Skip to main content
طارق زبيدي في منزله. تصوير أورن زيف، أكتيف ستيلز، 25.8.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

مستوطنون اختطفوا فتىً في الـ15 ونكّلوا به حتى أغمي عليه: دهسوه وربطوه إلى شجرة ورشّوا غاز الفلفل على عينيه وركلوه، والذروة: تجريح وكيّ باطن كفّي قدميه وجرّه خلف سيّارة مربوطاً بجنزير

نحو التاسعة من صباح يوم 17.8.21 خطّط ستّة فتيان من قرية سيلة الظهر في محافظة جنين أن يخرجوا للتنزّه في الأراضي المحيطة بالقرية. جلس الفتيان في مكان يبعد قرابة 350 متراً عن منازل القرية، في الأراضي التي أقيمت عليها مستوطنة "حومش" - التي تم إخلاؤها في العام 2005. بعد مضيّ نحو نصف السّاعة فرّوا مذعورين بعد أن تنبّهوا إلى ستّة مستوطنين يتقدّمون نحوهم - بعضهم في سيّارة وبعضهم سيراً على الأقدام، وكان واحد منهم على الأقلّ يرشقهم بالحجارة.

تمكّن خمسة من الفتيان من الفرار نحو إلى القرية لكنّ أحدهم وهو طارق زبيدي (15 عاماً) لم يتمكّن من الرّكض بسُرعة بسبب إصابة في رجله ألمّت بعد قبل ذلك بأسبوعين. حين وصل المستوطنون إليه صدموه بسيّارتهم وأوقعوه أرضاً. بعد ذلك ووفقاً لإفادة الفتى خرج المستوطنون من السيّارة وأخذوا يضربونه بعصيّ كانت معهم. ثمّ كبّلوا يديه ورجليه وربطوه إلى غطاء محرّك السيّارة بواسطة جنزير معدنيّ كان في حوزة السّائق والمستوطن الذي جلس إلى جانبه. بعد ذلك سارت السيّارة وهي تجرّه خلفها نحو موقع مستوطنة "حومش" المخلاة.

طارق زبيدي في المستشفى. تصوير عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 18.8.21
طارق زبيدي في المستشفى. تصوير عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 18.8.21

رشّ أحد المستوطنين وجه طارق بغاز الفلفل ثمّ عصب مستوطن آخر عينيه بقطعة قماش. بعد ذلك علّقوه على شجرة بواسطة حبال وساقاه في الهواء وأخذوا يجرحون باطن كفّي قدميه ويحرقونهما. بعد مضيّ بضع دقائق فكّ المستوطنون وثاقه وأنزلوه ثمّ أخذ أحدهم يضربه على رأسه بعصا فأغمي عليه.

في هذه المرحلة مرّ في الموقع جيب عسكريّ فسلّم المستوطنون طارق زبيدي إلى الجنود وهُم يزعمون أنّه رشقهم بالحجارة. أخذ الجنود طارق وألقوه على أرضيّة الجيب وهو لا يزال فاقدًا الوعي. في هذه الأثناء جاء شقيق طارق وخالُه بعد أن كان بقيّة الفتيان قد أخبروهم أنّ مستوطنين احتجزوه. سلّم الجنود طارق إلى خاله فأخذه بدوره إلى مستشفىً في جنين وهناك تبيّنت إصابته بكدمات في كلّ أنحاء جسمه وجروح في كفيّ قدميه. في اليوم التالي غادر طارق المستشفى.

تمّ إخلاء مستوطنة "حومش" في العام 2005 ضمن "خطّة الانفصال" وكانت قد أقيمت على أراضٍ لقرية برقة استولى عليها الجيش. منذ ذلك الحين يُمنع المواطنون الإسرائيليّون من الدّخول إلى المستوطنة، رسميّاً فقط. غير أنّ تواجُد المستوطنين هناك لم يتوقّف حيث تتيح لهُم قوّات الأمن المكوث وإلحاق الأذى بالفلسطينيّين سكّان المنطقة. الجدير بالذكر أنّ هذا الاعتداء هو اعتداء المستوطنين العاشر في محيط مستوطنة "حومش" الذي توثّقه بتسيلم منذ بداية العام 2020.

إنّ هذه الحادثة استثنائيّة في وحشيّتها لكنّ عُنف المستوطنين تجاه الفلسطينيّين، بمساندة ومشاركة من الجيش في أحيان كثيرة، أصبح منذ زمن طويل نهجاً معتاداً وجزءاً من روتين نظام الاحتلال كجزء من السياسة التي تتّبعها إسرائيل في الضفة الغربيّة. النتيجة بعيدة المدى لهذا العُنف والتي أخذت تتحقّق فعليّاً أكثر فأكثر هي إقصاء الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة عن أراضيهم ومواردهم لتسهيل استيلاء الدولة عليها.

بعد مضيّ يومين على اعتداء المستوطنين سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي إفادات من الفتيان ومن خال الفتى طارق زبيدي الذي اختطفه المستوطنون ونكّلوا به.

كفّا قدمي طارق زبيدي بعد التعذيب. تصوير عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 18.8.21
كفّا قدمي طارق زبيدي بعد التعذيب. تصوير عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 18.8.21

أدناه يحدّث طارق زبيدي (15 عاماً) من سكّان سيلة الضهر عن تنكيل المستوطنين به:

نحو التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 17.8.21 التقيت خمسة من أصدقائي أمام المدرسة الثانويّة في قريتنا وقرّرنا أن نشتري لحوماً وخبزاً ونخرج للتنزّه في منطقة الميادين، أسفل منحدر الجبل الواقع بين منازل القرية وما كان سابقاً مستوطنة "حومش" التي تمّ إخلاؤها. اشترينا ما نحتاجه وخرجنا إلى هناك سيراً على الأقدام وكنّا نتحدّث مسرورين. نحن جميعُنا أصدقاء طفولة.

بعد مضيّ نصف السّاعة وكنّا قد وصلنا وجلسنا تحت الأشجار، سمعنا صوت أشخاص يتحدّثون بالعبريّة ثمّ رأينا سيّارة خاصّة تتقدّم نحونا وكان فيها مستوطنون. عندما أصبحت السيّارة على مسافة 30-40 متراً منّا تأكّدنا أنّ ركّابها مستوطنون فذُعرنا وانطلقنا نفرّ نحو القرية عبر الحقول. تمكّن كلّ أصدقائي من الفرار والوصول إلى منازل القرية الواقعة على بعد نحو 300 متر.

كان من الصعب عليّ الركض لأنني كنت قد وقعت قيل أسبوعين وجُرحت ساقي. تقدّم المستوطنون نحوي وصدموني بسيّارتهم فوقعت أرضاً. توقّفت السيّارة وترجّل منها أربعة مستوطنين وكان بعضهم يحمل عصيّاً وقد انقضّوا عليّ يضربونني على كتفيّ ورجليّ وظهري.

بعد ثوانٍ معدودات أخرج أحد المستوطنين حبالاً من السيّارة وربط يديّ ورجليّ ثمّ حملني ووضعني على غطاء محرّك السيّارة. بعد ذلك ربطوني إلى السيّارة بجنزير من حديد وصعدوا إلى السيّارة وقادوها لمدّة بضع دقائق حتى وصلوا إلى حيث كانت المستوطنة وهم يجرّونني خلف السيّارة.

عندما وصلنا إلى حيث صهاريج مياه المستوطنة فكّ المستوطن الذي يجلس قرب السّائق الجنزير وفي تلك اللحظة بالضّبط داس السّائق الكوابح فوقعت أرضاً. رأيت هناك حافلتين من حافلات المستوطنين وكان في المكان نحو 50 مستوطناً - رجال ونساء من مختلف الأجيال. ركض نحوي عدد من المستوطنين الذين تواجدوا هناك وأخذوا يركلونني. أحدهم اقترب منّي ورشّ غاز الفلفل على وجهي. تألمت كثيراً وأحسست بحرقة شديدة فصرت أصرخ من الألم. مستوطن آخر جلب قطعة قماش وعصب بها عينيّ.

في هذه الأثناء كانت جمهرة من المستوطنين تشتمني بالعبريّة المخلوطة بالعربيّة. سمعت كلما عربيّة مثل "أمّك" و"أختك" و"ابن شرموطة". كانت عيناي معصوبتين ولكنّني سمعت وأحسست أنّهم يبصقون عليّ ونحوي.

كنت خائفاً جدّاً. كانوا يلكمونني ويركلونني، وفي مرحلة ما حملوني وعلّقوني على شجرة بحيث كانت كفّا قدمي مرفوعتين عن الأرض.

بقيت معلّقاً نحو خمس دقائق وعيناي معصوبتان. أحسست أنّه يجرحون ويخدشون باطن قدمي اليسرى بأداة حادّة. كان الألم يفوق قدرتي على التحمّل. فجأة أحسست بحرَق في رجلي اليمنى كأنّما قرّبوا منها ولّاعة سجائر أو شيئاً من هذا القبيل. استمرّ ذلك بضع ثوانٍ. كنت أصرخ من شدّة الألم وأبكي من شدّة الخوف. بعد ذلك أنزلوني عن الشجرة وعندئذٍ ضربني أحدهم على رأسي فأغمي عليّ.

عندما أفقت وجدتُني ملقىً على أرضيّة جيب عسكريّ إسرائيليّ. في مرحلة ما هدّدني أحد الجنود قائلاً "إذا وقع رشق حجارة في هذه المنطقة فسوف يأتون إلى منزلي ويعتقلونني" . فجأة ناولني أحد الجنود هاتفه. سمعت شخصاً لا أعرفه يتحدّث معي باللّغة العربيّة. سألني عن اسمي واسم عائلتي ومكان إقامتي وعندما أجبته هدّدني قائلاً "نحن الآن نعرف عنك كلّ شيء، وإذا رشق أحدهم الحجارة نحو المستوطنين فسوف نأتي إلى منزلك ونعتقلك".

أبقوني داخل الجيب إلى أن جاء خالي (مروّح أبو كياس) وأخي الكبير هشام وأخذاني إلى المنزل. نظرت فوجدت أنّنا قرب مدخل المستوطنة وكانت هناك سيّارة إسعاف من الهلال الأحمر الفلسطينيّ. بعد أن أدخلوني إلى سيّارة الإسعاف انطلقتْ إلى المستشفى الحكوميّ في جنين وتبعنا خالي وأخي في سيّارة.

أدخلوني إلى قسم الطوارئ وبعد أن أجريت لي فحوصات وصور أشعّة تبيّن وجود كدمات ورضوض في كتفي وظهري ورجليّ وأيضاً جُروح وحُروق في كفّي قدميّ. أبقوني في المستشفى حتى ظهر اليوم التالي، وبعد ذلك غادرت إلى المنزل. الآن أنا أرقد في المنزل ولا زلت أعاني من آلام في كلّ أنحاء جسمي. لا أستطيع أن أمشي وحدي بسبب الجُروح والحُروق في باطن قدميّ.

مروّح أبو كياس، خال طارق زبيدي، وهو من سكّان سيلة الضهر وصاحب مخبز، قال في إفادته:

نحو السّاعة 12:00 ظهرَ يوم الثلاثاء الموافق 17.8.21 كنت أوزّع الخبز على الحوانيت وتلقّيت مكالمة هاتفيّة من هشام ابن أختي وهو يعمل عندي في المخبز. قال لي إنّ مستوطنين في منطقة "حومش" دهسوا أخاه الصغير طارق (15 عاماً) واحتجزوه. عدت فوراً وأخذت هشام من المخبز ثمّ انطلقنا نحو مدخل المستوطنة التي تمّ إخلاؤها والذي يبعد عن مخبزنا مسافة تقارب 500 متر لأنّ المخبز عند المدخل الجنوبيّ للقرية.

عندما وصلنا إلى مدخل المستوطنة أوقفت السيّارة على جانب الشارع وخرجنا منها أنا وهشام. لم أجرؤ على الدّخول إلى المستوطنة. رأيت في داخل المستوطنة جيباً عسكريّاً متوّقفاً على جانب الشارع على بُعد نحو 350 متراً من المدخل. صرت أصرخ منادياً الجنود وألوّح بيديّ مشيراً لهُم أن يأتوا إلينا. قبل أن يصل الجيب إلى المفترق الذي وقفنا قربه مرّت بالصدّفة سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر فأشرت لسائقها أن يتوقّف. توقّفت سيّارة الإسعاف قُربي في لحظة وصول الجيب العسكريّ. في هذه الأثناء وصلت سيّارات أخرى فيها أشخاص من عائلتنا. خرج من الجيب ضابط وطلب منّي أن أبعد بقيّة الأقارب وأن تبقى في المكان فقط سيّارتي وسيارة الإسعاف ففعلنا ما أراد.

لم أكن أعرف أنّ طارق ابن أختي موجود داخل هذا الجيب العسكري نفسه. حدّثت الضابط بما سمعته من الأولاد، أنّ مستوطنين دهسوا ابن أختي وهاجموه ثمّ أخذوه إلى حيث كانت مستوطنة "حومش". ردّ الضابط قائلاً إنّ الفتى رشق حجارة نحو المستوطنين ولذلك هُم ألقوا القبض عليه.

في هذه الأثناء هاتف الضابط شخصاً يتحدّث العربيّة - أعتقد أنّه ضابط مخابرات - وناولني الهاتف لكي أكلّمه. قال لي ذاك الشخص إنّه يعرف من أنا ويعرف مخبزي. كان لديّ إحساس أنّه يعرف أشياء كثيرة عنّي. أنا بدوري حدّثته عمّا حدث لطارق وفق الرّواية التي سمعتها.

في نهاية المحادثة قال لي ذاك الشخص إنّه سيطلب من الضّابط أن يسلّمني طارق لأجلي ولأنه يعرفني شخصيّاً. رغم ذلك هدّدني قائلاً إنّهم سيأتون ويعتقلون طارق إذا ما تبيّن أنّه رشق حجارة نحو مستوطنين أو جنود.

بعد انتهاء المكالمة فوجئت بالضابط يفتح باب الجيب الخلفيّ وعندئذٍ رأيت طارق ملقىً على أرضيّة الجيب. طلب منّي الضابط أن أخرجه من الجيب بمساعدة طاقم سيّارة الإسعاف. نقلنا طارق إلى سيّارة الإسعاف وكانت متوقّفة على بُعد نحو 20 متراً. طلبت من سائق سيّارة الإسعاف والمُسعف أن يتوجّها نحو المستشفى الحكوميّ في جنين، وتبعتهم مع هشام في سيّارتنا.