Skip to main content
السّطح الذي احتجزت فوقه منال عوض على يد عناصر الشرطة. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم، 30.8.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عناصر من شرطة حرس الحدود يقتحمون منزلاً في بيت أمّر، يعتلون السّطح ويأمرون صاحبته أن تقف إلى جانبهم عند طرفه أثناء رشقهم بالحجارة ثمّ يجبرونها أن تحمل عنهم عتادهم العسكريّ

نحو السّاعة 13:00 ظهر يوم الجمعة الموافق 30.7.21 خرج أهالي بيت أمّر في محافظة الخليل لتشييع جنازة شوكت عوض الذي قُتل برصاص قوّات الأمن. أثناء الجنازة هاجم عناصر قوّات الأمن المشيّعين وكان هؤلاء قد رشقوهم بالحجارة. في هذه الأثناء كانت منال عوض من سكّان البلدة تشاهد المواجهات من على سطح منزلها المطلّ على الشارع الرئيسيّ للقرية. عندما رأت منال جنوداً وعناصر شرطة حرس الحدود يقتربون من منزلها هبطت عن السّطح بسُرعة ودخلت إلى منزلها وكان في المنزل آنذاك أبناؤها الخمسة المتراوحة أعمارهم من عامين إلى 13 عاماً. اقتحم عناصر الشرطة منزلها وأمروها أن تصعد معهم إلى السّطح ففعلت وبقي أولادها وحدهم في المنزل وقد تملّكهم الذعر. عندما وصل العناصر إلى السّطح أمروا منال أن تقف إلى جانبهم أثناء إلقائهم قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط نحو الأهالي المتواجدين في الشارع والذين كانوا بدورهم يرشقون العناصر بالحجارة. جرى احتجاز منال عوض على هذا النحو طوال ساعة في قلب المواجهات دون أيّة حماية كما طالبها العناصر أن تحمل عنهم أغراضهم وتصعد بها الدّرج.

كان استخدام الفلسطينيّين كدروع بشريّة جزءاً من سياسة معلنة اتّبعها الجيش خلال الانتفاضة الثانية. كان الجنود يختارون عشوائيّاً أشخاصاً فلسطينيّين ويُجبروهم على تنفيذ مهمّات عسكريّة تعرّض حياتهم لخطر مؤكّد، كأن يقوموا بإزالة أغراض مشبوهة من الشارع أو أن ينادوا أشخاصاً ليخرجوا من منازلهم فيقوم الجيش باعتقالهم أو أن يقفوا أمام الجنود فيما هؤلاء يُطلقون الرّصاص وهُم يحتمون بهم، وغير ذلك.

في العام 2005 أصدرت محكمة العدل العليا قرار حُكم استثنائيّ يمنع استخدام الفلسطينيّين كدروع بشريّة في إطار عمليّات يقوم بها الجيش. رغم ذلك واصل الجنود من حين لآخر استخدام الفلسطينيّين كدروع بشريّة - وهذه الحادثة شاهد على ذلك.

أدناه تحدّث منال عوض (39 عاماً) وهي أمّ لخمسة أطفال عمّا حدث في ذلك اليوم - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش في 2.8.21:

في يوم الجمعة الموافق 30.7.21 عند السّاعة 13:30 تقريباً كنت واقفة على سطح منزلي أشاهد موكب المشيّعين في جنازة الشهيد شوكت عوض (22 عاماً) الذي قُتل في اليوم السّابق. رأيت أعداداً كبيرة من قوّات الجيش الإسرائيليّ وحرس الحدود وقد أخذوا يهاجمون المشيّعين - يلقون نحوهم قنابل الصّوت ويُطلقون الرّصاص "المطّاطيّ". كثير من المشيّعين لاذوا بالفرار لكنّ الجنود طاردوهم وهُم يتقدّمون إلى داخل القرية ويقتربون من منزلي. عندئذٍ هبطت فوراً عن السّطح وأغلقت المدخل الرئيسيّ. ما كدت أدخل منزلي في الطابق الثاني حتى سمعت في الأسفل جلبة تحطّم زجاج وصُراخ "افتح، افتح".

هبطت بسُرعة لكي أفتح باب البناية فشاهدت عناصر شرطة من حرس الحدود ومعهم شرطيّة وكانوا يحملون صناديق. أمرني أحدهم أن أغلق الباب وأصعد معهم الدّرج إلى السّطح - وهو يوجّه سلاحه نحوي. صعدت إلى الطابق الثاني وحين وصلت إلى باب منزلي حيث أولادي الخمسة وكلّهم أطفال هممت بالدخول لكنّ الشرطيّ صرخ عليّ يأمرني أن أصعد وأقف إلى جانبهم على طرف سطح المنزل من الجهة المطلّة على الشارع. أخذوا يُطلقون الرّصاص "المطّاطيّ" وقنابل الغاز المسيل للدّموع نحو راشقي الحجارة المتواجدين حول المنزل. كان الشبّان يرشقون الحجارة نحو الجنود وعناصر شرطة حرس الحدود المنتشرين في الشارع وأيضاً نحو أولئك الذين صعدوا إلى سطح منزلنا. بعض الحجارة كانت تسقط قربي وكنت خائفة جدّاً أن تصيبني.

وقفت هناك طوال أكثر من عشر دقائق وأنا محتارة لا أعرف ماذا أفعل. لاحظ أحد عناصر الشرطة أنّني خائفة فأمرني أن أقف جانباً عند مدخل السّطح وأن لا أتحرّك من هناك. طلبت منه أن يسمح لي بالعودة إلى منزلي. شرحت له أنّ أولادي وحدهم خائفين وأنّ ابني الصّغير يبكي. لكنّ الشرطيّ رفض أن يُخلي سبيلي رغم أنّه كان يسمع بكاء طفلي. طلبت منه ذلك عدّة مرّات ومن الشرطيّة أيضاً، لكنّهم رفضوا. بقيت هكذا واقفة على السّطح طوال أكثر من ساعة فيما كان الجنود يُطلقون المقذوفات والشبّان يرشقون الحجارة.

نحو السّاعة 15:00 هاتفني زوجي وقال إنّ حماتي وإحدى قريباتنا تنتظران تحت عند مدخل المنزل ولا تستطيعان فتح الباب. قلت ذلك للشرطيّ فطلب منّي أن أنتظر. بعد مضيّ بضع دقائق اتّصلوا به فخمّنت أنّ الأمر يتعلّق بحماتي وقريبتي التي جاءت معها. أمرني الشرطيّ أن أنزل معه لكي أفتح لهُما الباب الرئيسيّ. حين نزلنا وفتحت لهما الباب دخلت معهما إلى منزلنا في الطابق الثاني حيث أولادي ينتظرون. الشرطيّ الذي رافقني عاد إلى السّطح على ما أظنّ.

خلال وقوع المواجهات في الشارع اتّصل أطفال منال عوض بجدّتهم فاطمة عوض (58 عاماً) حماة منال، وأبلغوها أنّ عناصر شرطة حرس الحدود قد اقتحموا منزلهم ويحتجزون والدتهم فجاءت برفقة قريبتها تُدعى ختام عوض (56 عاماً). اضطرّت الاثنتان إلى الانتظار خارج المنزل في خضمّ المواجهات، وفقط بعد جدال مع الشرطيّ الواقف عن مدخل المنزل سُمح لهما بالدّخول. هبط شرطيّ عن السّطح برفقة منال عوض ورافق النساء إلى منزل الأسرة حيث كان الأطفال ينتظرون والدتهم.

بعد مضيّ نحو أربعين دقيقة على وصولهما طرق أحد عناصر الشرطة باب منزل منال عوض وهو يحمل صندوقاً كبيراً ثمّ توجّه إلى منال بفظاظة وأمرها أن تحمل عنه الصّندوق وتهبط به الدّرج إلى الطابق الأرضيّ. بعد ذلك عاد الاثنان وكان الشرطيّ قد أخذ الصندوق منها وصعد إلى السّطح. بعد مضيّ عشر دقائق عاد الشرطيّ وطالبها أن تنزل معه إلى الطابق الأرضيّ لكي تحمل صندوقاً آخر وتصعد به الدّرج. وفقاً لتخمين منال كان الصندوق يحوي عتاداً وذخيرة جُلبت للقوّات التي واصلت من على السّطح إطلاق المقذوفات نحو الشبّان المتواجدين في الشارع.

أدناه تحدّث قريبة العائلة ختام عوض (56 عاماً) كيف أجبر الجنديّ منال عوض على حمل الصّناديق - من إفادة أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري:

ختام عوض. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 3.8.21
ختام عوض. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 3.8.21

ذهبت مع فاطمة إلى منزل منال وحين وصلنا إلى هناك رأينا قرب المنزل شرطيًّا من حرس الحدود وصحافيّين. كان هناك أيضاً شبّان يرشقون الحجارة بكثافة نحو عناصر من شرطة حرس الحدود كانوا على سطح المنزل. كانت الحجارة تتساقط قربنا. الجنود بدورهم كانوا يردّون بإطلاق الرّصاص وقنابل الغاز المسيل للدّموع. فرّ الصحافيّون من المكان فيما تجادلت وفاطمة في جدال مع الشرطة حيث أصرّينا أن ندخل إلى المنزل. كنّا نسمع صوت منال وهي على سطح المنزل تقول لنا إن أفراد القوة يحتجزونها هناك ولا يسمحون لها أن تفتح الباب لأيّ قادم. انتظرنا بضع دقائق وكنّا خلالها نتحدّث مع أحد عناصر الشرطة الواقفين عند المدخل. كان يتحدّث العربيّة جيّداً. قلنا له إنّنا لن نذهب قبل أن نرى الأطفال. في البداية رفض الشرطيّ ذلك بل وقال إنّهم يهتمّون لأمر الأطفال أكثر منّا. لكنّه رغم ذلك طلب من أحد العناصر الذين على السّطح أن يفتح الباب. جاءت منال وفتحت لنا الباب وكان يرافقها شرطي من حرس الحدود. صعدنا معهما إلى الطابق الثاني حيث كان الأولاد محبوسين داخل المنزل. كانوا يبكون ويرتعدون من شدّة خوفهم. منال أيضاً كانت خائفة وقد كانت شاحبة.

أمرنا أحد عناصر الشرطة أن نبقى داخل إحدى الغرف دون أن نتحرّك، ثمّ خرج. ربّما صعد إلى السّطح. من داخل الغرفة التي احتجزونا فيها كنّا نسمع صوت الحجارة تتساقط على سطح المنزل وترتطم بنوافذه وأيضاً صوت إطلاق الرّصاص "المطّاطي" والغاز المسيل للدّموع. بعد مضيّ نحو أربعين دقيقة عاد الشرطيّ وهو يحمل صندوقاً معدنيّاً. أمر الشرطي منال أن تأخذ الصندوق إلى الباب الرئيسيّ للبناية. سألته منال ماذا يوجد في الصّندوق فقال لها "احملي واصمتي!". حملت منال الصّندوق وهبطت مع الشرطيّ. عاد الاثنان بعد مضيّ رُبع السّاعة تقريباً وكانت منال تحمل الصّندوق. أخذ الشرطيّ الصّندوق منها وأمرنا أن نجلس دون أيّة حركة ثمّ صعد إلى السّطح. عادت منال إلى المنزل احتضنت أطفالها وأخذت تهدّئ من روعهم.

عاد الشرطيّ مرّة أخرى وأمر منال أن ترافقه مجدّداً إلى باب البناية الرئيسيّ. نزلت منال معه وعادت بعد مضيّ عشر دقائق وهي تحمل صندوقاً. لا أعرف ماذا كان يحتوي. أخذ الشرطي الصّندوق منها وصعد إلى السّطح.

احتجزونا هناك لمدّة ساعتين ونصف السّاعة تقريباً وكنّا طوال هذا الوقت نسمع صوت الحجارة وإطلاق الرّصاص. بعد ذلك غادر العناصر البناية، ثمّ غادرتُ أنا إلى منزلي رغم أنّ بعض أفراد القوة كانوا لا يزالون في الموقع.