Skip to main content
ראאיד ג'דאללה. התמונה באדיבות המשפחה
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

رائد جاد الله أراد فقط أن يعود إلى منزله في نهاية يوم عمله لكنّ جنوداً أطلقوا عليه النار من كمين وأردوه قتيلا

رائد جاد الله وابنه. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
رائد جاد الله وابنه. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

رائد جاد الله من سكّان قرية بيت عور التحتا ويبلغ من العمر 39 عاماً هو بستانيّ من الضفة الغربيّة يعمل في إسرائيل. في يوم الثلاثاء الموافق 31.8.21 عاد رائد من عمله نحو السّاعة 22:00 وعند وصوله إلى البوّابة المغلقة التي نصبها الجيش عند المخرج من شارع 443 إلى قريته هاتف صديقه مهدي سليمان (29 عاماً) وطلب منه أن يأتي ليوصله.

لكي يصل رائد إلى نقطة الالتقاء مع صديقه كان عليه أن يمشي قرابة مئتي متر وأن يجتاز السدّات التي وضعها الجيش، سدّة إسمنتيّة وسدّتين ترابيّتين. عندما ابتدأ المشي في طريق القرية أطلق عله جنود النار من كمين وأصابوه في خاصرته. تقدّم رائد بضع عشرات من الأمتار ثمّ وقع أرضاً على بُعد نحو مئة متر من البوّابة ونحو أربعين متراً قبل السدّة الثانية.

 

 

أدناه يحدّث أحمد بدران (30 عاماً) من سكّان القرية عن طلقات سمعها عندما وصل إلى المكان في سيّارته لكي يلتقي شخصاً آخر، فقرّر العودة إلى القرية وعندما استدار لكي يعود لاحظ ناراً مشتعلة في منطقة البوّابة - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

كنت أقود السيّارة والنافذة مفتوحة. بعد مضيّ عشر دقائق على وصولي إلى السدّة في الشارع المغلق الذي يصل بين القرية وشارع 443 سمعت ثلاث أو أربع طلقات رصاص واحدة تلو الأخرى. وفقاً لتقديري جاء الصّوت من بُعد مئتي متر تقريباً، إمّا من جهة البوّابة التي تسدّ الشارع أو من تلّة شماليّ البوابة. لم أر من الذي أطلق النار ولكنّني خمّنت احتمالين فربّما استهدف الرّصاص راشقي حجارة أو هو رصاص شرطة تطارد مجرماً. تجنّباً للمشاكل فضّلت أن أستدير لكي أعود إلى القرية وفي أثناء ذلك رأيت ناراً مشتعلة قرب البوّابة. لا أعلم من الذي أشعلها. لم أر أحداً في المنطقة بسبب الظلمة.

رأيت مهدي سليمان قادماً من اتّجاه القرية في سيّارته. سألته ما الذي يفعله هنا فأجاب أنّه جاء ليوصل رائد جاد الله الذي عاد من عمله. حذّرت مهدي قائلاً إنّني سمعت إطلاق رصاص قبل وقت قصير فقال إنّه لم يسمع، ربّما لأنّ نوافذ سيّارته كانت مغلقة أو لأنّه كان بعيداً. غادرت المكان، ثمّ بعد لحظات رأيت أنّ مهدي يلتفّ هو الآخر ويغادر.

البوّابة المقفلة التي نصبها الجيش عند الخروج من شارع 443 في اتّجاه بيت عور التحتا. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 5.9.21
البوّابة المقفلة التي نصبها الجيش عند الخروج من شارع 443 في اتّجاه بيت عور التحتا. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 5.9.21

عاد مهدي إلى منزله ومن هناك حاول عدّة مرّات الاتّصال برائد جاد الله. عندما تبيّن له أنّ صديقه لم يعُد بعد إلى المنزل خرج في سيّارته مع يوسف ابن رائد (15 عاماً) لكي يبحثا عنه في الشارع المغلق فوجداه ملقىً على جانب الشارع وذلك بعد مضيّ نحو ساعة على إطلاق النار.

أدناه يحدّث مهدي سليمان عمّا جرى بعد أن عاد إلى منزله - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

عندما صارت السّاعة 23:00 ساورني الشكّ بأنّ شيئاً ما قد حدث لرائد. قدت سيّارتي متوجّهاً إلى منزله والتقيت هناك ابنه يوسف الذي قال لي إنّ والده لم يعُد بعد إلى المنزل. طلبت منه أن يأتي معي إلى مدخل القرية. أوقفت السيّارة قرب السدّة الترابيّة القريبة من القرية وذهبنا مشياً في الشارع المغلق.

أضأنا الطريق أمامنا بواسطة مصابيح هواتفنا. في وسط الطريق بين السدّة الثانية والثالثة تنبّه يوسف إلى قطرات دم على الشارع فأخذنا نتعقّب آثار الدّم. اتصلت بهاتف رائد فسمعت رنين الهاتف في مكان قريب على بُعد نحو عشرة أمتار منّا. بعد ذلك رأينا رائد. كان ملقىً على جانب الشارع مكفيّاً على وجهه وكأنّه يسبح في بركة دماء. تحسّست نبضه فوجدته قد توقّف وكان لا يتنفّس ولا يأتي بأيّة حركة. كنت على يقين أنّه قد أسلم الرّوح. رغم ذلك لم أفقد الأمل. اتّصلت من هاتفي الإسرائيلي بنجمة داوود الحمراء وأبلغتهم أنّه قد حدثت جريمة قتل، ولكي يتعاملوا معي بجدّية أخبرتهم أنّ المغدور يحمل بطاقة هويّة إسرائيليّة (رائد جاد الله من سكّان شرقيّ القدس) وأبلغتهم عن موقعي. يوسف وضع رأسه في حضن والده وهو يبكي ويصرخ، وأنا أحاول أن أهدّئه.

بعد مضيّ نحو عشر دقائق ذهب مهدي سليمان إلى البوابة المجاورة لشارع 443 ورافق المسعفين الذين حضروا إلى حيث يرقد رائد جاد الله. يواصل مهدي في إفادته قائلاً:

عندما وصلت إلى البوّابة كان هناك نحو خمسة جنود. كانوا يوجّهون أسلحتهم نحوي وقد سألني أحدهم بالعبريّة ماذا أفعل هناك وإلى أين أذهب. أجبته أنّ هناك جريحاً يحمل بطاقة هويّة إسرائيليّة وأنّني أريد مرافقة المسعفين. سألوني أين هو فأشرت لهُم إلى المكان الملقى فيه رائد. أشرت موجّهاً إلى المكان ضوء مصباح الهاتف.

جاء إلى الموقع سبعة مسعفين تقريباً إضافة إلى الجنود الذين رافقوهم. أخذتهم إلى حيث كان رائد ملقى أرضاً. ولكي يتمكّنوا من القيام بعملهم أبعدت يوسف لأنّه كان في حالة صدمة يرتجف ويبكي. بعد مضيّ عشر دقائق عندما كانوا متأكّدين أنّه قد توفّي، وضع المسعفون فوق جسد رائد غطاء من ورق الألومنيوم. كان في الموقع رجل وابنه من سكّان القرية وقد اتّصل الاثنان بالأهالي وأخبروهم بما جرى. أنا عدت إلى القرية ومعي يوسف لأنّني أردت إبعاده عن مكان الحدث إذ خشيت عليه من الانهيار.

بعد إعلان وفاة رائد جاد الله أراد أهالي القرية أخذ جثمانه إلى مستشفىً في رام الله لكنّ الجنود رفضوا ذلك. بعد أخذ وردّ مع الجنود تمكّن الأهالي من أخذ الجثمان وعندئذٍ ألقى الجنود نحوهم قنبلة صوت.

إحدى السدّات الترابيّة التي وضعها الجيش على طريق بيت عور التحتا المتفرّعة عن شارع 443. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 5.9.21
إحدى السدّات الترابيّة التي وضعها الجيش على طريق بيت عور التحتا المتفرّعة عن شارع 443. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 5.9.21

أظهر تحقيق بتسيلم أنّ جنوداً أطلقوا النار على رائد جاد الله عبثاً وتعسّفاً وهو في طريق عودته من مكان عمله إلى منزله.

خرج الجيش بروايتين مختلفتين عمّا جرى في تلك اللّيلة. في الرّواية الأولى زُعم أنّ جنوداً كانوا في كمين "في منطقة ألقيت فيها زجاجات حارقة في بداية الأسبوع" قد أطلقوا النار على رائد جاد الله بعد أن تنبّهوا إلى وُجود شخص مشبوه "يمشي وحده ويحرق شيئاً، ونتج عن ذلك حريق صغير". وفقاً لهذه الرّواية لم يجد الجنود في المكان بقع دماء ولا زجاجة حارقة و"الشخص المشبوه" فرّ من المكان. تلت ذلك رواية أخرى زعمت أنّه "من مراقبات الجيش والجنود المقاتلين في الميدان تبيّن وجود مشبوه في الموقع. ردّت القوّة بإطلاق النّار نحو المشبوه الذي فرّ من الموقع".

ليست هاتان الرّوايتان سوى محاولات فاشلة لإيجاد ذريعة تبرّر قتل رائد جاد الله. علاوة على ذلك فإنّ الناطق بلسان الجيش يعترف أنّ الجيش يطبّق سياسة إطلاق نار متساهلة تبيح إطلاق النيران الفتّاكة نحو أناس لا يشكّلون خطراً على حياة أحد، وعمليّاً دون أيّ سبب. ذلك أنّ الرّواية الرسميّة تقول إنّ الجنود - الذين كانوا مختبئين في كمين - أطلقوا النار نحو شخص "مشبوه" أشعل أو لم يُشعل ناراً وإنّ هذا الشخص قد فرّ أصلاً من الموقع دون أن يحاول الجنود اعتقاله حتى؛ وهذا يوضّح أنّه منذ البداية لم يكن هناك أيّ مبرّر لإطلاق النّار. لقد سارع الجيش إلى الإعلان عن تحقيق باشرت فيه وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة ولكن على ضوء تجربة السّنين يمكن القول إنّ هذا التحقيق سوف ينتهي دون اتّخاذ أيّة إجراءات، مثله كمثل مئات الحالات السّابقة. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يعمل في الأساس كورقة توت تبرّر سياسة إطلاق النار المنفلتة التي يطبّقها الجيش وهو بذلك يُتيح استمرار تطبيقها دون أيّة مساءلة أو محاسبة. المفزع في هذا الأمر هو أنّ سقوط الضحيّة القادمة هو مسألة وقت فقط.