قبل نحو شهر، في 7.11.23، أنكر رئيس الدولة، يتسحاق هرتسوغ، وجود كارثة إنسانيّة في قطاع غزّة. على حدّ قوله، "الناس في غزّة يعرفون أنّ هناك حرباً دائرة الآن، لكن ليست هنالك كارثة إنسانيّة لا تمكّنهم من البقاء". لم يكن لهذه الأقوال أيأساس من الصحّة آنذاك، ولا أساس لها من الصحّة اليوم، بالتأكيد.
الحياة في قطاع غزّة في هذه الأيّام باتت كابوساً لا يمكن تصوّره. وقدرة السكان على الصمود والبقاء تتناقص يوماً بعد يوم. القطاع مغلق بشكل شبه تامّ منذ شهرين. الكارثة الإنسانيّة تحطّم أرقاماً قياسيّة يومياً. منظّمات الإغاثة باتت عاجزة عن مجابهة النتائج وتجد صعوبة حتى في إيجاد الكلمات المناسبة لوصف الكارثة وما تنطوي عليه من مخاطر. لا يوجد ما يكفي من الوقود، الطعام، الماء والدّواء. المستشفيات غير قادرة على تقديم العلاج الطبيّ لآلاف جرحى القصف الإسرائيليّ المتواصل في كلّ أنحاء القطاع، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 15,000 إنسان بضمنهم نحو 6,000 من الرضّع والأطفال والفتيان ونحو 4,000 امرأة.
هكذا تبدو الكارثة:
عشيّة الحرب كان قطاع غزّة غارقاً في كارثة إنسانيّة عميقة بعد أن فرضت إسرائيل الحصار عليه في العام 2007، في أعقاب استيلاء حماس على الحُكم. خلال وقت قصير انهار اقتصاد القطاع وعشية اندلاع الحرب كان نحو 80% من سكّانه يعتمدون في معيشتهم على منظّمات الإغاثة. معدّلات البطالة قد "طاولت السّحاب" إذ قاربت 45% بالمعدّل العامّ وبلغت أكثر من 60% في أوساط الشباب تحت سنّ 29 عاماً. إذا علمنا أنّ هذا هو الوضع الأوّليّ الذي كان سائداً، فمن الواضح أنّ الوضع قد تدهور بسُرعة إلى كارثة حقيقيّة:
الاكتظاظ: منذ بداية الحرب أمر الجيش الإسرائيليّ سكّان شمال القطاع بالانتقال جنوباً. مئات الآلاف انصاعوا للنداء، ووفقاً لتقديرات هيئة الأمم المتحدة بلغ عدد النازحين عن منازلهم نحو 1,8 مليون إنسان أي نحو 80% من سكّان القطاع. من هؤلاء هناك نحو 1,1 مليون إنسان مسجّلون في منشآت وكالة الغوث (الأونرا) المنتشرة في أنحاء القطاع، معظمهم في الجنوب.
الظروف في منشآت وكالة الغوث لا تُطاق: المنشآت ممتلئة عن آخرها، ويُراد منها أن تستوعب أضعاف أضعاف قدرتها الاستيعابيّة. تفيد التقارير أنّ مئات النازحين يضطرّون إلى الاكتفاء بمرحاض واحد، أمّا الحمّامات فهي نادرة. لا يوجد في هذه المنشآت ما يكفي من الماء والطعام والبطانيّات والفرشات. بسبب الاكتظاظ الشديد لا يقيم داخل مركز الإيواء سوى النساء والأطفال، أمّا الرّجال فيتدبّرون أمرهم خارجه. النازحون الآخرون وجدوا أماكن لهُم في المدارس والمستشفيات والمباني العامّة، وهناك نازحون قد نزلوا عند أقاربهم بحيث يكتظّ داخل كلّ منزل عشرات الأشخاص في ظروف قاسية.
لقد تردّى هذا الواقع بشكل كبير منذ أن استُؤنفت الحرب عقب وقف إطلاق النار حيث أمر الجيش مئات آلاف آخرين من السكّان بإخلاء منازلهم،سعياً منه إلى زجّ المزيد والمزيد من سكّان القطاع في مساحة أقلّ فأقلّ بدون مقوّمات الحياة الأساسيّة. تفيد وكالة الأمم المتحدة لتنسيق الأنشطة الإنسانيّة (أوتشا) بأنّ الجيش أمر سكّان منطقة تقارب مساحتها 20% من مساحة مدينة خان يونس بأن يخلوا منازلهم، وهي منطقة كان عدد سكّانها نحو 150 ألفاً، بعضهم مهجّرون أصلاً عن منازلهم في شمال القطاع. نزح عشرات الآلاف عن المنطقة المذكورة، لكنّ مراكز الإيواء التي لجأوا إليها ليست قادرة على استيعابهم وتوفير المساعدة الأساسيّة لهم.
نقص الوقود والكهرباء: مع بدء الحرب، أعلنت إسرائيل أنّها لن تسمح بإدخال الوقود إلى قطاع غزّة. ومنذ 18.11.23 تسمح إسرائيل بإدخال كميّة ضئيلة من الوقود يوميّاً، معدّة فقط للأنشطة الإنسانيّة مثل تمكين الشاحنات من توزيع الغذاء، تشغيل مولّدات الكهرباء ومرافق المياه والصّرف الصحّي ومنشآت وكالة الغوث. خلال فترة وقف إطلاق النار، التي استمرّت أسبوعاً، سمحت إسرائيل بإدخال أربع حاويات وقود في كلّ يوم.
نقص الوقود يشلّ البنى التحتيّة في قطاع غزّة: منذ 7.10.23 أوقفت إسرائيل بيع الكهرباء للقطاع. بعد بضعة أيّام، في 11.10.23 تعطّلت أيضاً محطّة توليد الكهرباء المحليّة في القطاع نتيجة نفاد الوقود. مع توقّف تزويد الكهرباء أو الوقود اللّازم لمولّدات الكهرباء التي يُفترض الاستعاضة بها، لا يمكن تشغيل مضخّات المياه ومحطّات تحلية المياه وأنظمة معالجة مياه الصرف الصحّي لا تعمل سوى جزئيّاً - إن عملت أصلاً - ممّا يزيد من مخاطر حدوث تلوّث إضافيّ في مصادر المياه.
نقص الماء والغذاء: منذ ما قبل الحرب كان سكّان القطاع يعانون من نقص دائم في المياه بحيث بلغ معدّل الاستهلاك اليوميّ 85 لتراً للفرد الواحد - أقلّ من الحدّ الأدنى الذي توصي به منظمة الصحّة العالميّة وهو 100 لتر يوميّاً.
الجزء الأكبر من المياه في قطاع غزّة يصل من طبقة المياه الجوفيّة المتاخمة للشاطئ، غير أنّ معظم المياه التي يتمّ سحبها من هناك هي ملوّثة بسبب الإفراط في السحب وتسرّب مياه البحر ومياه الصّرف الصحّي، وبالتالي فهي مياه لا تصلح للشرب أو الاغتسال دون خضوعها لعمليّة تنقية. هناك كميّة أخرى من المياه يزوّد بها نحو 300 ألف شخص في القطاع تأتيهم من ثلاث محطّات لتحلية مياه البحر. بقيّة المياه التي كانت تزوّد للسكّان قبل الحرب كانت تُشترى من إسرائيل، وهي كميّة لا تتعدّى خُمس إمدادات المياه في القطاع.
منذ بداية الحرب تفاقمت أزمة المياه عشرات الأضعاف. في 9.10.23 أوقفت إسرائيل بيع المياه لقطاع غزّة. بعد مضيّ أسبوع، في 15.10.23، استأنفت إسرائيل تزويد المياه فقط لبعض المناطق في جنوب القطاع، ولكن انقطاع الكهرباءيصعّب العمل في محطّات الضخّ، ومثلُها محطّات تنقية المياه ومياه الصّرف الصحّي. في غياب المياه النقيّة لم يتبقّ لدى سكّان القطاع خيار سوى شرب المياه الجوفيّة، وهي غير صالحة للشرب. استهلاك المياه دون تطهيرها أو تنقيتها قد يؤذي، على وجه الخصوص، النساء الحوامل والرضّع ومرضى الكلى.
مع نقص المياه تتعذّر أيضاً المحافظة على شروط النظافة الصحّية. في هذه الحالة، إلى جانب الاكتظاظ الهائل، ينشأ خطر جدّي لتفشّي الأمراض المُعدية والأوبئة؛ وقد أبلغت المنظمات الإنسانيّة عن مؤشّرات أوليّة لتفشّي مثل هذه الأمراض.
وكالات هيئة الأمم المتحدة تُبلغ عن نقص حادّ في الغذاء وعن مجاعة حقيقيّة يعانيها السكّان وخاصّة في شمال القطاع. المخابز لا تعمل بسبب نقص الوقود والمياه والطحين. لقد فقد قطاع غزّة قدرته الإنتاجيّة المستقلّةحاليّاً - حيث أنّ الأراضي الزراعيّة والمعدّاتالزراعيّة قد تضرّرت جرّاء القصف، ثمّ إنّه لا يمكن الوصول إلى هذه الأراضي أصلاً. كذلك صيّادو الأسماك لا يستطيعونالعمل بعد أن منعتهم إسرائيل من الوصول إلى البحر.
انهيار المستشفيات: منذ ما قبل الحرب كان الجهاز الصحّي في القطاع على شفا انهيار، إذ كان يعمل جزئيّاً فقط ولم تتوفّر للسكّان معظم العلاجات والخدمات المنقذة للحياة. منذ أن بدأت الحرب انهار الجهاز الصحّي تماماً. منظمة الصحّة العالميّة أفادت بأنّ عدد مراكز العلاج الطبيّ العاملة الآن في القطاع هو 18 من أصل المراكز الـ 38 التي كانت تعمل قبل الحرب، وأنّ ثلاثة من هذه المراكز لا يقدّم سوى الإسعافات الأوّليّة.
بقيّة المستشفياتتعمل بشكل محدود جدّاً: الإشغال فيها يتجاوز ضعفي، وأحياناً ثلاثة أضعاف، قدرتها الاستيعابيّة ويضطرّ المرضى إلى افتراش الأرض بسبب نقص الأسرّة،حتى أثناء تلقّيهم العلاج على يد الأطبّاء. يعاني الجهاز من نقص الكهرباءوالماء والأدويةوالتجهيزات الطبيّة الأساسيّة. إضافة إلى ذلك هناك نقص في الطواقم الطبيّة ممّا أودى بالطواقمالعاملة إلى حافّة الانهيار. لقد حذّرت منظمة الصحّة العالميّة من أنّ هذه الظروف تزيد من خطر انتشار الأمراض وتفشّي الأوبئة.
علاوة على ذلك، حذّرت منظمة الصحّة العالميّة من أنّ الوصول إلى المستشفياتيكاد يكون مستحيلاً، وذلك بسبب القصف المتواصل ونقص الوقود والشوارعالمهدّمة. وأكّدت المنظمة أنّ استمرار القتال في الجنوب سيؤدّي بطبيعة الحال إلى عزل المزيد والمزيد من السكّان والحدّ من قدرتهم على الوصول إلى المستشفيات، بينما تزداد أعداد الجرحى يوماً بعد يوم.
ما الذي سمحت إسرائيل بإدخاله إلى القطاع منذ أن بدأت الحرب؟
مع بدء الحرب أغلقت إسرائيل جميع معابر الدّخول إلى القطاع ومنعت فتح معبر رفح على الحدود مع مصر. وهي تسمح ابتداءً من 21.20.23 بإدخال الإغاثة الإنسانيّة. في البداية سمحت بدخول عشرين شاحنة يوميّاً لنقل الموادّ التموينيّة والمياه والأدوية - ولكن ليس الوقود ـ ثمّ رفعت تدريجيّاً عدد الشاحنات الدّاخلة حتى وصل إلى نحو مائة شاحنة يوميّاً. ومنذ 18.11.23 تسمح إسرائيل أيضاً بدخول حاويتي وقود يوميّاً للاحتياجات الإنسانيّة فقط.
هذه الإغاثة التي يُسمح بإدخالهالا تعادل سوى قطرة ماء في محيط. قبل الحرب كانت تدخل إلى القطاع نحو 500 شاحنة يوميّاً. وتفيد معطيات (أوتشا) بأنّه منذ 21.10.23 حتى 23.11.23، قبل بدء وقف إطلاق النار، أُدخل إلى القطاع عبر معبر رفح نحو 1,700 حمولة شاحنة من الإغاثة الإنسانية ـ لا تشمل الوقود. هذه الكمية لا تقترب حتى من تلبية احتياجات السكان في القطاع.
إضافة إلى ذلك، بسبب القصف الإسرائيليّوعزل شمال القطاع عن جنوبه، تفيد منظمات الإغاثة بأنها لا تستطيع، إطلاقاً تقريباً، توزيع الإغاثة القليلة التي يُسمح بإدخالهاإلى القطاع. فقط خلال فترة وقف إطلاق النار تمكّنت هذه المنظمات من الوصول إلى شمال القطاع وتوزيع الغذاء والماء والمعدّاتالطبيّة والوقود. في الأيّام الأخيرة ومع تجدّد القتال، تُبلغ منظمات الإغاثة أنها تواجه صعوبة في الوصول إلى منطقة خان يونس أيضاً، ويبقى معظم موادّ الإغاثة في رفح دون أن تصل إلى الناس المحتاجين إليها.
جميع موادّ الإغاثة التي تدخل إلى القطاع تمرّ من معبر رفح فقط. ولأنّ هذا المعبر معدّ لمرور الأشخاص فقط وليس لمرور البضائع، فهذا ما يعقّد ويعرقل كثيراً عمليّة إدخال الإغاثة،كما يقيّد الكميّات التي يمكن تمريرها. على سبيل المثال، خلال فترة وقف إطلاق النار سمحت إسرائيل بدخول عدد أكبر من الشاحنات، ومع ذلك تعذّر في معبر رفح إدخال العدد المسموح به كلّه. وقد طلبت منظّمات الإغاثة ودول غربيّة من إسرائيل عدّة مرّات أن تسمح بإدخال موادّ الإغاثة من معبر كرم أبو سالم، وهو معدّ أصلاً لمرور البضائع وكانت تمرّ منه في الأيّام العاديّة نحو 60% من البضائع الدّاخلة إلى قطاع غزّة. وقالت إنّ ذلك من شأنه أن يُتيح إدخال موادّ إغاثة بكميّات أكبر بكثير. لكنّ إسرائيل ترفض السّماح بذلك.
الكارثة الإنسانيّة ليست ليست عَرَضاً جانبياً، وإنّما هي السياسة
الكارثة الإنسانيّة الحاصلة الآن في قطاع غزّة ليست عَرَضاً جانبياً وإنّما هي نتيجة مباشرة للسياسة التي تطبّقها إسرائيل في القطاع، والتي تهدف إلى إنتاج هذا الواقع بالضّبط. ويرى واضعو هذه السّياسة إنّ إنتاج كارثة إنسانيّة تلمّ بأكثر من مليوني إنسان في القطاع هو وسيلة شرعيّة للضغط على حركة "حماس".
هكذا، على سبيل المثال وزير الطاقة يسرائيل كاتس، الذي وقّع على أمر بوقف بيع الكهرباء للقطاع منذ 7.10.23، والذي أوضح: "إغاثة إنسانيّة لغزّة؟ لن يُرفع قابس كهرباء واحد، لن يُفتح قاطع مياه ولن تدخل شاحنة وقود إلّا بعد إعادة المختطفين الإسرائيليّين إلى’البيت‘. إنسانيّ مقابل إنسانيّ. لا أحد يعظنا في مسألة الأخلاق".
كذلك تجلّت هذه النظرة بوضوح في التعقيبات على قرار مجلس الحرب في 17.11.23 بإدخال حاويتي سولار - سعتهما ستّين ألف لتر تقريباً - لتمكين وكالات الإغاثة في القطاع من العمل ولو بالحدّ الأدنى ولتشغيل شبكات المياه والصّرف الصحّي. ولّد هذا القرار سلسلة من التصريحات الغاضبة. وزير الماليّة، بتسلئيل سموتريتش، كتب إلى رئيس الحكومة أنّ هذا "قرار غريب يبصق في وجوه جنود الجيش الإسرائيليّ والمختطفين وعائلاتهم والعائلات الثكلى". وقال وزير الأمن القوميّ إيتمار بن جفير: "طالما أنّ مختطفينا لا يحصلون حتى على زيارة الصّليب الأحمر فليس من المنطقيّ منح ’هدايا إنسانيّة‘ للعدوّ". وقال رئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان: "من التصريح بأنّه لن تدخل أيّة نقطة وقود إلى القطاع انتقلنا فعليّاً إلى إدخال عشرات آلاف اللّترات من جانب واحد، دون أيّة لفتة إنسانيّة تجاه مختطفينا".
ردّاً على هذه التصريحات سارع صُنّاع القرار إلى التوضيح بأنّ الحديث يجري عن تغيير في السّياسة وأنّ الضغط الإنسانيّ على سكّان القطاع سوف يتواصل. الوزير بيني غانتس، وهو عضو في مجلس الحرب، أوضح قائلاً: "لا تغيير في الاستراتيجيّة وإنّما هي استجابة موضعيّة تخدم ’تساهال‘ (الجيش الإسرائيلي) في مواصلة القتال". وبدوره أوضح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو: "إنّها أقلّ القليل من الوقود من أجل تشغيل مضخّات المياه والصرف الصحّي، إذ بدون ذلك لنا أن نتوقّع تفشّي الأوبئة بشكل فوريّ. يجب أن يكون مفهوماً: تفشّي المرض يضرّ بسكّان القطاع وبجنود ’تساهال‘ في القطاع على حدّ سواء. أود التأكيد: لا تغيير في السياسة وإنّما هي استجابة موضعيّة محدودة لمنع تفشّي الأوبئة".
الجنرال احتياط جيورا آيلاند، الذي أشغل في السّابق منصب رئيس قسم العمليّات ورئيس مجلس الأمن القوميّ، نشر في 19.11.23 مقالاً في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعنوان "لا نرتدعنّ أمام العالم". صحيح أنّ آيلاند لا يشغل حاليّاً أيّ منصب رسميّ ولا هو من صُنّاع السّياسة التي تطبّق الآن في قطاع غزّة، لكنّ أقواله تعكسها بدقّة.
يدّعي آيلاند في مقالته أنّه لا فرق بين تنظيم "حماس" وسكّان قطاع غزّة، وأنّ إسرائيل تقاتل الآن "دولة غزّة" - بكلّ سكّانها. لذلك، ممنوع على إسرائيل أن "توفّر للطرف الآخر أيّة قدرة تُطيل نفَسَه". مفهوم أنّ ذلك يمسّ بالسكّان، ولكن - يقول آيلاند: "من هنّ النساء الغزّيّات ’المسكينات‘؟ جميعهنّ أمّهات وأخوات أو نساء القتلة في حماس. هنّ من جهة جزء من البنية الدّاعمة للتنظيم، ومن جهة ثانية إذا عشن كارثة إنسانيّة فيجب الافتراض أنّ بعضاً من مقاتلي حماس وصغار القادة سيفهمون أنّها حرب لا رجاء منها وأنّه من الأفضل أن يمنعوا عن أبناء وبنات عائلاتهم ضرراً لا يمكن إصلاحُه". يقرّ آيلاند بأنّ سياسة كهذه قد تُنتج كارثة إنسانيّة وأوبئة خطيرة، ولكن - وفقاً لرأيه ـ "ممنوع أن ندع ذلك يردعنا، رغم كلّ ما في الأمر من صعوبة. في النتيجة، الأوبئة الخطيرة في جنوب القطاع تقرّب النّصر وتقلّل أعداد المُصابين من جنود ’تساهال‘". ويلخّص آيلاند إلى القول: "هذه ليست قسوة لمجرّد القسوة فنحن لا نؤيّد معاناة الطرف الآخر كهدف وإنّما كوسيلة… ممنوع، بكلّ بساطة، ممنوع تبنّي الرّواية الأمريكيّة التي ’تسمح‘ لنا فقط بمحاربة مقاتلي حماس عوضاً عن القيام بما هو صحيح - أي محاربة كلّ المنظومة المعادية، إذ إنّ انهيارها على المستوى المدنيّ بالذّات سيقرّب نهاية الحرب".
الإغاثة الإنسانيّة ليست "لفتة" ولا "ورقة مُساومة"
لقد سبق جهات رسميّة أن أوضحت منذ بداية الحرب أنّ قطاع غزّة سيظلّ مغلقاً إلى أن يعود المختطفون. انطلاقاً من ذلك يمكن القول إنّ رفض إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى القطاع يعاقب السكّان على أفعال لم يقوموا بها، بل لا دخل لهُم بها أصلاً. مفهوم أيضاً أنّهم لا يملكون الآن أية وسيلة يمكن أن يؤثّروا بها على من نفّذ الأفعال كي يطلق سراح المختطفين. من هُنا فإنّ إحكام الإغلاق على القطاع هو إيقاع عقاب جماعيّ محظور على أكثر من مليوني إنسان هم سكّان القطاع. هذه الحجّة لا ينفيها تأييد جزء منهم لحركة "حماس"، وفقما تتذرّع به جهات رسميّة في إسرائيل.
إضافة إلى ذلك، إغلاق المعابر وإدخال موادّ إغاثة بكميّات ضئيلة فقط وبعيدة كلّ البُعد عن تلبية احتياجات السكّان المدنيّين هو بمثابة تجويع متعمّد لهُم. القانون الإنسانيّ الدوليّ يحظر استخدام تجويع السكّان، كجزء من أساليب القتال. هذا الحظر هو جزء من القانون العُرفيّ الذي يُلزم جميع دول العالم ومخالفته تشكّل جريمة حرب وفقاً لاتفاقية روما.
إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى قطاع غزّة ليس حسنة يُطلب من إسرائيل أن تمنّ بها على السكّان المدنيّين وإنّما هو جزء من الواجبات المفروضة عليها. وفقاً لأحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، إذا افتقر السكّان المدنيّون لمقوّمات الحياة أو البقاء فعلى الأطراف المتحاربة الالتزام الفعلي (أن تنشط فعليّاً) بإتاحة مرور موادّ الإغاثة الإنسانيّة على وجه السّرعة ودون إعاقة - بما في ذلك الغذاء والدّواء. ويجب أن يجري تقديم الإغاثة بشكل متواصل ودائم، لكي يتيقّن الناس من أنّه يمكنهم الحصول على الإغاثة في الغد أيضاً.
هذه القاعدة، الواردة في البروتوكول الأوّل الملحق بميثاق جنيف، تنصّ على أنّ واجب الدولة التي هي طرف في الصراع، بشأن إتاحة إدخال الإغاثة الإنسانيّة، يسري أيضاً في حال احتاج إليها المدنيّون من الطرف الآخر. هذا الواجب تُقصد منه الدول التي في موقع جغرافيّ يحتّم مرور الإغاثة عبرها أو حتى يجعله أكثر نجاعة فقط. تفسير هذه القاعدة يوضح أنّ أيّ طرف فيالنزاع لا يمكنه أن يرفض بشكل تعسّفي تمرير الإغاثة، رغم أنه من الواضح أنه يحقّ لكلّ طرف أن يُشرف على تمريرها وحتى أن يُجري تفتيشاً فيها. كذلك واجب إدخال الإغاثة أيضاً هو قاعدة عُرفيّة ، ولذلك فهو يسري على إسرائيل أيضاً.
رفْض إدخال الإغاثة الإنسانيّة هو أحد الجرائم الوارد ذكرها في اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدوليّة في لاهاي، والتي تنصّ على أنّ اتّباع التجويع المتعمّد للسكّان ضمن أساليب القتال، بما في ذلك عبر المنع المتعمّد للإغاثة الإنسانيّة ـ هو جريمة حرب.
يجب على إسرائيل السّماح بإدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى قطاع غزّة فوراً
في مؤتمر صحفيّ عُقد في 5.12.23 مساءً، تعامل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع الكارثة الإنسانيّة في قطاع غزّة باعتبارها مُشكلة بالنسبة لإسرائيل، ومن هنا الحاجة إلى معالجتها. قال نتنياهو: "نحن نعلم أنّه إذا ما حصل انهيار، أوبئة، أمراض، تلوّث المياه الجوفيّة وما إلى ذلك، فإن من شأن ذلك أن يوقف الحرب". وأضاف وزير الأمن غالانت: "مطلوب منّا توفير الحدّ الأدنى الإنسانيّ لكي نتمكّن من مواصلة الضغط العسكريّ".
إنّه تعامُل أداتيّ، كلبيٌّ وشرّير تجاه حياة أكثر من مليوني إنسان يضطرّون في هذه الأيّام إلى استجماع بقايا قواهُم من أجل الحصول على المياه والغذاء والمأوى لهُم ولعائلاتهم فقط لكي يتمكنوا من الصمود، مع استمرار القصف الإسرائيليّ المتواصل. لكنّ هذه الأقوال صادمة أيضاً في ما تنطوي عليه من صراحة: رئيس الحكومة ووزير الأمن يعترفان أمام الكاميرات بأنّ إسرائيل تُنتج عمداً كارثة إنسانيّة في قطاع غزّة. الأمر في يدها - إن هي أرادت، تكون الكارثة؛ وإن أرادت، تنحلّ. إنّه اعتراف بارتكاب جريمة حرب.
على إسرائيل أن تُتيح إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى القطاع. ليس فقط لأنّ هذا تصرّف أخلاقيّ وصائب، وإنّما أيضاً لأنّ هذا من واجبها وفقاً لأحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، وهي أحكام التزمت إسرائيل بتطبيقها. إدخال الإغاثة الإنسانية إلى القطاع لا يمكن أن يكون مشروطاً بأي شيء، ولا حتى بإطلاق سراح المختطفين - مثلما فعلت خلال وقف إطلاق النار حين أتاحت زيادة عدد الشاحنات الدّاخلة كجزء من الاتفاق الذي عُقد مع حماس، مقابل إطلاق سراح مختطفين. وبالطبع، على حماس في الوقت ذاته أن تطلق سراح جميع المختطفين فوراً دون قيد أو شرط. أخذ رهائن أمرٌ محظور تماماً، مهما كانت الظروف، وهو أيضاً يشكّل جريمة حرب.
على إسرائيل أن تتيح إدخال الإغاثة دون تحديد أو تقييد، وفقاً لاحتياجات السكّان. ضمن ذلك عليها أن تفتح معبر كرم أبو سالم وتتيح تمرير البضائع منه، إذ سيُتيح ذلك استجابة أكثر تناسُباً مع احتياجات السكّان. من يجب أن يحدّد كميّات الإغاثة المطلوبة هي وكالات الإغاثة الموكلة بهذا الأمر والمطّلعة على احتياجات السكّان، وليس حكومة إسرائيل، خاصّة وأنّها تتمسّك بـ"حدّ أدنى إنسانيّ" تعسّفي.
لقد اتّبعت إسرائيل هذه السياسة لدى فرض الحصار على القطاع في العام 2007، بعد أن استولت حماس على القطاع. في تشرين الأوّل 2010 وفي أعقاب التماس بشأن حرّية معلومات قدّمته جمعيّة "جيشاه - مسلك"، تبيّن أن إسرائيل طبّقت على مدار سنوات "سياسة تقليص متعمّدة" استندت إلى حسابات دقيقة بشأن استهلاك السّعرات الحراريّة في حدّها الأدنى المطلوب لإبقاء سكّان قطاع غزّة على قيد الحياة. كان هذا تصرّفاً غير قانوني وفي غاية القسوة آنذاك، ولا يزال كذلك في هذه الأيام أيضاً ـ غير قانوني وفي غاية القسوة. جرائم الحرب التي نفذتها حماس في هجومها المرعب يوم 7 تشرين الأول، في احتجازها غير القانوني للرهائن وفي إطلاق القذائف على إسرائيل خلال أيام القتال لا يمكن أن تشكل مبرراً لحرمان مليونيّ إنسان من الغذاء، الماء، الدواء والوقود.
في 4.12.23، بعد انتهاء وقف إطلاق النار، نشرت منسّقة الشؤون الإنسانيّة للمناطق المحتلّة، لين هاستينغز، بياناً أوضحت فيه: "نحن على أبواب سيناريو أكثر كابوسيّة، إذا كان بالإمكان تصوّر هذا أصلاً". الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، توجه يوم 6.12.23 إلى مجلس الأمن الدولي وأوضح أن الظروف البائسة في قطاع غزة من شأنها أن تؤدي إلى انهيار النظام العام، الأمر الذي سيحول دون إدخال حتى جزء محدود من الإغاثة الإنسانية. وكتب غوتيريش في رسالته إن منظمات الإغاثة قد أصبحت الآن عاجزة عن إغاثة السكان المحتاجين وحذر من أن المنظومة الإنسانية قد أضحت على شفا الانهيار ومن أ، الوضع يزداد سوءاً وتدهوراً بسرعة نحو كارثة ستكون لها انعكاسات لا يمكن ردّها على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها.
قبل أن تتحقق هذه النبوءة، يجب على إسرائيل أن تغيّر سياستها المرعبة التي عرضناها في هذه الوثيقة. هذا المسّ العميق بكرامة الإنسان الذي ينطوي عليه تطبيق هذه السّياسة واعتبار أكثر من مليوني إنسان هُم سكّان القطاع منزوعي الإنسانيّة والإرادة والاحتياجات والتعامل معهم وكأنهم مجرّد أدوات في لعبة الحرب ـ لا يمكن تبريرها ويجب أن تتوقّف!