Skip to main content
ميناء الصيادين في بيت لاهيا. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.2.18
Menu
المواضيع

معلّقون على الخطّاف: معاناة الصيّادين في قطاع غزة خلال العام 2018 بعد أن قضت إسرائيل تدريجيًّا على قطاع الصّيد

منذ أن صادرت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي حسكتي وأنا عاطل عن العمل ولا أستطيع إعالة أسرتي. الوضع في قطاع غزة صعب للغاية بسبب الحصار ولا توجد فرص عمل أخرى. في قطاع الصّيد كنت أكسب نحو عشرين شيكل في اليوم وهذا مكّنني من شراء الطعام والشراب لعائلتي أمّا الان فقد باتت حياتنا صعبة جدًّا.

تامر زيد من سكان بيت لاهيا، 27.8.18

المحنة التي يعانيها تامر زيد ليست حالة استثنائية فهو أحد آلاف الصيّادين في قطاع غزة الذين يعانون نتيجة قضاء إسرائيل تدريجيًّا على قطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزة: في الماضي قبل أن تفرض إسرائيل الحصار على قطاع غزة كانت تسمح بالصيد وصولًا إلى مسافة أقصاها 12 ميلًا بحريًّا (22 كيلومترًا) في عمق البحر. منذ ذلك الحين تواصل إسرائيل تغيير النطاق الذي يُسمح فيه الصّيد عدّة مرّات في السنة حيث بلغ في نهاية العام 2018 تسعة أميال بحريّة (حوالي 16.5 كيلومتر) في المناطق الواقعة جنوبيّ مدينة غزة وستّة أميال بحريّة (حوالي 9.5 كيلومتر) في المناطق الواقعة قبالة مدينة غزة وشمالها. إنّ الحدّ من مساحة الصيد يقلّص كميّة وأنواع الأسماك المتاحة للصيّادين مما يضرّ بمدخولهم.

Thumbnail
ميناء الصيادين في بيت لاهيا. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.2.18

بالإضافة إلى ذلك، تنكّل قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي بالصيّادين بشكل روتينيّ بدعوى أنهم تجاوزوا المساحة المسموحة للصّيد - رغم أنّ الصيّادين مجهّزين بأجهزة ملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) ويحرصون على عدم تجاوز المدى المُتاح. في العامين الماضيين قتلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ اثنين من الصيّادين وجرحت عشرات الصيّادين الآخرين بإطلاق الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. في بعض الحالات يقوم الجنود حتى باعتقال الصيّادين ومصادرة قواربهم (الحسكات). كما وتقيّد إسرائيل تصدير الأسماك وتسويقها وتحظر دخول الموادّ والمعدّات الضروريّة للعمل في الصّيد البحريّ بما في ذلك تلك اللّازمة لإصلاح القوارب والمحرّكات.

كل هذا أدّى إلى انهيار قطاع الصّيد البحريّ في القطاع: في عام 2000 كان هناك نحو 10,000 صيّاد مسجّل بينما اليوم هناك نحو 3,700 صيّاد مسجّل - وفعليًّا فقط نصفهم يعملون لأنّ العديد من قوارب الصّيد معطّلة بسبب حظر استيراد المواد الخام والمعدّات اللّازمة لإصلاحها أو لبناء قوارب جديدة بالإضافة إلى مصادرة القوارب من قبل الجيش. نحو 95٪ من الصيّادين يعيشون تحت خط الفقر والتي يبلغ في قطاع غزة 4.6 دولار في اليوم.

في عام 2018 قتلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ، الصيّاد إسماعيل أبو ريالة رميًا بالرصاص وأصابت ستة صيّادين آخرين بالرّصاص المعدنيّ المغلف بالمطّاط. بالإضافة إلى ذلك، في هذا العام، اعتقلت قوّات سلاح البحريّة 53 صيّادًا، ثلاثة منهم لم يتمّ إطلاق سراحهم بعد حتى شهر كانون الثاني 2018. خلال ملاحقتها للصيّادين صادرت قوّات سلاح البحريّة في عام 2018 العشرات من قوارب الصيد. كذلك، ونتيجة إطلاق النار من قِبل قوّات سلاح البحريّة جرى تكسير 32 كشاف في قوارب الصيد وثلاثة أجهزة ملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) وجهاز إيكو-ساوند الذي يسمح للصيّادين بتحديد مواقع الأسماك. كما وفُقدت في البحر 121 شبكة صيد خلال هذه الملاحقات.

إنّ سياسة دولة إسرائيل فيما يتعلق بقطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزة تُظهر بوضوح أنّه لا صحّة لادّعائها بأنها لم تعد مسؤولة عن مصير سكّان قطاع غزة وما يحدث في نطاقه. حتى اليوم لا تزال دولة إسرائيل تسيطر على العديد من جوانب حياة سكّان القطاع - احيانًا عن بُعد وأحيانًا أخرى في داخل القطاع - وقد أدّت ممارساتها في القطاع إلى انهيار قطاع الصّيد البحريّ وحال الصيّادين الصعب.

أحمد الصعيدي (40 عامًا) متزوج ولديه طفلان وهو من سكّان مخيم الشاطئ للّاجئين في شمال قطاع غزة ويعمل في قطاع الصّيد البحري منذ 15 عامًا. أدلى الصعيدي بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، محمد صباح، في 16.1.19 محدّثًا عن الصعوبات التي يواجهها في السنوات الأخيرة:

Thumbnail
أحمد الصعيدي. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 16.1.19

منذ أن كنت في الثامنة من عمري تمحورت حياتي كلّها حول الصّيد ومنذ سن الـ-15 أعمل مع إخوتي كصيّاد بدوام كامل. في التسعينيّات كنا ندخل في البحر إلى مسافة 12 ميلاً بحريًّا وهو نطاق الصيد الذي سمحت لنا إسرائيل به. كان في البحر سمك من جميع الأنواع وكنّا نعمل ليلَ نهار. كان العمل جيدًا والرّزق وفيرًا حيث تمكنّا من بيع الكثير من الأسماك. كان مستوى معيشتنا جيّدًا. في عام 2002 تزوّجت وبنيت منزلاً في مخيّم الشاطئ للّاجئين.

في العام 2000 وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية بدأت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي بالتضييق علينا تدريجيًّا. لقد قلّصت مسافة إسرائيل المنطقة المسموحة للصيد إلى أقل من 12 ميلًا بحريًّا. وبعد خطف شليط في العام 2006 أغلقت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ البحر بالكامل لفترات لا تقلّ عن ثلاثة أشهر في كلّ مرة. ثم قاموا بتقليص منطقة الصيد في البداية إلى ستة أميال بحريّة ثم إلى ثلاثة أميال. لم نعد نعرف متى يُسمح لنا بدخول البحر ومتى هو مغلق أمامنا. واصلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ تقييد امكانية إبحارنا رغم أنّه لا علاقة لنا بالمسائل السياسية فنحن مجرد صيّادين نرغب في كسب لقمة العيش.

في عام 2012 اعتقلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ أخي وثلاثة أقارب آخرين أثناء عملهم على قاربي وصادرت القارب. اضطررت لشراء قارب آخر حتى نتمكن من الاستمرار في العمل.

على مرّ السنين عانينا كثيرًا من اعتداءات قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ في الصيف والشتاء، ليلًا ونهارًا. طاردونا وأطلقوا النار علينا أحيانًا. اضطررنا للعمل في ظروف صعبة للغاية وخاطرنا بحياتنا. كنّا نخشى باستمرار أن يطاردونا أو يطلقوا النار علينا أو أن يعتقلونا أو يصادروا قاربنا. علاوة على ذلك، كلّما اندلعت حرب منعتنا إسرائيل بالكامل من دخول البحر.

قبل نحو السّنة اعتقلوني أثناء عملي في الصّيد مع ابن أخي وصادروا قاربي. منذ ذلك الحين بدأت حياتي في التدهور. بقيت بدون مصدر رزق لم يعد لي ولعائلتي ما نعتاش منه. ومنذ ذلك الحين أقضي معظم الوقت جالسًا في المنزل أو عند عتبة الباب أراقب الأشخاص الذين يمشون في الشارع وأفكر في حياتي كيف تعطّلت وتوقّفت. وأيضًا تسبّبت البطالة المفروضة عليّ قسرًا بمشاكل بيني وبين زوجتي لأنه لم يعد لدينا المال ولم أعد قادرًا على تلبية احتياجات عائلتي مثل الطعام والملابس ومصاريف بداية العام الدراسي.

يمكننا شراء اللحوم والدجاج فقط مرّة واحدة في الشهر بشرط أن أعمل مع صيّادين آخرين، أحيانًا لمدّة يوم وأحيانًا لبضعة أيّام؛ وإذا لم أحصل على عمل نبقى بدون أيّ مدخول. حتى الأسماك التي اعتمدنا عليها في غذائنا طيلة السنين نشتريها في السوق اليوم. نحن مضطرون لشراء السّمك وهذا أيضًا مرّة واحدة فقط في الشهر.

لقد أصبحنا عبئًا على المجتمع. أتلقّى معونات من وكالة الغوث للّاجئين "الأونروا" مثل الطعام. لقد أصبحت متسولًا وأشعر بالإهانة حين أمدّ يدي للنّاس. في الماضي لم أكن بحاجة إلى أيّ شخص لكننا اليوم نتوسّل للحصول على المساعدة. وأنا بطبيعة الحال لا أملك أيّة مهنة أخرى غير الصيد. قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ تحتجز قاربي وبذلك قد دفعت بي وبعائلتي إلى حياة الفقر.

Thumbnail
صديقة السّلطان. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 31.1.19

صديقة السّلطان (65 عامًا) متزوجة وأمّ لتسعة أولاد وهي من سكّان بيت لاهيا ويعمل زوجها وأولادها في قطاع الصّيد البحري. في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، التي أدلت بها في 31.1.19، حدّثت عن الصعوبات التي تواجهها العائلة في حياتها اليوميّة:

قبل اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، كان زوجي غالب السلطان (70 عامًا) يعمل في إسرائيل. بعد أن ألغت إسرائيل تصاريح العمل استخدمنا الأموال التي وفّرناها وبعنا قطعة صيغة لي لكي يتمكّن زوجي من شراء قارب ومعدّات للصّيد البحري. كلفنا هذا أكثر من 2000 دولار. اعتقدنا أنها فكرة جيّدة خاصّة وأنّنا نسكن بالقرب من الشاطئ. منذ ذلك الحين يعمل زوجي وأبنائي في الصّيد البحري. في السنوات الأولى كان العمل جيداً، وكان الدخل يصل أحياناً إلى 300-400 شيكل في اليوم. كان هذا كافياً لنا ولأبنائنا. استمرّ الأمر على هذا النحو لمدّة ستّ سنوات. في ذلك الوقت كان من الممكن إدخال معدّات صيد الأسماك إلى قطاع غزة ولم يقم الجيش بالاعتداء على الصيّادين أو إطلاق النار أو إلقاء القبض عليهم ولم يصادروا معدّاتهم. وكانت المساحة التي يُسمح فيها الصّيد 12 ميلًا بحريًّا.

في العام 2007 تغير الوضع حيث فرضت إسرائيل الحصار على قطاع غزة. بدأوا في الحدّ من المناطق المسموحة للصيد وتقليصها لستة أميال بحريّة ولاحقًا قلّصوها إلى ثلاثة أميال. كذلك بدأ الجيش الإسرائيلي بمطاردة الصيّادين حتى أثناء تواجدهم ضمن المناطق المسموحة للصيد.

عانى زوجي وأولادي من القيود الجديدة ومن مطاردات قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ لهم أثناء عملهم داخل البحر. في بعض الأحيان كانوا يطلقون النار عليهم فيضطرّون إلى الفرار وترك الشباك في البحر، فينتشلها الجيش من البحر ويصادر كلّ شيء. بسبب هذه الإجراءات وإغلاق المعابر كان هناك نقص في شباك الصيد وبالتالي ارتفع سعرها في الأسواق. وقد قفزت أسعار الشبك من 180 شيكل في عام 2007 إلى 500 شيكل.

منذ عام 2007 قام الجيش بمصادرة الكثير من معدّات الصيد من زوجي وأبنائي. كانت المرّة الأولى في عام 2009 عندما أطلقوا النار على زوجي وأولادي وهم في البحر. ثم اعتقلوا زوجي وابني رمضان (43 عامًا) وأطلقوا سراحهم في المساء. لكنّهم صادروا القارب والشباك. بعد أربع سنوات أعادوا لنا القارب ولكن بدون المعدّات وكان مدمّرًا ولا يصلح للاستخدام.

في غضون ذلك، أخذ زوجي قروضًا لشراء قارب ومعدّات جديدة وكان القارب الذي تمكّنّا من شرائه أصغر وأبسط من القارب الذي صادره الجيش.

في عام 2010 صادر الجيش القارب الجديد أيضًا وفي عام 2012 قام بمصادرة قارب آخر وقد فُقدت الشباك في البحر ولكن في النهاية أعادوا لنا القارب في حالة جيّدة وعاد زوجي إلى العمل. غير أنّه تمكن من اصطياد كميات قليلة من الأسماك في غياب ما يكفي من الشباك. في عام 2016 صادر الجيش القارب الرابع. لا يزال القارب والشباك في قبضة الجيش الإسرائيلي بعد أن تكلّفنا الكثير من المال لشرائهم. مع كلّ مصادرة كان يزداد وضعنا الاقتصادي تدهورًا.

أكثر اللّحظات رعبًا في حياتي عندما أسمع أنهم أطلقوا النار على الصيّادين مرّة أخرى. أشعر بالتوتر والقلق وأظلّ متوترة حتى يعود زوجي وأولادي إلى البيت.

في شهر تموز 2018 صادروا منّا القارب وكنّا قد اشتريناه مباشرة بعد أن صادروا القارب السّابق في عام 2016 مع شباك الصيد. أطلق الجنود النار على القارب وصادروه. في ذلك اليوم كان ابني محمد (26 عامًا) وحفيدي البالغ من العمر 22 عامًا في البحر. اعتقلهما الجيش عندما كانا على بعد ميلين بحريين من الشاطئ وأفرج عنهما في الصباح. لكنهم لم يعيدوا لنا القارب والشباك.

منذ ذلك الحين ليس لدينا نقود لشراء قارب وشباك صيد أخرى. هذه المصادرات المتكرّرة ضعضعت وضعنا المالي بشكل كبير - لم يتبقّ لنا شيء. ما زلنا مدينين أموالًا لقاء الشباك التي اشتريناها في الماضي؛ وحتى لو كان لدينا المال نحن سئمنا من شراء المعدّات ليعود الجيش ويقوم بمصادرتها. زوجي عاطل عن العمل فيما وجد أبناؤنا عملاً كصيّادين أجيرين. في بعض الأحيان يقول لي زوجي أنه يريد شراء قارب آخر لكنه يخشى أن يصادروه. إنّه يقبع في المنزل ولا يتلقى مساعدة من أيّة جهة وحالته النفسية صعبة للغاية.

وضعنا الآن صعب جدًّا. أنا التي كنت في السابق أبيع الأسماك في السوق أحتاج اليوم لشرائها وحتى ليس لدي ما يكفي من المال لدفع ثمنها. قبل أن يقوموا بمصادرة القارب الأخير كنّا نكسب ما يقارب خمسين شيكل في اليوم لأننا لا نملك سوى عدد قليل من شباك الصيد. بينما الآن يعمل أبنائي كصيّادين اجيرين ويكسبون أقلّ من 20-30 شيكل في اليوم وهذا لا يكفي لجميع احتياجاتنا.