في مساء يوم 31.8.21 كان رائد جاد الله (39 عاماً) عائداً من عمله كبستانيّ في إسرائيل إلى منزله في قرية بيت عور التحتا. عندما وصل إلى السدّات التي نصبها الجيش لمنع عبور السيّارات من شارع 443 إلى قريته هاتف رائد أحد أصدقائه وطلب منه أن يأتي ليوصله. في هذه الأثناء تابع السّير في الشارع المغلق لكنّ جنوداً أطلقوا عليه النار من كمين وأصابوه في خاصرته. عندما عثر عليه صديقه كان رائد قد فارق الحياة. في أعقاب هذا القتل الذي لا مبرّر له أعلن الجيش أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق، ولكن على ضوء تجربة السّنين الماضية يمكن القول إنّ هذه التحقيقات ما هي إلّا ورقة توت لستر عورات جيش الاحتلال وتبرير سياسة إطلاق النار المنفلتة.
في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، وقد أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وألقوا عبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط. استخدم هؤلاء ضدّ المتظاهرين وسائل تفريق المظاهرات والرّصاص الحيّ. في ساعات العصر أصيب عمر أبو النيل (13 عاماً) بالرصاص الحيّ في عنقه حين كان على بُعد نحو مئة متر من الشريط. توفي عمر في 28.8.21 متأثراً بجراحه. أصيب فلسطينيّ آخر وشرطيّ حرس حدود خلال المظاهرة بالرصاص وتوفّيا بعد المظاهرة بأيّام متأثّرين بجراحهما. سياسة إطلاق النّيران الفتّاكة التي تطبّقها إسرائيل قُتل جرّاءها مئات الفلسطينيّين وجُرح الآلاف ولكنّ إسرائيل تواصل هذه السّياسة رغم أنّها مخالفة للقانون.
أعلن وزير الأمن مؤسسات مجتمع مدنيّ فلسطينيّة بارزة أنّها منظّمات إرهابيّة، من بينها مؤسسات حقوق إنسان فلسطينيّة زميلة لنا. هذه الخطوة المتطرفة في قسوتها تعتبر نشاطاً إيجابيّاً لأجل حقوق الإنسان نشاطاً خارجاً على القانون. التوثيق والمرافعة والمساعدة القانونية هي في صُلب نشاط الدّفاع عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. تجريم هذه الأنشطة هو خطوة جبانة تميّز أنظمة الظلام والاستبداد. من الواجب الدّفاع عن منظمات المجتمع المدنيّ وحُماة حقوق الإنسان.
الكارثة في قطاع غزّة مستمرّة منذ سنين جدّ طويلة. كتبنا عن الحصار والفقر والحروب، عن الحياة بلا ماء ولا كهرباء، وعن الحياة بلا أمل. شرحنا ما الذي ينبغي أن يكون بمقتضى القانون الدوليّ وما يُمليه الضمير. ولكن الآن لم يبق كلام نقوله. 11 يوماً من القصف المتواصل لمنازل السكّان وفي محيطها. لا مفرّ ولا مكان آمن. عشرات الأشخاص قُتلوا وآلاف جُرحوا آلاف آخرون فقدوا منازلهم وكلّ ما يملكون في هذه الدّنيا. لم يحدث هذا خطأ ولم تكن هذه حالات “استثنائيّة”. إنّه نهج وسياسة. التقى باحثو بتسيلم الميدانيّون في قطاع غزّة أشخاصاً فقدوا أعزّاءهم وهُدمت منازلهم – فقدوا كلّ شيء. ها هُنا إفاداتهم:
ظهرَ يوم 28.9.21 دهم عشرات المستوطنين تجمّع المفقّرة في مسافر يطّا وهاجموا الأهالي ومنازلهم بالحجارة كما أتلفوا الكثير من ممتلكاتهم. في هذا الهجوم، الذي يذكره السكّان كأحد أشدّ الهجمات وأكثرها ضراوة أصيب عدد من السكّان وصُدعت جمجمة طفل صغير. الجنود الذين جاءوا إلى الموقع أطلقوا قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع نحو أهالي التجمّع فأصيب كثيرون منهم بالاختناق جرّاء استنشاق الغاز. عاث المستوطنون تخريباً طيلة نحو السّاعة ثمّ غادروا خربة المفقّرة وانتقلوا إلى قرية التواني المجاورة حيث رشقوا أحد المنازل بالحجارة وأصابوا بعضاً من الأهالي الذين خرجوا للدّفاع عن المنزل. هجمات المستوطنين في مسافر يطّا اشتدّت وطأتها خلال السّنة الماضية، وهُم يقومون بها كجزء من سياسة إسرائيل السّاعية إلى ترحيل الفلسطينيّين عن أراضيهم بغرض الاستيلاء عليها.
فجرَ يوم 29.8.21 هاجم مستوطنون بالحجارة منازل في حارة جابر في مدينة الخليل فأصابوا شابّاً في رأسه، كما ألحقوا أضراراً بـ9 سيّارات يملكها سكّان من الحيّ. شهد الاعتداء جنود لم يحرّكوا ساكناً وحين رشق الأهالي المستوطنين بالحجارة دفاعاً عن أنفسهم أطلق الجنود الرّصاص الحيّ. الشرطة التي حضرت فقط بعد أن ابتعد المستوطنون طالبت الأهالي أن يُثبتوا أنّ الأضرار سبّبها مستوطنون، ذلك رغم أنّ المكان ترصده كاميرات الجيش. هذه الحادثة مثل كثيرات غيرها وثّقتها بتسيلم في الخليل وأماكن أخرى في الضفة الغربيّة، تعكس وظيفة عُنف المستوطنين ضمن السّياسة الإسرائيليّة حيث يسخّر كأداة لترحيل الفلسطينيّين عن منازلهم - إضافة إلى الأدوات التي تستخدمها السّلطات الرسميّة.
في صباح يوم 17.8.21، حين كان فتيان من سيلة الضهر في محافظة جنين يتنزّهون في أراضي القرية جاء مستوطنون وأمسكوا بأحدهم، دفعوه بسيّارتهم فأوقعوه أرضاً ثمّ ربطوه خلف السيّارة بواسطة جنزير حديديّ وساقته السيّارة إلى حيث كانت مستوطنة "حومش" التي أخليت في 2005. هناك استمرّوا ينكّلون به حتى أغمي عليه: ضربوه وركلوه وعلّقوه في الهواء جرحوا باطن كفّي قدميه ثمّ أحرقوهما ورشّوا غاز الفلفل على عينيه. بعد أن أغمي عليه سلّم المستوطنون الفتى إلى جنود فسلّموه بدورهم إلى أسرته التي كانت قد وصلت إلى المكان. هذه الحادثة استثنائيّة في وحشيّتها لكنّ عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيّين أصبح منذ زمن طويل نهجاً معتاداً كجزء من سياسة نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة.
في يوم الجمعة الموافق 30.7.21 هاجمت قوّات الأمن جنازة شوكت زعاقيق الذي قُتل في بيت أومّر برصاص قوّات الأمن وقد رشقهم المشيّعون بالحجارة. خلال المواجهات استولى عناصر حرس الحدود على سطح منزل منال عوض المطلّ على الشارع الرئيسيّ وأجبروها أن تكون لهم درعاً بشريّاً طوال نحو السّاعة وأن تحمل عنهم أغراضهم وتصعد بها الدرج، وفي هذه الأثناء كان أولادها محبوسين وحدهم في المنزل. في 2005 منعت محكمة العدل العليا الجيش من استخدام الفلسطينيّين كدروع بشريّة لكنّ الجنود واصلوا هذه الممارسات من حين لآخر - كما تشهد هذه الحادثة. غنيّ عن القول أنّ إجبار شخص على حماية شخص آخر، وخاصّة حين يكون من جنود الاحتلال، هو تصرّف مخالف للقانون والأخلاق معاً.
في 3.7.21 هاجم مستوطنون بالحجارة منازل في قرية قصرة ومعهم جنود لم يحرّكوا ساكناً لوقف الاعتداء. رشق الأهالي بدورهم الحجارة دفاعاً عن أنفسهم، وفي مرحلة ما أطلق الجنود الرّصاص فأصابوا محمد حسن في كتفه حين كان يرشق الحجارة من سطح منزل أخيه دفاعاً عن المنزل. في البداية منع الجنود الأهالي من إسعاف محمد وبعد نصف السّاعة نقلته سيّارة إسعاف عسكريّة لكنّه توفّي متأثراً بجراحه. عُنف المستوطنين في هذه المرّة، كما في هجمات أخرى مماثلة، لم يأت بمبادرة فرديّة وإنّما هو مُباح كجزء من سياسة إسرائيل وجيشها بل ومدعوم من قبلهما عبر استخدام القوّة الفتّاكة ضدّ الفلسطينيّين الذين يتصدّون دفاعاً عن أنفسهم إزاء هذا العُنف.
في يوم الجمعة الموافق 23.7.21 اقتحم جنود مشاة وجيب عسكريّ قرية النبي صالح متقدّمين نحو مركز القرية في عمليّة بدت كأنّها محض استفزاز، وعند وصولهم إلى مركز القرية رشقهم فتية وشبّان بالحجارة. في مرحلة ما أخذ الجنود ينسحبون من القرية وهُم يحتمون بالجيب العسكريّ ويطلقون النيران. في طريقهم واجهتهم سدّة وضعها الشبّان وفي هذه الأثناء تواصل رشق الحجارة نحوهم بكثافة. أطلق أحد الجنود النار فأصاب محمد تميمي (17 عاماً) في ظهره وتسبّب في مقتله إذ توفّي في المستشفى متأثراً بجراحه. محمد تميمي هو الضحيّة الخامسة في النبي صالح حيث قتل الجنود هناك خلال العقد الفائت أربعة فلسطينيّين في ملابسات مماثلة وقد أطلقوا النيران الفتّاكة دون أيّ مبرّر في حين لم يواجهوا أيّ خطر على حياتهم.
فجر الثلاثاء، 1.6.21، اقتحم عشرات من عناصر قوّات الأمن منزلين لعائلة اشتيوي الموسّعة في كفر قدّوم حيث أفزعوا أفرادها من نومهم، عزلوهم عن بعضهم البعض وأجروا تفتيشاً عنيفاً داخل المنزلين وضربوا شخصين بوحشيّة بضمنهما فتىً في الـ17. واعتقل الجنود بشّار اشتيوي وأخلي سبيله بعد أسبوعين، ثمّ في نهاية الشهر دهم الجنود القرية مجدّداً واعتقلوا بشّار وشقيقه. لاحقاً أخلي سبيل بشّار ولا يزال شقيقه معتقلاً. الاقتحامات اللّيليّة لمنازل الفلسطينيّين واستباحة الحيّز الذي يُفترض أنّه الأكثر أمناً للإنسان أصبحت منذ زمن طويل جزءاً من روتين الترهيب الذي يديره نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.