَف هوية الجهة التي أطلقت النيران القاتلة. إضافة إلى ذلك، منذ العام 2021 وثّقت بتسيلم عشرات الهجمات التي شنّها مستوطنون على القرية، وخلال الأشهُر الستّة الأخيرة من العالم 2025 قام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة (OCHA) بتوثيق 640 هجوماً شملت اعتداءات على الأهالي وتخريب بُنى تحتيّة وممتلكات في القرية. وفي كثير من الحالات وفّر جنود الحماية للمستوطنين أثناء الهجمات، بل وشاركوا في حالات أخرى في الهجمات بأنفسهم بشكل فعال. وفي شهر آب الماضي، اقتلع الجيش الإسرائيليّ آلاف أشجار الزيتون في القرية - كإجراء عقابيّ جماعيّ، وفقاً لما صرّح به علناً اللواء آفي بلوط، قائد المنطقة العسكرية الوسطى آنذاك.

الموقع الذي أطلق فيه الجنود النار على محمد نعسان وأردوه قتيلاً (حيث العلم). تصوير: محمد رمّانة، بتسيلم

في بيان صدر عن الجيش عقب قتل جنود للفتى محمد نعسان، ورد أن "قوّات الجيش الإسرائيليّ هرعت اليوم (الجمعة) إلى منطقة قرية المغيّر التابعة للواء بنيامين، إثر بلاغٍ لاحق عن عددٍ من "المخرّبين" قد رشقوا مدنيّين إسرائيليّين بالحجارة، أشعلوا إطارات سيّارات وقطعوا الطريق المؤدّي إلى اللّواء. لدى وصول القوّات، ورد بلاغ عن إطلاق نارٍ على الإسرائيليين. لم يُسفر الحادث عن أيّة إصابات. مع وصول القوات إلى اللواء، تم رصد عشرات "المخرّبين" يرشقون الحجارة و"مخرّب" آخر كان يركض نحوهم حاملاً صخرة. رداً على ذلك، أطلقت القوّات النار في الهواء عدّة مرّات، ثم أطلقت النار لدرء الخطر وقتلت "المخرّب" الذي كان يحمل الصخرة. تواصل قوات الجيش الإسرائيلي تمشيط المنطقة، نصب حواجز وفرض طوق على قرية المغيّر بهدف القبض على المشتبَه بهم بإطلاق النار".

إلا أنّ الشيء الوحيد الذي أطلقه الفلسطينيّون هو الألعاب النارية، وأصلًا كان الأمر قد حدث قبل ذلك بأكثر من ساعتين. إضافة إلى هذا، عندما أُصيب نعسان بالرصاصة كان على بُعد عشرات الأمتار من الجنود الذين كانوا في مركبة مدرّعة أصلاً، وبالتالي فإن الادعاء بأنّهم كانوا معرّضين للخطر هو ادّعاء باطل تماماً ولا أساس له.

سجّل باحث بتسيلم الميداني محمد رمّانة الإفادات التالية:

"م. ل."، من سكّان القرية، قال في إفادته:

في يوم الجُمعة المُوافق 16.1.26 علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ مُستوطنين جاءوا منذ ساعات الصّباح الباكر إلى منطقة الخلايل قرب مساكن عائلة أبو هُمام وحاولوا منع أفراد العائلة من الوُصول بسيّارتهم إلى مساكنهم. ثم نُشر لاحقاً أنّ المستوطنين استدعوا قوّات من جيش وشرطة الاحتلال، وقامت هذه بإبعاد ناشطين أجانب كانوا يُساندون العائلة، كما اعتقلت ناشطاً يهوديّاً.

نظرة من المكان الذي وقفت فيه سيارة "الجيب" العسكريّة والذي أطلق منه الجنود النار على نعسان نحو الموقع الذي أصيب فيه. السهم الأحمر في المكان الذي أوقف فيه "م. ل." سيارته. تصوير: محمد رمّانة، بتسيلم

فهمتُ أن الجيش بقي متواجدًا في المنطقة لمدة طويلة رغم أنّ المستوطنين قد انسحبوا. نحو السّاعة 10:30 نُشر تحديث أفاد بأنّ مستوطنين جاءوا مرّة ثانية إلى منطقة الخليلة، جنوب القرية. خرجت من منزلي وتوجّهت إلى مكان مُجاور يُطلّ على منطقة الخليلة. كان عدد من شبّان القرية يقفون في المنطقة الجبليّة المُطلّة على الجزء الجنوبيّ من القرية. عند وُصولي رأيت مجموعة من المستوطنين على درّاجات ناريّة يتجوّلون في المنطقة الجبليّة الواقعة جنوبَ القرية. في الوقت نفسه اقتربت مجموعة من شبّان القرية إلى المنطقة التي كانوا فيها، وأحد الشبّان أطلق نحوهم مفرقعات ناريّة. بعد ذلك وردت أنباء تفيد بأنّ قوّات الجيش داهمت القرية عبر مدخلها الشرقيّ.

عندما علمنا أنّ الجيش مُتواجد في القرية أخذنا نعود أدراجنا في اتّجاه منازل القرية، أنا والشبّان والأهالي الذين كانوا في المنطقة. في الطريق إلى المنزل شاهدت ثلاث مركبات عسكريّة تجوب شوارع القرية، ثمّ قرأت على شبكات التواصُل تحديثات تفيد بأنّهم ذهبوا إلى الناحية الجنوبيّة من القرية وأبعدوا الشبّان الذين تواجدوا هُناك، وبالتالي انسحب أيضاً المستوطنون الذين جاءوا على درّاجات ناريّة. بعد وقت قصير، نُشر على شبكات التواصُل أنّ القوّة التي داهمت القرية قد غادرت عبر المدخل الشرقيّ.

في ذلك الوقت، كان قد اقترب موعد صلاة الجُمعة. كنت أتهيّأ للذهاب إلى المسجد الشرقيّ في القرية، رغم أنّني ومن منزلي سمعت انفجارات ورجّحت أنّها قنابل صوتية. خرجت إلى المسجد بسيّارتي، مثلما أفعل كلّ يوم جُمعة. عندما انتهينا من الصّلاة وخرجنا من المسجد، شاهدت مركبة تابعة لجيش الاحتلال تمرّ من أمام المسجد متّجهة نحو مركز القرية. توجّهت فوراً إلى سيّارتي وانطلقت نحو منزلي عبر طريق تمرّ بين منازل القرية وبعض الدّكاكين؛ ثمّ تذكّرت أنّ زوجتي كانت قد طلبت منّي أن أجلب بعض الحاجيّات.

أوقفت السيّارة واستدرت لكي أعود إلى حيث الدّكاكين. عندما أصبحت مقدّمة السيّارة في اتّجاه المسجد مرّة أخرى، ودكّان "بقالة أبو نادر" من ورائي قليلاً، توقّفت مركبة عسكريّة بشكل فجائيّ على بُعد نحو 30 متراً من خلفي، وتوقّفت مركبة عسكريّة أخرى في تتمّة الشارع الذي توقّفت فيه.

من مكاني في داخل السيّارة شاهدت مجموعة من الأولاد، كان بعضهم يلعب وبعضهم الآخر يرشق حجارة نحو المركبة العسكريّة التي توقّفت ورائي. شاهدت فتىً يحاول أن يأخذ حجراً عن الأرض، وعندما انحنى لكي يلتقط الحجر سمعتُ إطلاق ذخيرة حيّة. أعتقد أنّها كانت رصاصة واحدة فقط. لم أرَ أيّاً من الجنود يترجّل من المركبتين العسكريّتين، لا تلك التي توقّفت خلفي ولا التي كانت أمامي.

بعد أن سمعت إطلاق النار، مباشرة، رأيت الفتى الذي حاول أن يلتقط حجراً يقع أرضاً. لاذ بقيّة الأولاد بالفرار وأخذت المركبة العسكريّة التي كانت أمامي بالابتعاد، وعندئذٍ رأيت شخصاً يخرج من المنزل الذي وقع الفتى في جواره ثم تقدّم نحو الفتى. وجاء أشخاص آخرون، حملوا معاً الفتى وأدخلوه إلى سيّارة خاصّة انطلقت باتجاه الشارع الرئيسيّ في القرية. في تلك الأثناء، شاهدت أيضاً المركبة العسكريّة التي توقّفت خلفي تُغادر المكان.

"ح. س."، مُسعف، من سكّان قرية المغيّر، أدلى بإفادته في 17.1.26 فقال:

في يوم الجُمعة المُوافق 16.1.26، نحو السّاعة 12:40، خرجت إلى المسجد الرئيسيّ، المجاور لمنزلي، لتأدية صلاة الجمعة. بعد انتهاء الصّلاة عُدت إلى منزلي عند السّاعة 13:20 ظهراً. عندما وصلت إلى المنزل أخذت شبكات التواصُل الاجتماعيّ تنشر أخباراً عن مداهمة القرية من قبل قوّات من جيش الاحتلال الإسرائيليّ عبر مدخل القرية الشرقيّ، وهذا المدخل مغلق ببوّابة حديديّة منذ أكثر من سنتين. بعد نحو خمس دقائق، أفادت منشورات الأهالي على الشبكة أنّ قوّات الاحتلال قد وصلت إلى مركز القرية. بعد خمس دقائق أخرى، سمعت فجأة إطلاق رصاص حيّ. كانت طلقة واحدة فقط وكان الصوت قريباً جدّاً من منزلنا. بعد ذلك بدأت تُنشر على المجموعة أخبار عن وُجود مُصاب. بعد أقلّ من دقيقة دخل ابني أحمد (5 سنوات) المنزل وهو يصرخ "طخّوا ولد! طخّوا ولد!". عندما سألته ماذا يقصد قال إنّ هناك ولداً مُصاباً قرب منزلنا.

خرجت من المنزل فوراً، لكنّ الجيران أخذوا يصرخون "لا تقتربوا! يوجد جيش!". نظرتُ أمامي فرأيتُ مركبة عسكريّة إسرائيليّة متوقّفة على بُعد 60- 65 متراً على الغرب من منزلي. لم أرَ جنوداً من المكان الذي كنت واقفاً فيه، ولم أعرف أين هُم، لكنني خرجت رغم ذلك. رأيتُ ولداً ملقىً على الأرض على جانبه الأيمن، بجانب الحائط الشمالي من منزلنا. كان الولد ينزف دماً ولكن ليس كثيراً. حملته فوراً، بمساعدة ثلاثة شبّان آخرين، وأدخلناه إلى سيّارتي لكي ننطلق به إلى عيادة في قرية خربة أبو فلاح المجاورة، لأن لا عيادة في قريتنا.

قدت السيّارة في اتّجاه الشارع الذي وقع فيه الفتى لكنني تذكّرت عندها أنّ مركبة عسكريّة تقف هناك، غربَ منزلي، فرجعت وسافرت في الشارع المؤدّي إلى الشارع الرئيسيّ في القرية، ومن هناك اتّجهت نحو المدخل الغربيّ للقرية. عندما وصلت إلى مفترق طرق قرب محطة الوقود التي في القرية، حاولت مركبة عسكريّة أن تقف في عرض الشارع لكي تسدّ الطريق أمامي، لكنّني أسرعت وتمكّنت من تجاوُزها. ثمّ التقيت بمركبة عسكريّة أخرى جاءت من ناحية المدخل الغربيّ واتّجهت نحو مركز القرية. خففت السّرعة حتى تجاوزتُ المركبة العسكريّة ثمّ أسرعتُ مجدّداً.

في الطريق إلى العيادة في قرية أبو فلاح، كان الولد يشهق شهقات الاحتضار. منذ حملته من أمام منزلي لم يُبدِ الولد أيّة علامات تدل على أنه على قيد الحياة. عندما سمعته يشهق أرسلت رسالة هاتفيّة إلى مجموعة مركّزي الدفاع المدنيّ والإسعاف الأوّلي في قرى شرق رام الله، وصفت فيها إصابة الولد: رصاصة اخترقت الجهة اليسرى من صدره وخرجت من خاصرته اليُسرى، فتحة الدُخول ضيّقة وفتحة الخروج واسعة. كان القصد من الرسالة أن أطلب من سيّارات الإسعاف القريبة من العيادة في خربة أبو فلاح أن تتّجه إلى العيادة لكسب الوقت والإسراع في إخلاء الولد إلى مجمّع فلسطين الطبّي.

عندما وصلت إلى العيادة في خربة أبو فلاح بدأتُ أساعد الطاقم الطبّي الذي حاول إسعاف الولد وإنعاشه. بذلنا كلّ ما في وُسعنا لكنّ جسمه لم يُبد أيّة استجابة. م ثمّ وصلت سيّارة إسعاف من بلدية سلواد ونقلته إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. بعد أقلّ من خمس دقائق على وصوله أعلنت وزارة الصحّة الفلسطينيّة رسميّاً وفاة الفتى متأثراً بجراحه. تجدر الإشارة إلى أنه كانت هنالك خدوش على الجانب الأيمن من وجهه، يبدو أنّها نجمت عن ارتطامه بالأرض بعد إصابته بالرصاص.

عندما أطلقت النار على محمد نعسان في شارعنا، كان ابني أحمد - البالغ من العمر 5 سنوات فقط ـ يلعب أمام المنزل بالضبط. كان قريباً جدّاً من محمد نعسان لحظة إصابة الأخير، وعندما دخل إلى المنزل وأخبرنا أنّ الولد أصيب ووقع على الأرض كان خائفاً وفي حالة من الذعر الشديد. هذا هو واقع الحياة اليوميّ في قريتنا. فهي تتعرض للهجوم من قبل المستوطنين أو الجنود 3 مرّات على الأقلّ كل يوم، وجميع أطفال القرية معرّضون لمثل هذه الأحداث.

والد محمد، سعد نعسان (43 عاماً)، أب لستّة، أدلى بإفادته في 21.1.26 فقال:

سعيد نعسان يحمل صورة ابنه. تصوير: أفيشاي موهَر، بتسيلم

أعمل في جامعة القدس المفتوحة، في رام الله. ثلاثة من أولادي ما زالوا قاصرين ومحمد كان أكبرهم.

في يوم الجُمعة المُوافق 16.1.26، كما في كلّ يوم جُمعة، استيقظنا وتناولنا وجبة الفطور. لاحقاً أخذنا، أنا ومحمد، نجهّز أنفسنا للذهاب إلى صلاة الجمعة في مسجد يقع في الناحية الشرقيّة من القرية، ثمّ خرجنا في طريقنا إلى هُناك.

وصلنا إلى المسجد عند السّاعة 12:30 تقريباً. بعد أن شرعنا في أداء الصّلاة بوقت قصير سمعت انفجارات قنابل صوتية. خمّنت أنّ قوّات الاحتلال قد داهمت القرية، لأنّ مداهمات عسكريّة كانت قد حدثت وقت صلاة الجُمعة في السّابق. كانت الانفجارات متتالية وقريبة. عندما انتهينا من الصّلاة وخرجنا من المسجد رأيتُ ثلاث مركبات عسكريّة تمرّ مُسرعة. بعد أن تجاوزت المركبات المسجد اتّجهت نحو الجزء القديم من القرية.

خرجت ومحمد من المسجد وتقدّمنا قرابة 200 متر، ثمّ ابتعد محمد عنّي دون أن أنتبه إلى ذلك. بعد دقيقة واحدة، على الأكثر، سمعت إطلاق رصاص حيّ ثمّ سمعت شبّاناً وأولاداً يصرخون "طخّوا ابن سعد!". فهمت فوراً أنّ محمد أصيب بنيران جيش الاحتلال. ركضت باتّجاه المكان الذي صدرت منه الأصوات وعندما وصلت قيل لي إنّ شبّاناً من القرية أخذوا محمد في سيّارتهم إلى العيادة في خربة أبو فلاح.

انطلقت نحو العيادة في سيّارة صديق لي مرّ مُصادفة، وعندما وصلنا كان ابني قد فارق الحياة، لكنّني لم أستطع أن أصدّق ذلك. بعد دقائق معدودة جاءت سيّارة إسعاف من بلديّة سلواد. أدخلنا محمد إلى سيّارة الإسعاف وانطلقنا إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله.

عندما وصلنا إلى هُناك حاول الأطبّاء إجراء إنعاش لمحمد، لكن دون جدوى. أقرّ الطاقم الطبّي وفاة محمد بعد وُصولنا بـ 10 دقائق تقريباً، وربّما أقلّ حتى. الرّصاصة التي أصابت محمد اخترقت جسده من الجهة اليُسرى في صدره وخرجت من الجهة اليسرى في أسفل الظهر. كانت الإصابة قاتلة، ولاحقاً علمت أنّه قد فارق الحياة في المكان الذي أصيب فيه. حاولنا أن نعود إلى القرية ومعنا جثمان محمد لكي ندفنه في اليوم نفسه، لكنّ جيش الاحتلال أغلق المدخل الغربيّ، وهو المدخل الوحيد إلى القرية، ومنع جميع السكّان من الدّخول. وفي الوقت نفسه، داهم الجنود القرية مرّة أخرى. في غضون ذلك، استضافنا أهالي خربة أبو فلاح في مضافة القرية واضطررنا إلى وضع جثمان محمد في ثلّاجة كانت هناك، بينما كنا ننتظر أن يفتح الجيش مدخل قريتنا، المغيّر. نحو السّاعة 20:00 أبلغنا مكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ بأنّ جنود الاحتلال قد فتحوا المدخل الغربيّ للقرية فقمنا وتوجّهنا إلى هُناك، لكنّنا قرّرنا إبقاء جثمان محمد في الثلّاجة ودفنه في اليوم التالي.

في يوم السّبت المُوافق 17.1.26، نحو السّاعة 11:00، أحضرنا جثمان ابني إلى القرية فوجدنا أنّ جنود الاحتلال قد نصبوا حاجزاً على المدخل الغربيّ للقرية، مرة أخرى. منع الجنود عدداً من السيّارات التي رافقتنا من دخول القرية، بينما سمحوا للبقيّة بالدخول. فقط بعد انتهاء مراسم الجنازة، أزال الجنود الحاجز.

في كلّ يوم من أيّام العزاء الثلاثة، كانت قوّات الاحتلال تداهم القرية وكان أفرادها يطلقون الرّصاص الحيّ ويلقون قنابل صوتية وقنابل غاز مُسيل للدّموع نحو القاعة التي تواجد فيها المعزّون. أصاب الرّصاص جدران القاعة ممّا اضطرّنا في كلّ يوم إلى مُغادرة القاعة قبل انقضاء الوقت المعتاد بساعتين. في اليوم الثاني أطلق الجنود الرّصاص الحيّ أيضاً نحو شبّان وأولاد كانوا مُتواجدين خارج القاعة، قرب الشارع الرئيسيّ للقرية.

حتى الآن لا أستطيع أن أصدّق أنّ ابني قد فارق الحياة. أنا ما زلت تحت وقع الصّدمة. كان محمد فتىً اجتماعيّاً جدّاً ومحبوباً بين أهالي القرية. كان فتىً بسيطاً يحلم بأن يسافر للعيش في الولايات المتحدة حيث تقيم شقيقته الكبرى، لكنّ رصاص جيش الاحتلال انتزعه منّي وسرق منه أحلامه.

منذ استشهاد محمد، تعاني زوجتي من تسارُع في النبض وتتصعّب في النوم. كذلك أخوته الأصغر لا يستطيعون النوم في غرفتهم وينامون بيني وبين زوجتي. كما بدأ أحدهم يعاني من التبوّل اللّاإراديّ من شدّة خوفه.