Skip to main content
Smoke billows over ruins in the Gaza Strip. Photo by Clodagh Kilcoyne, Reuters December 16, 2023
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

بتسيلم تدعو إلى وقف إطلاق النار

الحرب في قطاع غزة مستمرة منذ أكثر من سبعين يوماً. خلال الحرب، تشن إسرائيل هجوماً متحرراً من أية قيود ضد سكان القطاع، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف بصورة غير مسبوقة. حتى الآن، ألقت إسرائيل آلاف الأطنان من المتفجرات على آلاف الأهداف في أنحاء القطاع بعد أن أوضح المتحدث الرسمي بلسان الجيش الإسرائيلي أن التركيز هو "أقل على الدقة وأكثر على الأضرار".

النتائج واضحة في الميدان: أجزاء واسعة من القطاع لم تعد صالحة لسكن بني البشر. آلاف البيوت قد انهارت، بعضها على ساكنيها، وتهدّمت أعداد كبيرة جداً من الشوارع، المباني العامة والبنى التحتية. وفقاً لمعطيات وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل حتى الآن ما يقارب الـ 19,000 إنسان، نحو 70% منهم من النساء والأطفال، نحو 50,000 أصيبوا بجراح ولا يزال كثيرون مدفونين تحت الأنقاض.

تُلزم أحكام القانون الإنساني الدولي بأن يتم تعريف كل واحد من الأهداف التي تم قصفها بأنها هدف عسكري يسهم "مساهمة فعالة" في أنشطة حماس وبأنّ تدميره يمنح إسرائيل "أفضلية عسكرية واضحة". إضافة إلى ذلك، تُلزم هذه الأحكام أيضاً بأنه إذا ما استوفت آلاف الأهداف هذه الشروط، فينبغي للمس اللاحق بحيوات السكان وممتلكاتهم أن يكون تناسبياً. إلا أنه ليس ثمة مجال لملاءمة عمليات القصف الإسرائيلية مع هذه القواعد والأحكام. وكل رأي آخر هو مجرد تفسير لن يكون خاطئاً من ناحية قضائية فحسب، بل غير محتمل من ناحية أخلاقية أيضاً.

خلال القتال، تستخدم حماس السكان في قطاع غزة كدروع بشرية، تخبئ الأسلحة في منازلهم، تحفر الأنفاق تحت منازلهم من أجل حماية أعضائها وتطلق النيران على أهداف مدنية في داخل إسرائيل من قلب التجمعات السكانية المدنية. وبذلك، تلحق حماس الضرر بهم وتعرّض حيواتهم للخطر، وسط خرقها لقواعد القانون الإنساني الدولي. تدّعي إسرائيل بأنّه بسبب ذلك، فإنّ أي مسّ من جانبها بحماس سيؤدّي، بالضرورة، وليس بذنْبِها هي، مسّاً بالمدنيين. إلا أن معنى هذا الادعاء هو أن أي عملية تقوم بها إسرائيل، مهما كانت نتائجها مرعبة، تُعتبر شرعية دائماً. هذا ادعاء لا أساس له إطلاقاً، لا قضائياً ولا أخلاقياً: مَن يقتل هو المسؤول وأعمال حماس لا تعفي إسرائيل، ولو بأقل القليل، من مسؤوليتها عن نتائج أفعالها.

في موازاة تطبيق سياسة القصف، أغلقت إسرائيل فور بدء الحرب مباشرة جميع المعابر إلى القطاع. وهكذا، أبقت سكانه الذين يزيد تعدادهم عن مليونيّ إنسان بدون وقود وكهرباء، بدون مياه للشرب والاستحمام، بدون غذاء وبدون أدوية. منذ ما قبل الحرب، ونتيجة أيضاً لـ 17 سنة من الحصار، سادت في القطاع أزمة إنسانية عميقة: البنى التحتية للكهرباء، للمياه والصرف الصحي كانت على شفا الانهيار، الجهاز الصحي كان يعمل بصعوبة، معدلات البطالة وصلت إلى 45% ونحو 80% من سكان القطاع كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية. واستمراراً لذلك، فبعد إغلاق المعابر بوقت قصير نشأت في القطاع كارثة إنسانية لا يتصورها عقل ـ وهي ليست نتيجة جانبية للحرب، بل هي نتيجة مباشرة للسياسة الإسرائيلية.

اليوم، هنالك نحو 1,9 مليون مهجَّرين ـ يشكلون حوالي 85% من سكان القطاع ـ يُحشر نحو نصفهم في منطقة رفح. الأغلبية الساحقة منهم موجودون في منشآت تابعة لوكالة غوث اللاجئين (الأونروا) في ظروف لا يمكن تحمّلها: المنشآت مكتظة تماماً ولا تتوفر فيها أدنى الشروط الأساسية، إضافة إلى النقص الحاد والخطير في المياه، في الغذاء، في البطانيات وفي الفرشات، في الخدمات وفي الحمّامات. هذه الظروف تزيد، أضعافاً مضاعفة، خطر انتشار الأمراض والأوبئة، والتي قد انتشرت فعلياً في بعض المواقع.

في جميع أنحاء القطاع هنالك نقص في المياه وتفيد تقارير وكالات الأمم المتحدة، أيضاً، بوجود نقص حاد وخطير في الغذاء وبانتشار مجاعة حقيقية بين السكان، وخاصة في شمال القطاع. معظم المستشفيات في القطاع أصبحت في حالة انهيار تام والمستشفيات التي ما زالت قائمة تعمل بصورة جزئية تماماً بينما هي تستوعب ضعفيّ، بل وثلاثة أضعاف، قدرتها الاستيعابية العادية، ناهيك عما تعانيه من نقص في الكهرباء، في المياه، في الأدوية، في التجهيزات والمعدات الطبية الأساسية وفي القوى البشرية المهنية. المساعدات القليلة التي تسمح إسرائيل بإدخالها إلى القطاع هي ليست أكثر من نقطة في بحر وحتى هذه لا إمكانية لإيصالها إلى المحتاجين لها بسبب القصف المتواصل دون توقف، القيود التي تفرضها إسرائيل على حركة الشاحنات والأعداد الكبيرة من الناس الذين تعج بهم الشوارع.

الهجوم الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة بدأ في السابع من تشرين الأول، بد أن دخل المئات من نشطاء حماس وسكان آخرين من القطاع إلى داخل الأراضي الإسرائيلية وهم يطلقون النار في كل اتجاه. لقد دخلوا إلى البلدات وبيوت السكان، قتلوا عائلات بأكملها ومشاركين في حفل شبابي، أحرقوا بيوتاً على سكانها، اغتصبوا نساء واعتدوا عليهن جنسياً، اختطفوا ونفذوا أعمالاً فظيعة أخرى. أكثر من 1,200 إنسان قُتلوا في ذلك اليوم وأصي آلاف آخرون بجراح. نحو 250 شخصاً، بينهم أطفال ونساء ومسنون، تم اختطافهم إلى قطاع غزة. بعضهم تم الإفراج عنه منذ ذلك الحين، آخرون ماتوا في الأسر ولا يزال آخرون محتجَزين كرهائن. وطبقاً لإفادات مخطوفين تم الإفراج عنهم فهم محتجَزون في ظروف قاسية ويعانون من نقص في الغذاء والأدوية. ليس هنالك، ولا يمكن أن يكون، أي طريق لتبرير هذه الجرائم. إن محاولات القيام بذلك ـ من خلال الادعاء بشأن "حرب تحرر وطني"، "إنهاء الاستعمار" أو أي سبب آخر ـ يجب رفضها وإدانتها.

إسرائيل تبرر الحرب التي تشنها الآن في القطاع على أساس حقها في الدفاع عن النفس، في أعقاب تلك الأحداث. حقاً، على إسرائيل واجب حماية مواطنيها من حماس ـ التي تواصل إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل وتتوعد بشن هجمات إضافية كذلك التي نفذته في 7 تشرين الأول. لكن معنى الحق في الدفاع عن النفس ليس الحق في استخدام العنف غير المحدود وبدون تمييز وهو لا يشرعن تجاهل أحكام القانون الإنساني الدولي وارتكاب جرائم حرب. ومن المؤكد أن إسرائيل لا تستطيع الاستناد إلى حقها هذا لتبرير السياسة التي تلغي أي حماية للسكان المدينين وتقوم على الرأي القائل بأن لا أبرياء في قطاع غزة.

منذ بداية الحرب، أبدت حماس وإسرائيل أن ليس في نيّتهما احترام قواعد وأحكام القانون الإنساني الدولي وهما تتجاهلان هذه الأحكام بصورة واضحة تماماً. استمرار القتال في الظروف الحالية سيؤدي، بالضرورة، إلى مئات أخرى من المدنيين القتلى كل يوم. الاكتظاظ الشديد جداً يؤدي إلى أن تسفر أية غارة جوية أو أية عملية عسكرية على الأرض في داخل القطاع عن مقتل كثيرين آخرين. وهذا ما تساهم فيه أيضاً حقيقة أن حماس تنشط من داخل تجمعات المدنيين ولا تكترث بالخطر الذي يخيم عليهم. من الواضح أنه كلما واصلت إسرائيل الدفع بسكان القطاع إلى جنوبه، سوف يزداد خطر إصابة المدنيين بصورة كبيرة، وكذلك سيزداد تفاقم الكارثة الإنسانية.

على ضوء هذا كله، لا مناص من الاستنتاج بأن استمرار القتال سوف يؤدي إلى المزيد والمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، المزيد والمزيد من ارتكاب جرائم الحرب، ولذا فإن المطلوب هو وقف الحرب فوراً لمنع مواصلة المس بالمدنيين.

على المجتمع الدولي التدخل وحماية السكان المدنيين في كلا الجانبين. حتى التسوية طويلة المدى، ينبغي على المجتمع الدولي مطالبة إسرائيل بوقف العمل العسكري، بالسماح بإدخال المساعدات الإنسانية والبضائع بكميات غير محدودة، بالسماح بإعادة ترميم القطاع وتمكين السكان من العودة إلى مواقع إقامتهم قبل الحرب. كما عليه، أيضاً، مطالبة حماس بالإفراج عن جميع المخطوفين منذ 7 تشرين الأول، بدون أي شرط، ووقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل. كذلك، على المجتمع الدولي ضمان أن يتحمل جميع المسؤولين عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي المسؤولية عن ذلك.