Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

القيود الصارمة على صيد الأسماك 

في "الاتفاقية المرحلية" التي تم توقيعها بين إسرائيل وبين منظمة التحرير الفلسطينية في إطار عملية أوسلو، التزمت إسرائيل بالسماح لسفن الصيد من غزة بالإبحار حتى مسافة تقارب العشرين ميلاً بحرياً (حوالي 37 كيلومتر)، عن خط شاطئ قطاع غزة، وقد استثنيت من الاتفاقية المناطق الفاصلة في الحدود مع كل من إسرائيل ومصر والتي حُظرَ دخولها بشكل قاطع. غير أنه وعلى أرض الواقع، فإن إسرائيل لم تمنح تصاريح إبحار لكل من طلبها، وسمحت بالإبحار فقط حتى مسافة 12 ميلاً بحرياً على الأكثر. في أعقاب اختطاف الجندي جلعاد شليط في يوم 25.6.06، منعت إسرائيل بشكل تام صيادي الأسماك من غزة من الخروج إلى البحر طوال أربعة أشهر وبعد تجدد الصيد، قلّلت المسافة إلى ستّة أميال بحرية. توقف الصيد تماماً خلال حملة "الرصاص المصبوب"، ما بين الأشهر كانون أول 2008 وحتى كانون ثاني 2009، وذلك بسبب التواجد المكثف لسلاح البحرية وتم تحديد مجال الصيد مرة أخرى بعد تجدّده مع انتهاء الحملة إلى ثلاثة أميال بحرية فقط (أي حوالي 5,5 كيلومتر).

إضافة إلى القيود الصارمة المفروضة على صيد الأسماك، فقد وثقت منظمة بتسيلم حالات مضايقة واعتداء على الصيادين من قبل جنود سلاح البحرية، وقد شملت أيضا حالات قتل، اعتقالات، توقيف ومصادرة القوارب ومعدات الصيد. في بعض الحالات، استخدمت هذه الوسائل أيضاً ضد صيادين لم يتجاوزا المجال المسموح للصيد كما حدده الجيش.

من ضمن الوسائل التي وثقتها منظمة بتسيلم، "تعليمات السباحة"، الخطيرة والمهينة، والتي أجبر من خلالها الجنودُ الصيادينَ على الإبحار إلى عمق كبير، ثم أمروهم تحت تهديد السلاح بخلع ملابسهم والسباحة في البحر إلى أن يصلوا إلى سفينة سلاح البحرية متجاهلين تماماً ظروف الطقس وحالة الجو. بعدها، تم وضع الصيادين على سفينة أبحرت إلى ميناء أشدود، وهناك تم اقتيادهم وأياديهم مكبله وأعينهم معصوبة إلى التحقيق والذي استغرق ساعات طويلة وفي نهايته تمت إعادتهم إلى حاجز إيرز، أو إلى قلب البحر، حيث المكان الذي تركوا فيه قوارب الصيد التي ضُبطوا عليها، حيث اضطروا إلى السباحة مرة أخرى من أجل العودة إلى قواربهم. يستدل من إفادات الصيادين الذي خضعوا "لتعليمات السباحة" ومن المعطيات في أجهزة الـ GPS التي بحوزتهم، بأن مثل هذه الاعتقالات تمت أيضا داخل المنطقة التي عرّفها الجيش على أنها منطقة مسموح الصيد فيها.

إن حظر الخروج إلى المياه العميقة والمخاطر التي ينطوي عليها كل خروج إلى البحر، تحرم صيادي الأسماك من فرص الوصول إلى مخزون أسماك غني ويضطرون أن يكتفوا بأسماك ذات جودة أقل وحجم أصغر. في ظل هذا الوضع، يواجه صيّادو الأسماك صعوبات في الحصول على كمية كافية من الأسماك من أجل معيشتهم بل وحتى تغطية مصاريف الإبحار. وفي ظل عدم توفر مصادر رزق أخرى في القطاع، يضطر بعض صيادي الأسماك إلى خرق حظر الصيد وتعريض حياتهم للخطر. إلى جانب ذلك، تعاني المناطق التي يسمح الصيد فيها في المياه الضحلة من ظاهرة الصيد المفرط نتيجة للقيود المفروضة على الصيد ونتيجة لتقليص مساحات الصيد المسموحة، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى انخفاض مخزون الأسماك ويضر بأماكن نمو وتكاثر الأسماك الصغيرة وهذا يعرض مخزون الأسماك في المستقبل إلى الخطر.

لقد تلقى قطاع صيد الأسماك في غزة ضربة قاسية. وفقا لتقديرات مختلفة، فإن معيشة حوالي 3,000 عائلة في غزة، والتي يصل تعدادها إلى حوالي 19,500 نسمة مرتبطة بشكل مباشر بصناعة الأسماك، وهناك حوالي 2,000 عائلة أخرى تعتاش من صناعات أخرى متعلقة بصيد الأسماك، مثل بناء وصيانة القوارب وبيع أدوات الصيد. خلقت القيود المفروضة وضعاً سخيفاً، حيث أن صيّادي الأسماك عاطلون عن العمل وفي الوقت نفسه يقوم تجار الأسماك باستيراد الأسماك من إسرائيل، مما يرفع سعر الأسماك ويحرم الكثير من العائلات من إمكانية شراء هذا المصدر البروتيني الحيوي. أدى التدنّي في العرض إلى ارتفاع أسعار الأسماك، حيث تراوح سعر أسماك السردين، وهي من أكثر أنواع الأسماك طلباً في أسواق غزة، ما بين 10-12 شيكل للكيلو في سنة 2008، وما بين 25-23 شيكل للكيلو في شهر أيار 2009.

ردا على توجه بتسيلم بهذا الخصوص، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بأن تحديد مناطق صيد الأسماك في القطاع تمّ لأغراض أمنية وعلى رأسها الحاجة إلى منع تهريب السلاح وتسلل المخربين من وإلى القطاع، ولتفادي العمليات الإرهابية في البحر بواسطة قوارب ناسفة ومنع تهريب الجندي المخطوف جلعاد شليط إلى خارج القطاع.

إن من واجب إسرائيل أن تدافع عن حدودها وعن سكانها، وفي حال وجود أي تهديد فإن من واجبها أيضاً العمل على إحباطه. مع ذلك، فإن التهديدات الأمنية لا تبرر المساس الخطير والجارف بصناعة صيد الأسماك، والعنف الذي تتم ممارسته ضد صيّادي الأسماك، تعذيبهم واعتقالهم بصورة عشوائية. إن إطلاق النار من السفن التابعة لسلاح البحرية يعرّض حياة البشر إلى الخطر، وهو يشكل انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي، الذي يُلزم الجيش بالتمييز ما بين المواطنين وبين المقاتلين كما يحظر عليه توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين.

من أجل ضمان عدم المساس بهذه الحقوق، فإن على حكومة إسرائيل أن تنشر تعليمات فتح النار في بحر غزة، وأن تكفّ فوراً عن الاعتقالات العشوائية لصيادي الأسماك والتنكيل بهم وأن ترفع القيود الخطيرة المفروضة على صيد الأسماك.