Skip to main content
Menu
المواضيع

وادي قانا: من وادٍ زراعيّ فلسطينيّ إلى متنزّه سياحيّ للمستوطنات

قطف البرتقال في وادي قانا. تصوبر: إياد منصور
قطف البرتقال في وادي قانا. تصوبر: إياد

يُعتبر وادي قانا أحد تفرّعات نهر العوجا (هَيَرون)، وفي قسمه المركزيّ الواقع في منطقة C ثمة ينابيع وجداول عدة تتفرّع عنه. وتقع أراضيه بملكيّة فلسطينيّة، غالبيتهم من قرية دير إيستا المجاروة، وهم يستخدمونها للزراعة والرعي. منذ أجيال عديدة، وحتى سنوات التسعين، درجت عدّة عائلات من القرية على السكن في الوادي، وكانوا يعتمدون على الجداول للشر وللريّ الزراعيّ لأشجار الحمضيّات والخضروات. وما يزال سكان دير إيستا والقرى المجاورة يدرجون لليوم على الاستجمام عند ضفاف الوادي والتمتع بمياهه.

بين الأعوام 1978 و1986 أقيمت عدّة مستوطنات على التلال المُطّلة على ضفتيِّ الوادي: عمانويل وكرنيه شومرون من الشمال، ويكير ونوفيم من الجنوب. ومع الوقت توسّعت مستوطنة كرنيه شومرون لتمتدّ على عدّة تلال مجاورة. بين الأعوام 1998 و2000 أقيمت إلى جانب هذه المستوطنات بؤر استيطانيّة وهي ألوني شيلو وإل متان وحفات يئير. وقد ضخّت المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة مياه مجاريها إلى الوادي وأضرّت بجداوله وينابيعه وبمصادر المياه التي يعتمد عليها المزارعون.


منازل رعاة في وادي قانا. منازل مستوطنة ياكير في الخلفية. تصوير: جميل دويكات.

وفي أعقاب تلويه مياه الشرب، اضطرّت العائلات الفلسطينيّة الخمسين التي سكنت في المكان وقتها واستصلحته لترك الوادي في سنوات التسعين، والانتقال إلى دير إيستا. وتضرّرت مياه الجداول أيضًا بسبب حفريات المياه التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة منذ سنوات السبعين: فقد هزلت كميّتها وبالتالي خفّ تيار المياه في الوادي. وأدّت تلويث المياه وشحّها إلى زيادة صعوبة مواصلة الزراعة المرويّة في المكان. وهكذا، ترك مزارعون كثر المحاصيل التي تستوجب الريّ وبدؤوا بغرس أشجار الزيتون بالأساس، وهي أشجار لا تكاد تحتاج للريّ، وبعض أشجار الفاكهة المتساقطة. اضطرّ المزارعون الفلسطينيّون للتنازل عن الزراعة المرويّة والانتقال لغرس أشجار الزيتون التي تكاد لا تحتاج للرّيّ.

في عام 1983 أعلنت سلطة الطبيعة والحدائق عن تأسيس محميّة طبيعيّة في المحميّات والحدائق التابعة للإدارة المدنيّة، مساحتها نحو 14,000 دونم وذلك في قناة وادي قادي والمنحدرات التي فوقه، وهي محميّة ناحل كَنيه. وحتى السنوات الأخيرة لم يؤثّر هذا الإعلان على أصحاب الأراضي الفلسطينيّة، إذ واصلوا استخدام مياه الينابيع واستصلاح أراضيهم في الوادي والاستجمام فيها. ورغم هذا الإعلان واصلت المستوطنات ضخّ مياه مجاريها إلى الوادي حتى عام 2006، عندها تمّ ربط المستوطنات المعترف بها بشبكة المجاري وتقلّص التلويث. لكنّ مجاري بؤرتي ألوني شيلو وإل متان ما تزال تُضخّ مباشرة إلى المحميّة الطبيعيّة، فيما تؤدّي انسدادات متكررة في جهاز المجاري التابع لمستوطنتي نوفيم ويكير إلى تلويث مياه الوادي من مرة إلى أخرى.

تدفقات مياه الصرف الصحي المستوطنات في وادي قانا. تصوير: بلال منصور
تدفقات مياه الصرف الصحي المستوطنات في وادي قانا. تصوير: بلال منصور

ويؤدي مسار جدار الفصل المُخطّط في المنطقة إلى فصل وادي قانا عن أصحاب الأراضي في دير إيستا، ليتركه في الجانب "الإسرائيليّ" في ما يشبه المُسوّرة. ويأتي هذا على شاكلة الكثير من المُسوّرات الأخرى التي يسببها مسار الجدار، بغية ربط المستوطنات بالمنطقة التابعة لإسرائيل وضمّ المزيد من المناطق إليها، وهي المناطق التي ستُغلق أمام الفلسطينيّين. وعلى شاكلة ما حدث مع المُسوّرات الأخرى التي من المخطط أن تدخل في عمق المنطقة الفلسطينيّة، فإنّ الجدار في وادي قانا لم يُشيّد بعد.

مُخطّطات لتطوير وادي قانا كموقع سياحيّ

في عام 2006 أقيمت مديريّة ترميم وادي قانا، التي تهدف لترميم الوادي وتطوير السياحة فيه. وتعمل في المديريّة أربع جهات: مستوطنة كرنيه شومرون، ووزارة جودة البيئة، وسلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة. وقالت جهات في مجلس المستوطنة للإعلام إنّ إحدى الغايات من مخطط الترميم تكمن في تعزيز الوجود اليهوديّ في الموقع، ردًّا على "جهات فلسطينيّة تحاول السيطرة على الوادي". في العام ذاته بدأ مجلس كرنيه شومرون بإجراء مسيرة سنويّة كلّ ربيع. وقد أعلن رئيس مجلس كرنيه شومرون وقتها، هرتسل بن أري، أثناء المسيرة التي جرت عام 2010، أنّ المسيرة "جزء من مخططنا الشامل لتحويل وادي قانا إلى الساحة الأماميّة لكرنيه شومرون". وقد حظر الجيش دخول الفلسطينيّين في أثناء المسيرات –منهم أصحاب أراضٍ- إلى وادي قانا..


خارطة المنطقة. بالاخضر: وادي قانا

بادرت مديريّة ترميم الوادي عام 2010 إلى "مشروع متنزّه قانا"، الذي يُدار بشراكة مجالس المستوطنات في المنطقة وممثلي سلطة الطبيعة والحدائق والصندوق الدائم لإسرائيل، بتكلفة تُقدّر بثمانية حتى تسعة ملايين شيكل. بدأ تطبيق المشروع في السنوات الأخيرة، وهو يشمل إقامة مِطلاّت في المستوطنات القائمة فوق الوادي، و.شقّ طريق للدراجات الهوائيّة من بؤرة ألوني شيلو الاستيطانيّة وحتى قلب المحميّة الطبيعيّة، الذي أنجز في تشرين الأول 2013 بمساعدة ميزانيّة من وزارة السياحة، وإقامة كورنيش محيط بالمنطقة، إلى جانب وضع اليافطات والدعاية وتنظيم مسارات مع علامات تابعة لسلطة الطبيعة والحدائق تبلور المشروع ليصبح مخطّطًا هيكليًّا، وفي تشرين الثاني 2013 قدّم مجلس كرنيه شومرون "مخطط وادي قانا" (ناحَل كانيه) إلى مكتب التخطيط في مجلس الشومرون الإقليميّ. ويسعى المخطط لتحويل وادي قانا إلى مورد يوفر النشاطات السياحيّة المُدرّة للربح الماديّ للمستوطنات من حوله، والتي ستستقطب إليها سكانًا جددًا. ويشمل المخطط شقّ الشوارع بين المستوطنات ومنها إلى الوادي، وفتح سُبُل طبيعيّة وطرقا للدراجات الهوائيّة ومسارات للسير تصل بين الوادي وبين المستوطنات القائمة فوقه، إلى جانب بناء المواقع المُشرفة ومواقف السيّارات ومواقع التنزّه.

يهدف هذا المخطط لخدمة المتنزّهين الإسرائيليّين؛ وهو يتجاهل تمامًا حقيقة أنّ أراضي وادي قانا تتبع لملكيّة فلسطينيّة خصوصيّة، يقوم أصحابها باستصلاحها وتشكّل موقع استجمام لصالح الجمهور الفلسطينيّ. ويؤدّي مخطط الشوارع في المنطقة إلى إلغاء الشارع الفلسطينيّ المؤدّي حاليًّا إلى الوادي، ويقترح بدلا منه طريقًا بديلة جديدة. إلاّ أنّ هذه الطريق تمرّ فوق أراضٍ فلسطينيّة خصوصيّة، في داخل كروم زيتون مكتظّة، وعليه فإنّها ستؤدّي إلى مسّ آخر بالمزارعين الفلسطينيّين، وهي تخصص جزءًا يسيرًا فقط من الوادي يكون مفتوحًا أمامهم. وفي حال اكتمال بناء جدار الفصل في المنطقة، فإنّ هذه الطريق ستُسدّ هي الأخرى.

بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور
بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور

إبعاد الفلسطينيّين عن وادي قانا

تسود قرية دير إيستا، على غرار الكثير من القرى الفلسطينيّة الأخرى، نسب بطالة عالية، وحتى من يعمل فإنّه يستصعب كسب رزق عائلته، بسبب مستويات الأجور المتدنّية. تقع غالبيّة أراضي القرية في منطقة C، وتمنع إسرائيل استغلالها لغايات صناعيّة أو تجاريّة. ولذلك فإنّ استصلاح الأراضي في المنطقة، ومن بينها أراضي وادي قانا، يشكّل أحد مصادر الدخل الشحيحة المتاحة أمام السكّان.

وقد بدأ إبعاد المزارعين الفلسطينيّين عن وادي قانا مع تلويث الوادي بمجاري المستوطنات التي أقيمت فوقه؛ وبعد ترميم الوادي يستمرّ هذا الأمر عبر تطوير المكان كموقع سياحيّ إسرائيليّ. وفي أعقاب هذا التطوير، بدأت سلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة بفرض قيود جسيمة على النشاط الزراعيّ الفلسطينيّ في المكان، بادّعاء أنّ الأمر يشكّل مسًّا بالقيم الطبيعيّة في المحميّة. في عام 2010 جرف مراقبو سلطة المحميّات الطبيعيّة وأتلفوا قنوات الريّ التي حفرها السكان من أجل حرف مسار المياه من الوادي إلى أراضيهم، وبدءً من العام 2011 فإنّهم يمنعون المزارعين من غرس الأشجار في أراضيهم في الوادي بواسطة مصادرة الأشتال وقلع الأشجار. وحتى اليوم اُقتلع نحو ألف شجرة، وصدرت أوامر اقتلاع ضدّ آلاف الأشجار الأخرى.

في عام 2012 التمس عدد من أصحاب الأراضي المحكمة العليا ضدّ الإدارة المدنيّة وسلطة الطبيعة والحدائق، في أعقاب أوامر أصدرتها الجهتان المذكورتان من أجل اقتلاع نحو 1,500 شجرة زيتون. وادّعت السلطتان أنّ الأوامر صدرت ضدّ غرس جديد للأشجار تمّ كجزء من "نزعة واضحة لاستصلاح المناطق الطبيعيّة" في المحميّة، من خلال المسّ بالناتات الطبيعيّة، وشكل المنطقة وطابعها النباتيّ. وبعد إجراء مفاوضات توصّل ممثلو الملتمسين وممثلو الدولة إلى اتفاق يقضي بوضع علامات على الأشجاء المُعدّة للاقتلاع سوية. وفي أيار 2013 منحت المحكمة سريانَ قرار حكم على هذه التسوية. وقال القضاء أثناء تلاوة القرار إنّ الأشجار التي ستُقتلع هي التي غُرست في السنتيْن اللتين سبقتا صدور الأوامر، أي بعد نيسان 2010. لكنّ أصحاب الأراضي يقولون إنّ مراقبي سلطة الطبيعة والحدائق وضعوا علامات خلال السنة على أشجار غُرست قبل هذا الموعد، أيضًا.

بركة طبيعية في وادي قانا. تصوير: بتسيلم، 27/3/2014.
بركة طبيعية في وادي قانا. تصوير: شارون عزران، بتسيلم، 27/3/2014.

تجاهل السلطات للمسّ الذي يلحقه المستوطنون بالمحميّة

خلافًا لتدابير فرض القانون المتطرفة التي تُمارس ضدّ المزارعين الفلسطينيّين، فإنّ السلطات تتجاهل النشاطات غير القانونيّة التي يقوم بها المستوطنون في نطاق المحميّة، والتي تشمل البناء المكثّف وشقّ الطرق وضخّ المجاري إلى الوادي.

في ردّها على الالتماس الذي قُدّم للعليا ضدّ اقتلاع الأشجار، ادّعت سلطة الطبيعة والحدائق أنها "تفحص كلّ مسّ في نطاق المحميّة الطبيعيّة، من دون علاقة بهوية مقترفيه، وتوصي بوقف المسّ واجتثاث الظاهرة ما دامت مستمرّة". ولكنّ السلطة تتجاهل على أرض الواقع، أو أنها تماطل على الأقل، كلّ ما يخصّ هذه المخالفات:

  • نحو 100 بيت من بيوت مستوطنات يكير ونوفيم وكرنيه شومرون شُيّدت في نطاق المحميّة. وفي عام 2014 جرى إيداع مخططات هيكليّة لتوسيع مستوطنة يكير وتبييض بؤرة إل ماتان الاستيطانيّة، تشمل تغيير أهداف مناطق مُعرّفة اليوم كمحميّة طبيعيّة، إلى مناطق سكنيّة.

  • جرى شقّ الطريق الموصلة إلى بؤرة ألوني شيلو الاستيطانيّة في داخل المحميّة. في آب 2014 شُقّت طريق جديدة في المحميّة، من ألوني شيلو باتجاه عمانويل. وقد جرت هذه الأعمال من دون ترخيص وألحق الأضرار بالمحميّة، وجرى إيقافها في أعقاب شكاوى الفلسطينيّين من سكان القرى المجاورة. وقد مرّت أكثر من نصف سنة من وقتها، وما تزال سلطة الطبيعة والحدائق تحقّق في المسألة.

  • كما أسلفنا، جرى ضخّ مجاري المستوطنات الواقعة فوق وادي قانان، إلى الوادي لمدّة تقارب عشرين عامًا، بلا حسيب أو رقيب. وحتى اليوم، يستمر تلويث الوادي بمياه المجاري الآتية من البؤر الاستيطانيّة وجراء الأعطاب التي تحدث في جهاز المجاري في المستوطنات.

بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور
بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور

الطبيعة في وادي قانا خاصّة ومثيرة للانطباع فعلاً ومن الجدير الحفاظ عليها، إلاّ أنّ الزراعة الفلسطينيّة التقليديّة في الموقع هي جزء لا يتجزّأ منها. زد على ذلك أنّ مسلكيات السلطات الإسرائيليّة التي أدّت إلى شحّ انسياب مياه الوادي بسبب الحفريات في المنطقة وسمحت بتلويثها عبر مياه المجاري القادمة من المستوطنات، هي التي اضطرّت المزارعين الفلسطينيّين لتغيير طابع محاصيلهم في الوادي من زراعة مرويّة إلى أشجار الزيتون. يجب على كلّ محاولة جديّة لترميم الوادي أن تشمل ترميم تيار المياه فيه والتوقف عن ضخّ المجاري إليه بما سيسمح للمزارعين بكسب رزقهم ثانية من الزراعة المرويّة في الوادي، كما درجوا على ذلك في السابق.

وحتى لو كان من المناسب الإعلان عن الموقع كمحميّة طبيعيّة، فإنّ مثل هذه المحميّة يجب أن تخدم أولاً وأخيرًا الجمهور الفلسطينيّ الذي تتبع له. ولكن في واقع الأمر، فإنّ الإعلان عن وادي قانا، أسوة بأماكن أخرى في منطقة C، كمحميّة طبيعيّة، يهدف بشكل كبير لإبعاد وإقصاء الفلسطينيّين عن أراضيهم. وقد أُعلن عن مئات آلاف الدونمات في منطقة C –14% من المنطقة- كمحميات طبيعيّة أو كحدائق وطنيّة، وتقوم السطات الإٍسرائيليّة في كل هذه المناطق بمنع الفلسطنيّين من البناء وتطوير المنطقة وتقيّد استخداماتها، كما جرى في أماكن أخرى، وذلك بواسطة الإعلان عن مناطق التدريبات العسكريّة أو الإعلان عن أراضي دولة.

إنّ إبعاد وإقصاء المزارعين الفلسطينيّين عن أراضيهم في وادي قانا ينتهك حقّهم بالملكيّة ومصادر أرزاقهم. وفي ظاهر الأمر يجري هذا باسم الدفاع عن قيم الطبيعة في الموقع، إلاّ أنّ أحدًا لا يمنع المستوطنات من الدوس على هذه القيم. زد على ذلك أنّ مخطط تحويل الوادي إلى متنزّه مليء بالسبل الطبيعية والطرق والمتنزّهين، يشير إلى النيّة الحقيقيّة التي تضمرها سلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة، وهي تعميق السيطرة الإسرائيليّة على الوادي وتخصيصه للمستوطنات.