Skip to main content
Menu
المواضيع

خلفية عن عنف المستوطنين ومواطنين إسرائيليين

أضحى عنف المستوطنين (وأحياناً عنف المواطنين الإسرائيليّين الذين ليسوا مستوطنين) ضدّ الفلسطينيين منذ فترة طويلة جزءاً لا يتجزأ من روتين الاحتلال في الضفة الغربيّة. تشمل أعمال العنف هذه - التي ينتج عنها انتهاك لحياة الفلسطينيّين وسلامة أجسادهم وممتلكاتهم وأراضيهم - مجموعة واسعة من الممارسات، بدءًا بإغلاق الطّرقات ورشق الحجارة على السيارات والمنازل، مرورًا بمداهمة القرى والأراضي وإحراق حقول الزيتون والمحاصيل وتدمير وإتلاف الممتلكات وصولاً إلى الاعتداءات الجسدية وأحياناً الزجاجات الحارقة (المولوتوف) وإطلاق النار.

يقع على عاتق إسرائيل واجب حماية سكّان الضّفة الغربيّة من أعمال العنف هذه لكن قوّات الأمن وأجهزة تطبيق القانون لا تقوم بواجبها، حتى في الحالات التي يمكن فيها التكهّن بحدوث مثل هذه الاعتداءات. تشير آلاف الإفادات وأشرطة الفيديو والتّقارير والمتابعة طويلة الأمد التي قامت بها منظمة "بتسيلم" ومؤسسات أخرى حول هذا الموضوع، تشير إلى أنّ قوّات الأمن تسمح للمستوطنين على نحوٍ روتينيّ بإلحاق الأذى بالفلسطينيّين بل إنها ترافق المستوطنين لدى تنفيذ اعتداءاتهم وتدعمهم وتؤمّن لهم الحماية، وأحيانًا تنضمّ إلى صفوفهم كمعتدية. وفي بعض الحالات تفضّل قوّات الأمن إبعاد الفلسطينيّين تحديدًا من أجل تجنّب الإصابات.

إنّ النتيجة بعيدة المدى لأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون هي سلب مناطق آخذة بالازدياد من أيدي الفلسطينيّين في جميع أنحاء الضفّة الغربيّة وهو الأمر الذي يسهّل على الدولة السّيطرة على الضفّة الغربيّة ومواردها.

نادراً ما يضطرّ المستوطنون إلى دفع ثمن الأذى الذي يُلحقونه بالفلسطينيّين وفي الغالبية العظمى من الحالات تُغلق ملفّات التّحقيق (إذا فُتحت أصلاً) دون التوصّل إلى شيء. لقد تمّ توثيق هذا الواقع في سلسلة طويلة من تقارير مؤسسات حقوق الإنسان وتقارير رسميّة (مثل تقرير لجنة كارب الذي صدر عام 1982 وتقرير لجنة شامغار الذي صدر عام 1994) أكّدت جميعها أنّ السّلطات الإسرائيليّة تتبنّى سياسة غير معلنة من التسامح والتهاون وعدم تنفيذ القانون بحقّ الجناة.

من معطيات نشرتها مؤسسة "يِش دين" في أيّار 2015، تلخيصًا لعشر سنوات من نشاطها يتبيّن أن ما يقارب 85% من ملفّات التّحقيق التي تمّ فتحها في أعقاب الاعتداء وإصابة الفلسطينيّين (من جرائم عنف وإحراق متعمّد وإلحاق أضرار بالممتلكات والأشجار والاستيلاء على الأراضي) تم إغلاقها دون التوصّل إلى شيء، وأنّ  احتمالات أن تنتهي شكوى قدّمها فلسطيني لدى الشّرطة بإدانة مواطن إسرائيلي لا تتعدّى 1.9٪. وبسبب هذه السّياسة يتخلى العديد من الفلسطينيّين سلفاً عن تقديم شكوى إلى الشرطة بشأن الجرائم المرتكَبة ضدّهم.

منذ تأسيسها قامت منظمة "بتسيلم" بتوثيق أعمال عنف المستوطنين وعلى مدى سنوات عديدة أكّدت "بتسيلم" أنّ من واجب قوّات الأمن حماية الفلسطينيّين وممتلكاتهم من عنف المستوطنين. كذلك أكّدت "بتسيلم" أنّ من واجب السّلطات إعداد وتخصيص قوّات تعمل على منع اعتداءات المستوطنين المتوقع حدوثها علنًا، عبر التدخّل في الوقت المناسب للقبض على المعتدين. إضافة إلى ذلك أكّدت "بتسيلم" على واجب التّحقيق بسرعة وفعاليّة بالاعتداءات بعد وقوعها. وثّقت "بتسيلم" أحداثًا هاجم فيها المستوطنون فلسطينيّين - بما في ذلك أشرطة فيديو صوّرها المتطوّعون في المؤسسة - وسلّمت الموادّ إلى الشّرطة والجيش. كما وساعدت "بتسيلم" الضحايا الفلسطينيّين في الوصول إلى مراكز الشّرطة وتقديم الشكاوى وتابعت مجريات التّحقيقات، بما في ذلك تقديم اعتراضات على إغلاق الملفّات. وبعد المثابرة على هذا العمل طيلة أكثر من 25 عامًا لا مناص من الاستنتاج أنّ أداء السّلطات لا يوفّر من تطبيق القانون على المستوطنين سوى المظهر، وما عدا بعض الحالات الاستثنائية فإنّ هذه السلطات غير معنيّة مطلقًا بالتحقيق في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيّين.

من الأمثلة البارزة على أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون ضدّ الفلسطينيّين تلك التي تحصل كلّ عام في موسم قطاف الزّيتون. في أعقاب هجمات متكرّرة شنّها المستوطنون على المزارعين الفلسطينيّين منع الجيش المزارعين من الوصول إلى أراضيهم المحاذية للمستوطنات، بدلاً من توفير الحماية لهم وتطبيق القانون ضدّ المعتدين. في العام 2004 قدّم خمسة من رؤساء المجالس المحليّة الفلسطينيّة التماسًا إلى محكمة العدل العليا مطالبين الجيش بتمكينهم من الوصول إلى أراضيهم وحمايتهم من هجمات المستوطنين خلال موسم قطاف الزيتون.

بعد مضيّ عامين تقريبًا على تقديم الالتماس قرّر القضاة أنّه ينبغي قبول الالتماس، وأنه - عمومًا - على الجيش أن يمتنع عن حظر وصول الفلسطينيّين إلى أراضيهم كوسيلة لحمايتهم. كذلك حكم القضاة أنّ على جهاز الأمن "إصدار تعليمات واضحة لا لبس فيها للقوّات العاملة في الميدان" و"تخصيص قوّات لحماية ممتلكات السكان الفلسطينيين" (محكمة العدل العليا 9593/04 ، مرّار وآخرون ضدّ قائد قوّات الجيش الإسرائيلي في يهودا والسامرة وآخرين). في أعقاب هذا الحكم أنشأت الدولة "منظومة تنسيق" غايتها السّماح للفلسطينيّين في جميع أنحاء الضّفة الغربيّة بالوصول إلى أراضيهم لبضعة أيام في السنة – خلال موسم قطاف الزيتون وأثناء موسم حراثة الأرض -  بعد التّنسيق مع الجيش وتوفير المرافقة من الجنود.

ومع ذلك فإنّ هذه الآلية بعيدة كلّ البعد عن مجابهة الواقع العنيف والدور الذي تؤدّيه يقع ضمن سعي السّلطات لخلق مظهر يوهم بتطبيق القانون. أوّلاً، هذه الآلية تسلّم بواقع يجري فيه معالجة مسألة اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيّين بفرض القيود على المزارعين الفلسطينيّين تحديدًا. ثانيًا، هذه الآليّة معدّة لمعالجة المشاكل التي تحصل فقط خلال موسم قطاف الزيتون بينما يستمرّ منع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم بقيّة أيّام السنة ويواصل المستوطنون القدوم إليها وتخريبها دون عائق - تحت رعاية الجيش. ثالثاً، تثاقُل الجيش في إجراءات التنسيق وكثرة الشّروط التي يفرضها على المزارعين الفلسطينيين قبل سماحه لهم بالوصول إلى أراضيهم – إذا سمح بذلك أصلاً - تصعّب عليهم استغلال حتى هذه الإمكانيّة المحدودة وفي كثير من الأحيان تفرغها من مضمونها.

إنّ لأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون إسقاطات بعيدة المدى على الواقع في الأراضي المحتلّة ولها تأثير رادع ومثير للتهديد حتى بعد وقوعها. أفاد العديد من الفلسطينيّين عن هجمات المستوطنين كأحداث صادمة طُبعت في الذاكرة الفرديّة والجماعيّة ومنعت الكثيرين من الاقتراب من "مناطق الخطر" المحاذية للمستوطنات. لا يجرؤ الفلسطينيّون على الوصول إلى أراضيهم الواقعة في هذه المناطق دون مرافقة مدنيّين إسرائيليّين أو الجيش. نتيجة لهذا هناك مناطق زراعية أُهملت وتضررت بصورة بالغة حتّى باتت محاصيلها شحيحة جدّاً بحيث تخلّى أصحابها عن مجرّد الوصول إليها. وهكذا نشأت في جميع أنحاء الضّفة الغربيّة "جدران شفافة" يعرف الفلسطينيّون أنهم إذا عبروها سيتعرّضون للعنف إلى حدّ يعرّض حياتهم للخطر.

تندرج ضمن هذا الواقع ظاهرة "البؤر الاستیطانیّة" – مستوطنات كأنّما أقيمت في مخالفة للقانون الإسرائيلي ولكن بدعم وحماية وتمويل حكوميّ. منذ تسعينات القرن العشرين أنشئت نحو 100 "بؤرة استيطانيّة" في أماكن كثيرة في أنحاء الضفّة الغربيّة. هذه "البؤر الاستيطانية" توسّع مجال سيطرة المستوطنات وتضاعف مرّات ومرّات مساحات الأراضي الفلسطينيّة المنهوبة. هذا النهب ترافقه أعمال العنف والتهديدات ومهاجمة الرّعاة وسلب الأراضي الفلسطينيّة. باستثناء الحالات النّادرة جداً، حيث تمّ إخلاء بؤر استيطانية في أعقاب إجراءات قانونيّة لا تزال جميع البؤر الاستيطانية تقريبًا قائمة على الأرض، وتكتسب بالتدريج مكانة رسميّة كجزء أساسيّ وجوهريّ من المنظومة الاستيطانيّة.

إنّ أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون ليست "استثناءات" وإنّما هي جزء من نشاط استراتيجي تسمح به الدولة وتشارك فيه وتستفيد من تبعاته. النّتيجة البعيدة المدى لهذه الأعمال هي سلب المزيد والمزيد من الأراضي من أيدي الفلسطينيّين في جميع أنحاء الضفّة الغربيّة وهو الأمر الذي يسهّل على الدولة السّيطرة على الضفّة الغربيّة ومواردها.