Skip to main content
مرة مشاهدة: 1,509

جهاز تطبيق القانون العسكري كمنظومة لطمس الحقائق: مقتل مصطفى تميمي

في تاريخ 15/2/2016 أبلغت العقيد شارون زوغي ـ بنحاس، المدعية العسكريّة الرئيسيّة، منظمة بتسيلم رفض الاستئناف الذي قدّمته المنظمة على قرار إغلاق ملفّ التحقيق. قدّمت منظمة بتسيلم الاستئناف...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

جهاز تطبيق القانون العسكري كمنظومة لطمس الحقائق: مقتل مصطفى تميمي

مصطفى التميمي. تصوير: اكتيفستيليس. 10/9/2010.

في تاريخ 15/2/2016 أبلغت العقيد شارون زوغي ـ بنحاس، المدعية العسكريّة الرئيسيّة، منظمة بتسيلم رفض الاستئناف الذي قدّمته المنظمة على قرار إغلاق ملفّ التحقيق. قدّمت منظمة بتسيلم الاستئناف إلى النائب العسكري الرئيسيّ والنائب العام قبل ذلك بعام، في تاريخ -26/2/2015.

أصيب التميمي من قنبلة غاز مسيل للدموع أطلقها عليه أحد الجنود من مسافة قريبة جدًا في تاريخ -9/12/2011، بينما كان يرشق الحجارة على سيارة جيب عسكرية خلال مظاهرة في قرية النبي صالح. أصيب التميمي بجروح خطيرة، وتم نقله الى مستشفى "بيلينسون" وتوفي في اليوم التالي. فتحت شرطة التحقيقات العسكرية تحقيقا في هذه القضية على الفور ولكنها استغرقت وقتا طويلا جدا: فقط بعد مرور عامين، في تاريخ -5/12/2013 أبلغ النائب العسكري للشؤون الميدانية٬ المقدم رونين هيرش٬ منظمة بتسيلم بقراره إغلاق ملف القضية. في رسالته أبلغ أن النيابة قبلت بادعاء الجندي الذي أطلق قنبلة الغاز المسيل للدموع ـ الرقيب أ ـ بأنّه لم يتمكن من رؤية التميمي أثناء إطلاق القنبلة. وتم تعزير هذا الادعاء بوجهة نظر خبير والذي حدد بان الجندي لم يستطع ان يرى التميمي عند اطلاق النار. لذلك، أقر النائب، أن إطلاق قنبلة الغاز المسيل للدموع الذي تسبب في مقتل التميمي "نُفذ وفقًا للقواعد والتوجيهات ذات الصلة، ولم يكن تنفيذه مخالفًا للقانون".

رفضت المدعية العسكرية الرئيسيّة الاستئناف الذي قدمته منظمة بتسيلم وأقرت هي أيضا أن مادة التحقيق لا تشتمل على أدلة كافية لتثبت ان إطلاق قنبلة الغاز المسيل للدموع كان غير قانونيّ. رفضت المدعية أيضًا ادعاءات أخرى أوردتها منظمة بتسيلم في الاستئناف، والتي اشتملت على الإقرار بأنّ الجندي الذي أطلق النار قد رأى التميمي، او أنه كان عليه أن يكون مدركًا لوجود راشقي الحجارة بالقرب منه عند اطلاقه قنبلة الغاز المسيل للدموع؛ وإذا لم يكن مدركًا لذلك، فإنّه قد نفّذ عملية اطلاق "عمياء" وتجاوز بذلك الأوامر العسكرية. رفضت المدعية كذلك الادعاءات بشأن التخوّف من تعطيل مجرى التحقيق من قبل زملاء الجندي الذي أطلق النار، وأقرّت بأنه ليست هناك حاجة لبحث مسؤولية الضباط عن وفاة التميمي.

في ردّها، تشبثت المدعية العسكرية الرئيسيّة بكلّ طرف سيناريو، أيا كانت درجة لا معقوليّته، حتى وهو يتعارض مع الأدلة أو مع السيناريوهات الأخرى المعروضة في وقت سابق، وذلك بهدف تجنب فرض المسؤولية الجنائية على الجندي الذي أطلق النار أو على قادته.

الاستئناف ورفضه

ادعت منظمة بتسيلم في الاستئناف أن قرار النائب للشؤون الميدانيّة بعدم محاكمة أي شخص في هذا الملفّ هو أمر غير معقول لأن مواد التحقيق التي تمّ نقلها إلى بتسيلم تشير إلى أن هناك أدلة تثبت بما لا يدع مجالا للشك المسؤولية الجنائية للقادة والجنود عن وفاة التميمي. أساس الادعاءات في الاستئناف أنه وبناء على الأدلة الموضوعية ورأي اثنين من الخبراء من قِبل شرطة التحقيقات العسكرية، ليس هناك شك في أن تنفيذ الإطلاق الفتاك تمّ بتسديد مباشر وخلافا لقواعد اطلاق النار: كان الجندي الذي أطلق قنبلة الغاز المسيل للدموع يدرك، أو على الأقل كان ينبغي أن يدرك، وجود المتظاهرين بالقرب من سيارة الجيب، وبالتالي كان ينبغي أن يتجنب إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع بتسديد مباشر، بشكل يعرّض الحياة للخطر. حتى وفق رأي نائب الشؤون الميدانيّة، والذي ينصّ على أنّ الرقيب أ لم ير ولم يكن في مقدوره أن يرى التميمي وقت تنفيذ الإطلاق الفتاك، تمّ تنفيذ الإطلاق بشكل ينطوي على التقصير والخطر، وفي الواقع بشكل "أعمى"، وبشكل مخالف تماما لتعليمات اطلاق قذائف الغاز. في رفض الاستئناف، قبلت المدعية العسكرية الرئيسية رواية الجنديّ وأقرت بأنّه "فحص المنطقة ونظر من النافذة ومن فتحة الباب من أجل التأكّد من عدم وجود شخص في خطّ إطلاق النار أو بالقرب من المكان. وحتى قبل الضغط على الزناد، وقت تسديد سلاحه، تأكد من عدم وجود أشخاص في خط اطلاق النار وفتح عينه الثانية كما تنصّ تعليمات استخدام قذائف الغاز". خبراء عسكريون ممن أدلوا برأيهم في إطار التحقيق أثاروا احتمال بأنه على الرغم من هذا، أصيب التميمي لأنه كان يركض تجاه سيارة الجيب. هذا يعني أنه، بين لحظة الضغط على الزناد ولحظة الإصابة دخل التميمي خط إطلاق النار. وقالت المدعية في هذا الصدد أن "هذا ليس أمرا شائعا، لكن رأي الخبير يثبت أنه أمر محتمل، وعلى الأٌقل، نتج شكّ منطقي في هذا الأمر". المدعية العسكريّة الرئيسيّة أشارت في ردّها أنّ إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع بتسديد مباشر ليس أمرا غير قانونيّ في حد ذاته، وبما أن الرقيب أ تأكد قبل إطلاق قنبلة الغاز المسيل للدموع من عدم وجود شخص قد يتأذّى منه، فقد تصرّف وفق التعليمات. بما أنّه تصرّف بشكل قانونيّ، فإنّه لا حاجة من فحص مساهمة القادة في عملية إطلاق القنبلة غير القانونيّة.

إخفاقات في ردّ المدعية

يستند رد المدعية الرئيسيّة على تفسير مشوه للحقائق وقواعد إطلاق النار، والتي تهدف إلى ضمان عدم اضطرار جندي أو ضابط إلى تحمّل المسؤولية الجنائية عن وفاة التميمي. وفيما يلي بعض الأمثلة

  • هل رأى الرقيب أ التميمي قبل اطلاق قنبلة الغاز؟ الوصف الذي تقدّمه المدعية لظروف إطلاق القنبلة الفتاك على مصطفى التميمي يتناقض مع أدلة التي كشفها تحقيق شرطة التحقيقات العسكرية. هكذا، خلافا لتأكيد الخبير العسكري بأن ساعة الضغط على الزناد كان مجال الرؤية عند الرقيب أ من خلال شقّ باب الجيب فارغًا وفقط بعدها دخل التميمي خط إطلاق النار، لا تقتصر زاوية الرؤية عند الجندي مطلق النار من الجيب على شقّ سيارة الجيب. الإنسان الذي يتمتع برؤية سليمة لا يمكنه ألا يرى، عبر نافذة الجيب، شخصًا آخر يقترب منه راكضًا، من مسافة نحو عشرة أمتار، في يوم صاف ودون وجود حواجز في الطريق. المدعية العسكرية الرئيسيّة اختارت تجاهل هذه الحقائق وبدلا من ذلك فضّلت الرواية الغريبة التي قدمها الخبير العسكري، رغم اعترافها بأنّ الحديث يدور حول "حدث غير مألوف".

مجال الرؤية من الجيب العسكري ـ من فتحة باب الجيب والشباك الخلفي. الصورة من تمثيل استعادة الحدث والذي تم في نطاق التحقيق.
مجال الرؤية من الجيب العسكري ـ من فتحة باب الجيب والشباك الخلفي. الصورة من تمثيل استعادة الحدث والذي تم في نطاق التحقيق.

  • هل تم إطلاق القنبلة الفتاكة وفق التعليمات؟ حتى لو قبلنا بالسيناريو غير المنطقي والذي وفقه لا يمكن للرقيب أ أن يكون قادرا على رؤية التميمي وقت ضغطه على الزناد، فإن ذلك لا يعني أن إطلاق القنبلة كان قانونيًا. وفق رأي المدعية، إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع من قاذفة بتسديد مباشر ليس أمرًا غير قانونيّ، على الرغم من أن الجنديّ المنفّذ كان عليه أن يتأكد من أنّه لن يصاب شخص من إطلاق القنبلة. بما أن الرقيب أ يزعم أنه تأكد بالفعل من ذلك، وبما أنه لا توجد أدلة تجيز معارضة ادعاءه، استنتجت المدعية أنه لم يكن هناك ما يخالف القانون في إطلاق القنبلة. ولكن هذا التفسير للتعليمات خالٍ من المضمون: وفق التعليمات، فإن اطلاق القنبلة بتسديد مباشر هو الأمر الاستثنائيّ وكلّ عملية إطلاق على هذا النحو، تستوجب مجموعة من الخطوات لضمان عدم إصابة الناس نتيجة له. بالتأكيد يحظر على الجندي إطلاق النار بشكل "أعمى"، في حالة كون مجال الرؤية لديه محدودًا. في هذه الحالة، لم يقدّم الرقيب أ أي دليل على أنه اتخذ الاحتياطات اللازمة، وحتّى أنه فسّر بنفسه أن مجال رؤيته وقت إطلاق القنبلة كان محدودا. وقد قبلت المدعية العسكرية الرئيسية بهذا الادعاء كما هو ودون تقديم أي تفسير من قبلها، على الرغم من النتائج القاتلة جراء اطلاق القنبلة. نظرا لذلك، فإنه ليس من الواضح ما هي الاحتياطات التي يجب اتخاذها، وفق النيابة العسكرية، قبل تنفيذ عمليّة الإطلاق بتسديد مباشر، وما هي الظروف التي يحظر فيها ذلك.

  • هل كان هناك مبرر أصلاً لعملية إطلاق قنبلة الغاز؟ تدعي منظمة بتسيلم في الاستئناف، أن هناك اشتباه بأن الجنود في سيارة الجيب نسّقوا شهاداتهم في محاولة لتقديم مبرر لإطلاق قنبلة الغاز المسيل للدموع. ظهرت في شهادات أربعة جنود احدى التفاصيل متطابقة بشكل يتناقض مع التوثيق الظاهر في الصور. وفقا لرواية جميع الجنود، قام الجندي الذي أطلق القنبلة بفتح شق الباب الخلفي للجيب حتى يمكّن السائق من القيادة الى الخلف دون أن يصيب أحدا، لأن كاميرا الجيب الخلفية كانت معطلة. عندما فُتح الباب أصيب الجندي في صدره جراء رشق حجارة عليه، ولهذا طلب من السائق التوقف حتى يتمكن من اطلاق قنبال الغاز المسيل للدموع لإبعاد راشقي الحجارة. ولكن كل مقطع عودة سيارة جيب الى الخلف تم توثيقه في الصور ومن السهل ملاحظة أن أبواب الجيب لم تُفتَح أثناء ذلك. رغم أن المدعية العسكرية الرئيسية لم تعتمد على رواية الجنود هذه لرفض الاستئناف، الا انها رفضت الادلة الواضحة في مسألة الادعاء لأنه لا يمكن التحديد بشكل قاطع ما حدث فعلا.

    رفضت المدعية ادعاءات اخرى في الاستئناف، والتي وفقها لم يكن هناك مبرر لاطلاق قنبلة الغاز المسيل للدموع. تم تنفيذ ذلك بواسطة القوة الموجودة في المركبة الاخيرة في القافلة، التي تجوّلت سيرًا بعد أن أتمّت مهمتها في اخلاء حاجز من الحجارة على الطريق. أقرت المدعية أنّه "حتى لو كان من الممكن القول ان الاطلاق الذي نفذه الرقيب أ لم يكن ضروريا في هذه الظروف، لا يمكن الإقرار بأن الحديث يدور حول عملية اطلاق غير منطقية في ظل رشق الحجارة على الجيب". لكن هذا الاقرار يتعارض مع اقرار آخر للمدعية في رسالتها، والذي وفقه، كان أ ينوي اطلاق الغاز المسيل للدموع باتجاه مجموعة من المتظاهرين وقفوا على المصاطب على بعد نحو مئة متر من سيارة الجيب. ويبدو أنه في رأي المدعية العسكرية الرئيسية، يتم تحديد بلورة سيناريو الحدث وفق مبدأ تعظيم التستر: عندما يكون السؤال ما إذا كان الجندي الذي أطلق قنبلة الغاز المسيل للدموع على راشقي الحجارة القريبين منه، يقصد ذلك، فإن السيناريو المختار يكون باتجاه المسافة. وعندما يدور السؤال حول مبرر اطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، فإن السيناريو يكون رشق الحجارة من مسافة قصيرة. تجاهلت المدعية كذلك حقيقة أن أي خطر يشكله راشقو الحجارة، والذي برر ظاهريا اطلاق قنبلة غاز اطلاق النار، كان سيكون أقلّ، لو تصرف الجنود بطريقة أقل خطورة، وأغلقوا الباب الخلفي لسيارة الجيب المدرعة التي سافروا فيها.


اضغطوا هنا لمشاهدة عرض الصور. توثيق اطلاق النار على مصطفى التميمي. تصوير: حاييم شوارتسبرج. 9/12/2011.

  • مسؤولية القادة ادّعت منظمة بتسيلم أن القادة تقاعسوا في نقل تعليمات استخدام قاذفات قنابل الغاز المسيل للدموع، وحتى أنهم شجعوا إطلاق القنابل غير القانوني والخطير، وبالتالي فهم مسؤولون عن مقتل التميمي. رفضت المدعية العسكرية الرئيسية هذا الادعاء وأقرت بأنه وبما أن العملية ليست مخالفة للقانون، لا يمكن أن تكون هناك مسؤولية جنائيّة على القادة عن العملية. لكن مسؤولية القادة أكبر من مسؤولية الجنود. حتى لو لم يكن الجندي البسيط يتحمل أي مسؤولية جنائيّة، لا يزال القادة يتحملون المسؤولية الجنائيّة عن طريقة التجهيز، الأوامر، إدارة الحدث وغيرها.

معالجة النيابة العسكرية وشرطة التحقيقات العسكرية هذه الحالة تجسد مرة أخرى محدودية منظومة تطبيق القانون، الموجهة دائما إلى حدث معزول وليس الى الجوانب المنظوماتية والمسائل التي تتعلق بالسياسة، والجنود الصغار بدلا من القادة المسؤولين. لكن انعكاسات سلوك النيابة العسكرية في هذه القضية تتجاوز هذه الحالة. أولا المرونة في التفسير، التي تظهرها المدعية العسكرية الرئيسيّة بالنسبة الى تعليمات استخدام الأسلحة المختلفة ومجال العمل، يُفرغ هذه التعليمات من المضمون ويسمح بالمساس بالآخرين مستقبلا ايضًا. ثانيا، قرار إغلاق الملف دون اتخاذ خطوات ضد المتورطين يرسل رسالة واضحة للجنود بانهم يتمتعون بالحصانة تقريبا في كل عملية ينفذونها على الأراضي المحتلة. في الواقع، لم يكن مقتل مصطفى التميمي الحادثة الأولى التي انتهت بوفاة أو بإصابة خطيرة لشخص إصابته قنبلة غاز مسيل للدموع. تكرار تجنب النيابة العسكرية لفرض تعليمات الجيش فيما يتعلق باطلاق الغاز المسيل للدموع على الجنود يساهم في تكرار مثل هذه الحوادث.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الموقع:

معلومات اضافية:

آخر الفيديوهات