Skip to main content
من اليمين الى اليسار: يوسف الدّوش, عبد الله قاسم, محمد أبو حسين. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم
Menu
المواضيع

المظاهرات قرب الشريط في قطاع غزة مستمرّة منذ 7 أشهر والنتيجة: أكثر من 5,800 مصاب بالرّصاص الحيّ

منذ بدء المظاهرات بالقرب من الشريط الحدودي في قطاع غزة يوم 30.3.2018 قُتل أكثر من 180 متظاهرًا بنيران قوّات الأمن من بينهم 31 قاصرًا وأصيب أكثر 5,800. غالبية المتظاهرين الساحقة كانوا عزلًا وقد أُطلق عليهم الرصاص عن بعد وهم داخل أراضي قطاع غزة. في العموم لم تتعرض حياة أيّ من عناصر قوّات الأمن الذين قاموا بقنص المتظاهرين لخطر فعلي إذ هم يتمركزون متحصنين على الجانب الآخر من الشريط. قام جزء من المتظاهرين برشق الحجارة وتخريب الشريط وبعضهم تجاوزه كما ألقى بعضهم القنابل اليدوية والعبوات محلية الصنع والزجاجات حارقة نحو عناصر قوّات الأمن.

تفيد معطيات نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومنظمة الصحّة العالميّة (WHO) أنّ أكثر من 12,700 مصابًا تلقوا العلاج في مستشفيات قطاع غزّة. من بين مجمل الجرحى أكثر من 5,800 أصيبوا بالرّصاص الحيّ ونحو 1,900 جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع ونحو 480 أصيبوا بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. من بين المصابين نحو 2,300 قاصر كما اضطرّ الأطبّاء لبتر أطراف أكثر من 90 جريحًا بينهم 17 قاصرًا وامرأة واحدة. في معظم الحالات (82 جريحًا) جرى بتر الأطراف السّفلى.

أجرت بتسيلم خلال الأشهر الماضية بواسطة باحثيها الميدانيّين استبيانًا شاملًا شارك فيه 406 مصابين بالرّصاص الحيّ من المتظاهرين. 63 من المشاركين في الاستبيان منهم (أي 15%) قاصرون تحت سنّ الـ18. ليست هذه عيّنة تمثيليّة وإنّما عمليّة جمع معطيات موسّعة شملت نحو 7% من مجمل جرحى الرّصاص الحيّ. بذلنا جهدنا أن يشمل المسح مصابين جُرحوا في مواقع تظاهُر مختلفة وفي أوقات مختلفة وذلك لأجل الحصول على صورة أكثر تنوّعًا وشمولًا وأمانة - بقدر ما تسمح به الظروف المركّبة للمظاهرات التي تجري منذ فترة طويلة وفي مواقع كثيرة في جوار الشريط.

لدى معالجة المعطيات المستفادة من الاستمارات التي عبّأها المشاركون في الاستبيان تظهر النتائج التالية:

85% (348 من المشاركين بينهم 48 قاصرًا) قالوا إنّهم أصيبوا في أطرافهم السّفلى. 8% (33 من المشاركين بينهم 10 قاصرين). 8% (33 من المشاركين بينهم 10 قاصرين) قالوا إنّهم أصيبوا في أطرافهم العليا. 3% (12 من المشاركين بينهم 3 قاصرين) قالوا إنّهم أصيبوا في الرأس.

41% (167 من المشاركين بينهم 29 قاصرًا) قالوا إنّهم أصيبوا على مقربة من الشريط (كانت تفصلهم عنه 10 أمتار على الأكثر) فيما قال 35% منهم (145 من المشاركين بينهم 24 قاصرًا) أنّهم أصيبوا وهم على مسافة أبعد (كانت تفصلهم عن الشريط مسافة لا تتعدى الـ 150 مترًا). 22% (92 من المشاركين بينهم 9 قاصرين) قالوا إنّهم أصيبوا وهم على مسافة تزيد عن 150 مترًا من الشريط. من ضمن 237 مشاركًا في الاستبيان (أي ما يعادل 58% من كافة المشاركين) لم يكونوا في محاذاة الشريط مباشرة حين أصيبوا - أي على بُعد أكثر من 10 أمتار - أصيب 84% منهم (200 جريحًا) في أطرافهم السفلى و13% (30 جريحًا) في أطرافهم العليا أو في رؤوسهم.

معظم المستجوبين* (58%) أصيبوا  ليس في محاذاة الشريط مباشرة

ثلثا المشاركين القاصرين في الاستبيان (41 جريحًا) قالوا إنّهم أصيبوا عندما كانوا يتفرّجون على المظاهرة أو يرفعون علمًا أو يوثّقون المظاهرة بكاميراتهم أو أثناء ابتعادهم عن موقع المظاهرة أو حين كانوا يقدّمون المساعدة للجرحى.

65% من المستجوبين القاصرين (*) أصيبوا وهم يتفرّجون على الأحداث

83% من المشاركين (339 جريحًا) احتاجوا لمواصلة العلاج و-57% منهم (233 جريحًا) احتاجوا بعد العلاج إلى عمليّة تأهيل وعلاجات طبيعيّة. 10% من المشاركين (42 جريحًا) يعانون عجزًا جرّاء الإصابة.

57% من المستجوبين* احتاجوا علاجًا تأهيليًّا من ضمنهم 10% يعانون عجزًا

لقد كانت الإصابات البليغة بداية رحلة من المعاناة المستمرّة. أيّ جهاز صحّة حتى لو كان يعمل بشكل سليم تمامًا سيواجه صعوبات في معالجة مثل هذا العدد الهائل من المصابين فكم بالحريّ جهاز الصحّة في قطاع غزّة الذي كان على شفا انهيار قبل أن تبدأ المظاهرات. نظرًا لهذه الظروف وجد الكثير من الجرحى أنفسهم محرومين من فرصة تلقّي العلاج الذي يحتاجونه. المعطيات التي نشرتها منظمة الصحّة العالميّة - وهي صحيحة حتى تاريخ 3.11.18 - حول متوفّرات مخزن الأدوية المركزي في غزة الذي يزوّد معظم المعدّات الطبّية للمستشفيات تفيد بما يلي: 226 نوع دواء ضروريًّا قد نفد تمامًا. 241 نوع دواء ضروريًّا لم يتبقّ منه سوى احتياجات شهر واحد. 257 نوعًا من المعدّات الطبيّة المستخدمة لمرّة واحدة قد نفدت تمامًا. الوضع البائس الذي ينوء تحته جهاز الصحّة في قطاع غزّة سببه الأساسيّ سياسة الحصار الإسرائيليّة حيث تمنع إسرائيل ضمن ذلك استبدال المعدّات المعطّلة كما تمنع إدخال الأدوية والمعدّات الطبّية المتقدّمة وخروج الأطبّاء للمشاركة في برامج التأهيل والاستكمالات المهنيّة خارج القطاع. علاوة على ذلك تشهد المستشفيات في قطاع غزة تشويشات كثيرة في عملها بسبب تقطّع تزويد الكهرباء - وهذا أيضًا ناجم في معظمه عن سياسات إسرائيل.

اضغطوا للتكبير

 

إنّ ما أدّى إلى إصابة هؤلاء المتظاهرين هو سياسات إسرائيل المخالفة للقانون وما يعطّل قدرة المستشفيات في القطاع على تقديم العلاج اللّازم لهم هو الحصار المتواصل الذي تفرضه إسرائيل. ولكنّ إسرائيل لا تكتفي بذلك فهي ترفض السماح للجرحى بعبور بضعة عشرات من الكيلومترات داخل أراضيها لكي يصلوا إلى مستشفيات الضفة الغربية حيث يمكن هناك معالجة جزء منهم على الأقلّ. تفيد المعطيات التي نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة أنّه حتى تاريخ 7.10.18 حول مصير 283 طلب تصريح خروج من غزة عبر حاجز إيرز قدّمها مصابون في المظاهرات لأجل تلقّي العلاج الطبّي أنّه تمّت الموافقة على 66 طلبًا فقط (أي ما يعادل 23% منها) فيما لم يتمكّن ثلاثة أرباع مقدّمي الطلبات من السّفر لتلقّي العلاج سواء بفعل رفض طلباتهم (107 طلبات أي ما يعادل 38% من مجمل الطلبات) أو بفعل عدم تلقّي أيّ ردّ وبالتالي تفويت موعد العلاج المعيّن لهم (110 طلبات أي ما يعادل 39% من مجمل الطلبات).

هذا الكمّ الهائل من جرحى مظاهرات مسيرة العودة ليس أمرًا لا مفرّ منه وإنّما هو نتاج سياسة مقصودة يتّبعها جهاز الأمن. منذ اليوم الأوّل للمظاهرات في 30.3.18 هدّد وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان سكّان غزة قائلًا: "كلّ من سيقترب اليوم من الشريط يعرّض نفسه للخطر. أنصحكم بمواصلة حياتكم وعدم المشاركة في الاستفزاز". لقد نشرت بتسيلم من قبل أنّ كثرة أعداد الجرحى - في المظاهرات المتواصلة منذ نصف سنة - أمر لم يسبق له مثيل وأنّه نتيجة مباشرة لأوامر مخالفة بوضوح للقانون تصدر لعناصر قوّات الأمن. تسمح هذه الأوامر بإطلاق الرّصاص الحيّ على المتظاهرين العزّل الذين لا يشكّلون خطرًا على أحد المتواجدون أصلًا داخل قطاع غزّة في الجانب الآخر من الشريط. إنّ الاقتراب من الشريط أو المسّ به أو تجاوزه إلى الجانب الآخر - ليست مخالفات عقوبتها الإعدام. ولكن التصريحات عبر وسائل الإعلام نستطيع من خلالها أن نفهم بأنّ الجيش يسمح ليس فقط بإطلاق النّار على الفلسطينيين الذين يهدّدون حياة عناصر قوّات الأمن وإنّما أيضًا نحو من يعتبرهم "محرّضون رئيسيون" وفق تعريف مبهم ومخالف للقانون: راشقو الحجارة والمتظاهرون الذين يمسّون بالشريط المتظاهرون الذين يحاولون اجتياز الشريط وحتى من يقتربون من الشريط وهم داخل أراضي القطاع. على سبيل المثال في مقابلة بثّتها نشرة أخبار القناة 20 قال وزير الأمن الدّاخلي، جلعاد أردان: "ليس صدفة بأنّ مئات من ناشطي حماس قد قُتلوا في الأشهر الأخيرة… أطلقت النيران على أكثر من 5,000 فلسطيني من غزّة في الأشهر الأخيرة - أي أنّهم أصيبوا بالرّصاص أو إصابات أخرى- في إطار السياسة التي تمنع الاقتراب من الشريط أو وضع العبوات". وفي الواقع لا تكتفي قوّات الأمن بمخالفة القانون عبر إطلاق النيران على من يقتربون من الشريط بل هم يطلقون النيران أيضًا على المتظاهرين المتواجدين على بُعد مئات الأمتار من الشريط ولا يقومون بأيّ عمل يشكّل خطرًا على عناصر هذه القوّات.

رغم أنّ نتائج تطبيق هذه الأوامر المخالفة للقانون معروفة سلفًا ترفض جميع الجهات المسؤولة في إسرائيل تغيير تعليمات إطلاق النار وتواصل الادّعاء أنّها "قانونيّة" بل وتدافع عنها أمام المحكمة العليا - وحتّى قضاة العليا قبلوا هذه الادّعاءات وشرعنوا هذا الواقع.

الباحثة الميدانيّة لدى بتسيلم، ألفت الكرد، استمعت إلى إفادات بعض المصابين، وأفراد أسرهم، وشهود عيان على إصابتهم.
 

إصابة محمد أبو عكر البالغ من العمر 26 عامًا شمالي بلدة خزاعة في 6.4.18

في يوم الجمعة الموافق 6.4.18 نحو الساعة 15:30 التقى محمد أبو عكر ابن عمّه فايز أبو عكر (كلاهما في الـ26 من عمره) في مظاهرة جرت شماليّ بلدة خزاعة. عند الساعة 15:00 اقترب محمد أبو عكر من الشريط وأشعل الإطارات ورشق الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن الذين كانوا منتشرين في الجانب الآخر من الشريط.

أدلى فايز أبو بكر يوم 17.9.18 بإفادة حول إصابة محمّد:

Thumbnail
فايز أبو بكر. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 17.9.18

في ذلك اليوم الذي أطلق عليه اسم "جمعة الكاوتشوك"، كان الوضع صعبًا. كانت هناك أعداد كبيرة من المتظاهرين وإطارات مشتعلة كثيرة ودخان ومصابون كثيرون. كنت قرب الشريط أساعد في نقل الإطارات. نحو الساعة الثالثة والنصف التقيت ابن عمّي محمد أبو عكر. كان يقف على بُعد نحو 10 أمتار منّي ونحو ثلاثين مترًا من الشريط. كان إطلاق النار على المتظاهرين كثيفًا. معظم الإصابات التي شاهدتها كانت في الأرجُل.

لاحقًا أخذت في التراجُع إلى الوراء لأنّ الأحداث كانت مشتدّة. كان محمد خلفي. سمعت طلقة. التفتّ إلى محمد فوجدته ملقًى على الأرض ويلوّح بيده للمتظاهرين. مرّت عشر دقائق على إصابة محمد ولم أتمكّن من الوصول إليه بسبب كثافة النيران. بعد ذلك زحفت نحوه بسرعة مع بعض الشبّان. وجدناه مستلقيًا على الأرض والدّماء تسيل من جُرح كبير في ظهره. ضمدت جرحه بكوفيّة وحملته. طلبت منه أن يتلو الشهادتين لأنّي كنت متأكّدًا أنّه على وشك الموت. لم نتمكّن من استدعاء سيارة إسعاف لأنّها لا تقترب من الشريط. نقلنا محمد إلى خيمة العيادة الميدانيّة. فيما بعد أخبرني أشقّائي أنّ حالته خطيرة جدًّا.

أدلى المصاب محمد أبو عكر بإفادته يوم 17.9.18 واصفًا ما حدث في ذلك اليوم:

Thumbnail
محمد أبو عكر. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 17.9.18

كان هناك عدد من الجرحى وإطلاق نيران كثيفة من جانب الجيش الإسرائيلي. كان الجنود يهبطون عن السّواتر الترابيّة ويطلقون علينا قنابل الغاز المسيل للدّموع. كذلك كانت طائرة تُنزل علينا قنابل غاز. كثير من المتظاهرين أغمي عليهم. في وقت لاحق بدأت في إشعال الإطارات وبعد ذلك كنت أرشق الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي. كنت على بُعد نحو 30 مترًا من الشريط. عندما أدرت ظهري أصبت برصاصة في ظهري فوقعت على الأرض وأحسست بآلام شديدة في البطن.

كان ابن عمّي فايز أبو عكر متواجدًا على بُعد 10-15 مترًا منّي. بعد مضيّ عشر دقائق وصل إليّ مع بعض الشبّان لكي يقدّموا لي الإسعاف الأوّلي. لم يتمكّنوا من الوصول قبل ذلك بسبب كثافة النيران والغاز. نقلوني من المكان إلى منطقة الخيام وهم يردّدون "شهيد شهيد". عندما وصلت إلى العيادة الميدانيّة قدّم لي الطاقم الإسعافات الأوليّة. قال لي الطبيب "حاول أن تبقى مستيقظًا". بعد ذلك نقلوني إلى مستشفى ناصر في خان يونس. كانت إصابتي خطيرة جدًّا. سمعت أناسًا يقولون "شهيد شهيد". كان لديّ نزيف حادّ وبعد ذلك أغمي عليّ.

صحوت من الغيبوبة بعد سبعة أيّام. فوجدت نفسي موصولًا بأنابيب كثيرة في البطن والأنف والفم. كنت في قسم العناية المكثّفة ولم أكن قادرًا على الحركة ولا التحدّث مع أفراد أسرتي عندما كانوا يأتون لزيارتي. كنت فقط أبكي عندما أراهم. بقيت هكذا طيلة نحو سبعة أيّام. بعد ذلك بدأ الأطبّاء بإزالة بعض الأنابيب. أزالوا الأنبوب عن أنفي وعن فمي وصرت قادرًا على التكلّم. سألت الأطبّاء عن وضعي فقالوا إنّهم سوف أجروا لي عمليّة جراحيّة، استغرقت ثلاث ساعات - أوقفوا النزيف ورمّموا التمزّقات في الأمعاء. وكانت لديّ أيضًا شظايا في منطقة الحوض. كان المشي صعبًا عليّ وكنت أتناول فقط طعامًا مُسالًا.

رقدت في مستشفى ناصر مدّة شهر تقريبًا حتى تاريخ 14.5.18. في الوقت الحالي عمليّة الإخراج تتمّ عبر أنبوب موصول إلى كيس معلّق على جسمي وأعاني من التهابات في الجُرح والقطب التي في البطن. أتناول الكثير من مسكّنات الأوجاع وأتصعّب في الجلوس والمشي. تمّ تحويلي للعلاج في مصر ولكنّي لم أسافر - بسبب التكاليف الماليّة. أدعو الله أن يشفيني وآمل الحصول على تحويل للعلاج والتخلّص من كيس الغائط هذا لأنّه يسبّب لي معاناة نفسيّة.

إصابة عبد الله قاسم البالغ من العمر 16 عامًا شرقيّ مدينة غزّة في 14.5.18

يوم الإثنين الموافق 14.5.18 جرت مظاهرة شرقيّ مدينة غزّة احتجاجًا على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس شارك فيها الآلاف. نحو الساعة 9:30 وصل عبد الله قاسم (16 عامًا) وصديقه عمران زغرة (18 عامًا) للمشاركة في المظاهرة. نحو الساعة 12:00 تراجع الاثنان إلى الخلف وجلسا على تلّة ترابيّة تبعد نحو 100 متر عن الشريط العازل.

أدلى عمران زغرة بإفادة في 6.8.18 وصف فيها ما حدث حينئذ:

Thumbnail
عمران زغرة. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 6.8.18

نحو السّاعة 12:00 ظهرًا تراجعنا أنا وعبد الله إلى الخلف لأنّ الغاز انتشر بقوّة كبيرة وشعرنا أنّنا نختنق. جلسنا على تلّة ترابيّة صغيرة تبعد نحو مئة متر عن الجدار وكنّا نشاهد المتظاهرين من فوق ونحن على التلّة. قلت لعبد الله إنّ علينا أداء صلاة الظهر فقال لي "انتظر. دعنا نرى أوّلًا ماذا سيحدث للمتظاهرين القريبين من الشريط". بعد مضيّ بضعة دقائق وكنّا لا نزال جالسين على التلّة أطلقت النيران نحونا. لم أسمع صوت الطلقات. في البداية ظننت أنّني قد أصبت إذ رأيت دمًا على رجليّ وعندها أخذ عبد الله يصرخ. نظرت إليه فوجدته يمسك برجليه وكان دماء كثيرة تسيل منهما. حاولت حمله ولكنّني لم أستطع. ناديت المسعفين فجاءوا ونقلوه من المكان.  

أدلى المصاب عبد الله قاسم بإفادته في 5.8.18 قائلًا:

Thumbnail
عبد الله قاسم. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 5.8.18

شارك في المسيرة أناس كثيرون. قرب الشريط كان متظاهرون يرشقون الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي وإطارات مشتعلة بأعداد كبيرة جدًّا. شاهدت ما يقارب 30 جنديًّا ينتشرون فوق وخلف سواتر ترابيّة وكذلك رأيت عددًا من المركبات وجيبات عسكريّة تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين وطائرات تُسقط فوق المتظاهرين عبوات غاز مسيل للدموع أيضًا. أعداد المصابين كانت كبيرة منهم جرحى ومنهم من اختنق أو أغمي عليه جرّاء استنشاق الغاز. كذلك سقط بعض الشهداء. معظم الجرحى الذين شاهدتهم كانوا مصابين في الأطراف السفليّة.

عند الساعة 12:00 ظهرًا بينما كنت جالسًا قرب صديقي عمران على تلّة ترابيّة صغيرة تبعد مائة متر عن الشريط أطلق الجيش الإسرائيلي الرّصاص علينا. أصابتني رصاصة اخترقت رجلي اليمنى وخرجت منها وأصابت رجلي اليسرى. حاولت الوقوف ولم أستطع. وقعت على الأرض وحاول صديقي مساعدتي لكنّه لم يستطع فنادى المسعفين.

تمّ نقلي فورًا إلى سيارة إسعاف متوقّفة في منطقة الخيام. بقيت في العيادة الميدانيّة طيلة ساعة تقريبًا تلقّيت خلالها الإسعاف الأوّلي حيث ضمّدوا رجليّ. بعد ذلك نقلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة. كانت هناك أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين وبسبب الاكتظاظ نقلوني بعد مضيّ أربع ساعات إلى مستشفى القدس في غزّة أيضًا. 

أجريت لقاسم عمليّة جراحيّة في مستشفى القدس لكن الأطبّاء لم يتمكّنوا من إنقاذ رجليه. أُعيد لاحقًا إلى مستشفى الشفاء وبعد مضيّ أسبوعين ونصف تقريبًا اضطرّ الأطبّاء هناك إلى بتر رجله اليمنى من تحت الرّكبة ورجله اليسرى من فوق الرّكبة.

عن ذلك قال قاسم في إفادته:

في يوم الثلاثاء الموافق 22.5.18 قبل أن يُدخلوني إلى غرفة العمليّات أخبرني والدي أنّ الأطبّاء سوف يجرون عمليّة بتر لرجليّ الاثنتين لأنّ حالتي كانت قد تدهورت. حزنت كثيرًا نظرًا إلى أنّني سوف أفقد أجزاء من جسدي ولكن هكذا هو قدَري. توكّلت على الله ودخلت غرفة العمليّات. أبقوني في حالة تنويم بالبنج حتى 30.5.18 وعندما صحوت وجدت أنّهم قطعوا رجلي اليمنى من تحت الرّكبة ورجلي اليسرى من فوق الرّكبة. عانيت من أوجاع شديدة جدًّا وكنت أبكي وأصرخ طيلة الوقت. كانوا يقدّمون لي أدوية مسكّنة للأوجاع لكنّها لم تساعدني. بعد مضيّ شهر وأسبوع خرجت من المستشفى على كرسي متحرك. لن أتمكّن من السير على قدميّ بعد الآن.

كنت أحبّ السّباحة وكرة القدم ولكنّني لا أستطيع ممارستهما الآن. بعد قليل تبدأ السنة الدراسيّة وبدلًا من الذهاب سيرًا على الأقدام سأضطر إلى دخول المدرسة على كرسي متحرك. منذ أن بُترت رجلاي أكاد لا أتحرّك - لا مشي ولا لعب. أفكّر حتى بالتخلّي عن الدراسة في الفترة القريبة لأنّني لا أستطيع أن أتخيّل نفسي داخلًا إلى المدرسة على كرسي متحرك. هذا يسبّب لي حزنًا شديدًا. أنا ما زلت في حالة الصّدمة النفسيّة. 

أيّ ذنب جنيتُه حين ذهبت للمشاركة في مسيرات العودة؟ كلّ ما فعلته أنّني جلست وشاهدت المتظاهرين. ذهبت إلى هناك على رجليّ وعدت إلى البيت بدونهما. الجيش الإسرائيلي أطلق عليّ النار دون أيّ سبب. تلك الطلقة كلّفتني رجليّ. الآن أنا في انتظار تجهيز رجلين اصطناعيّتين لكي أتمكّن من المشي والعودة إلى المدرسة وممارسة حياتي كبقيّة أبناء جيلي. لقد حرموني من إمكانيّة الخروج للترفيه مع أصدقائي وقضاء الوقت في الشوارع. كذلك أنا لا أستطيع استخدام الدّرج وإذا احتجت الوصول إلى مكان ما يساعدني أشقّائي ويحملونني. 

في إفادة أدلى بها يوم 1.11.18 تحدّث قاسم عن عودته إلى المدرسة:

في البداية لم أقبل الذهاب إلى المدرسة لأنّني لا أستطيع صعود الدّرج هناك. أردت تأجيل الدراسة لكنّ والديّ لم يوافقا وقالا لي "نحن سندعمك وسنساعدك". في الأسابيع الثلاثة الأولى لم أذهب إلى المدرسة لأنّ صفّي يقع في الطابق الثالث ولا أستطيع الوصول إليه. بعد ذلك قرّرت إدارة المدرسة نقل صفّنا إلى الطابق الأرضي لكي أتمكّن من الانتظام في الدراسة.

الآن أنا أحتاج رجلين اصطناعيّتين لكي أتمكّن من المشي وممارسة حياة طبيعيّة. توجّهت إلى عدّة منظمات وطلبت أن يساعدوني في السفر إلى الخارج لأجل تركيب الرّجلين ولكن دون فائدة. وضعي النفسي آخذ في التدهور. كلّ ما أتمنّاه أن أحصل على رجلين اصطناعيّتين وأن أعود لروتين الحياة وأنهي دراستي الثانوية وأحقّق حلمي وأصبح صحفيًّا.

إصابة محمد أبو حسين البالغ من العمر 13 عامًا شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين في 29.6.18

في يوم الجمعة الموافق 29.6.18 نحو الساعة 17:00 حضر محمد أبو حسين البالغ من العمر 13 عامًا وهو طالب في الصف الثامن من سكّان مخيم جباليا للّاجئين، لكي يشارك في مظاهرة جرت شرقيّ المخيّم. اقترب محمد حتى مسافة ثلاثين مترًا من الشريط وهناك - نحو الساعة 18:00 أصيب بالرصاص برجله. 

صديقه أحمد السحار البالغ من العمر 17 عامًا طالب في الصفّ الثاني عشر أدلى بإفادة يوم 5.8.18، وصف فيها ما حدث:

بعد السّاعة 16:30 أخذ تتوافد أعداد كبيرة من النّاس وصارت المظاهرة أقوى. متظاهرون كثيرون تقدّموا باتّجاه الشريط. بعضهم رشق الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي وهناك من أشعل الإطارات. اقتربت حتى أصبحت على بُعد نحو عشرة أمتار من الشريط. خلف الشريط كان عدد من الجنود فوق سواتر رمليّة يطلقون الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. كانت هناك أيضًا بعض الجيبات تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع وأصيب عدد من المتظاهرين جرّاء إطلاق النيران وكثيرون اختنقوا جرّاء استنشاق الغاز. 

بقيت في المكان نفسه ولاحقًا التقيت صديقي محمد أبو حسين. لقد فاجأتني رؤيته هناك لأنه ولد صغير. أمسكته وأعدته إلى الوراء إلى منطقة الخيام وتبعد عن الشريط بضعة مئات من الأمتار لكيلا يصاب بالرّصاص أو الغاز. اقتربت مجدّدًا من الشريط وإذ بعد نحو 15 دقيقة رأيت محمد مرّة أخرى وقد اقترب كثيرًا من الشريط. كان الجيش الإسرائيلي يطلق النيران بكثافة. عند الساعة 18:00 تقريبًا أيضًا كانت النيران كثيفة وكان محمد يبعد عنّي مسافة بضعة أمتار. قرّرت التراجع إلى الوراء وأخذ محمد معي لأنّني خفت عليه. ولكن في اللحظة نفسها أصاب الجيش رجل شابّ كان يقف قربنا. أطلق الجنود النيران أيضًا نحونا وأصيب محمد في رجله. نظرت إليه فوجدت أنّ رجله تكاد تكون مقطوعة، وكان ينزف بشدّة. أخذت أصرخ وأبكي وأنادي المسعفين فأتوا وحملوه على نقّالة إلى سيّارة الإسعاف. 

محمد أبو حسين البالغ من العمر 13 عامًا قال في إفادة أدلى بها يوم 2.8.18: 

Thumbnail
محمد أبو حسين. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 2.8.18

عند الساعة 18:00 كنت أقف مع صديقي أحمد السحار. أطلق الجيش الإسرائيلي النيران نحونا في حين كنت فقط أقف وأتفرّج على الأحداث قرب الشريط. أصابتني الرّصاصة في رجلي اليمنى ووقعت على الأرض. كانت رجلي مهروسة تقريبًا وكان الدّم ينزف منها بكثرة. كنت أبكي وأصرخ من شدّة الألم. نادى أحمد المسعفين فأتوا ونقلوني إلى سيّارة الإسعاف وضمّدوا رجلي. بعد ذلك نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي وبعد مضيّ ساعة حوّلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة لأنّ إصابتي كانت خطيرة. كان النزف لا يزال مستمرًّا وبعد ذلك أغمي عليّ. في مستشفى الشفاء قرّر الأطبّاء قطع رجلي لأنّ حالتي كانت حرجة. أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي من فق الرّكبة.

عندما زال تأثير البنج وصحوت كانت الساعة الرّابعة فجرًا. سألت أخي عبد الرحمن عن رجلي هل قطعوها؟ فقال لا لم يقطعوها. بعد ذلك كلّما حاولت النهوض والوقوف على رجليّ كان أخي يقول لي "لا تحاول أن تتحرّك" ففهمت أنّهم قطعوا رجلي. كنت حزينًا جدًّا. طلبت من أخي أن يدفنوا رجلي في قبر بجوار قبر والدي الذي توفي قبل سنتين تقريبًا. لقد عانيت كثيرًا نفسيًّا وجسديًّا - من الأوجاع والأدوية. بعد مضيّ ثلاثة أسابيع تقريبًا خرجت من المستشفى.

حاليًّا أنا لا أستطيع المشي بدون عكّازين وأحيانًا أتعب كثيرًا من المشي هكذا لأنّني لم أعتدهما بعد. طبعًا لن أتمكّن بعد اليوم من ركوب درّاجتي أو اللّعب مع أصدقائي كما في السّابق. كنت أحبّ أن ألعب كرة القدم كثيرًا ولكن لن أتمكّن من ذلك بعد الآن. أحيانًا أحاول ذلك ولكن دون نجاح. يوجعني قلبي وأحزن كثيرًا عندما أنظر إلى أصدقائي يلعبون بينما أنا عاجز عن مشاركتهم اللّعب. 

بعد قليل سوف نعود إلى المدرسة وأنا لا أعرف بعد هل سأتمكّن من العودة. كيف أصل إلى هناك مع العكّازين؟ كيف أشارك أصدقائي اللّعب؟ أتمنّى أن يركّبوا لي رجلًا اصطناعية - لكي أتمكّن من اللّعب مجدّدًا وركوب درّاجتي والعودة إلى المدرسة وممارسة لعبة كرة القدم من جديد. لقد أطلقوا عليّ النار دون أيّ سبب. كنت أقف جانبًا ولم أفعل شيئًا. بسببهم فقدت رجلي وأصبحت عاجزًا.

آمنة أبو حسين والدة محمد البالغة من العمر 44 عامًا تحدّثت عن ابنها في إفادة أدلت بها يوم 28.10.18 :

اليوم الذي قطعوا فيه رجل ولدي محمد كان يومًا أسودَ بالنسبة إليّ. وقع عليّ الخبر كالصاعقة. ذهبت إلى المستشفى الذي يرقد فيه، وكنت أظنّها إصابة بسيطة. عندما رأيته رجله وعلمت أنّهم سيقطعونها أخذت في البكاء والصراخ. إنّه ولد صغير لم يتعدّ الـ13 من عمره. خفت أن يضيع مستقبله وأن تذهب دراسته وأحلامه أدراج الرياح. ماذا سيفعل ولد عندما يكتشف أنّ رجله قد اختفت؟ وماذا فعل ابني أصلًا لكي يفعلوا به ذلك؟ هو لم يحمل سلاحًا! وإذا كان قد حمل حجرًا فليس لذلك أيّ تأثير جديّ على الجيش الإسرائيلي. 

أشعر الآن بالحزن الشديد. محمد فقد استقلاليّته فأنا ألبسه وأغسله. إنّي قلقة عليه وأخاف أن أتركه ولو للحظة. قلبي يعتصره الألم عندما أراه جالسًا عاجزًا عن اللّعب أو الذهاب إلى المدرسة. كلّ أصدقائه يذهبون بشكل طبيعي إلّا هو. 

يتلقّى محمد الآن العلاج في مؤسّسة "أطبّاء بلا حدود". يهيّئونه ويدرّبونه لأجل تركيب الرّجْل الاصطناعيّة. في هذا الأسبوع سافر محمد إلى الولايات المتحدة عن طريق منظمة "إغاثة أولاد فلسطين" وهناك سوف يركّبون له الرّجل الاصطناعيّة. سيبقى هناك عدّة أشهر وقد أردت السّفر معه والبقاء إلى جانبه أثناء العلاج لكن المؤسّسة لم تسمح بذلك. ستكون هذه فترة صعبة بالنسبة لي ولمحمد أيضًا فهو يحتاجني إلى جانبه. هذه أوّل مرّة يفارقني فيها. لقد كان يرغب جدًّا في أن أرافقه أثناء فترة العلاج هناك لكن ذلك غير ممكن. أتمنّى أن يشفى وأراه عائدًا إليّ ماشيًا على قدميه بدون العكّازين.

إصابة يوسف الدّوش البالغ من العمر 18 عامًا قرب حاجز إيرز في 4.9.18

في يوم الثلاثاء، الموافق 4.9.18 أثناء مظاهرة جرت قرب حاجز إيرز شمالي مدينة بيت حانون تجاوز بعض المتظاهرين بوّابة الحاجز. عند الساعة 15:30 وصل يوسف الدوش البالغ من العمر 18 عامًا وهو من سكّان بلدة بيت لاهيا ليشارك في المظاهرة. كان يرافقه ابن عمّه عبد الله سلمان البالغ من العمر 16 عامًا وهو من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين. اقترب الاثنان من الحاجز وهما يرشقان الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن الذين كانوا منتشرين في الجانب الآخر من الحاجز والجدار الذي وراءه. قرب الساعة 17:20 عندما تجاوز يوسف الدوش بوّابة الحاجز ورشق حجارة نحو عناصر قوّات الأمن عن مسافة نحو 15 مترًا أطلق هؤلاء النار على رجله.

Thumbnail
المظاهرة بالقرب من حاجز إيرز. تصوير: محمد الزعنون, أكتيفيست ليست, 4.9.18

في إفادة أدلى بها عبد الله سلمان يوم 12.9.18 تحدّث عن إطلاق النار على ابن عمّه قائلًا: ​​​​​​

Thumbnail
عبد الله سلمان. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 12.9.18

عندما وصلنا كانت السّاعة 15:30 وكان هناك عدد كبير من المتظاهرين يرشقون الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي المتواجد في حاجز إيرز. تقدّمنا إلى الأمام واجتزنا بوّابة الحاجز نحو الجيش الإسرائيلي - الذين كانوا متحصّنين خلف جدران من الباطون. أطلق الجيش على المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة وأيضًا الرّصاص الحيّ الذي أصاب بعض المتظاهرين وأوقعهم جرحى. 

كنّا أنا ويوسف نرشق الحجارة. تقدّم يوسف نحو الجنود وبقيت أنا خلفه على بُعد نحو 15 مترًا منه وواصلنا رشق الحجارة. كنت أنظر إلى يوسف فقال لي: "تقدّم يا عبد الله"، وعندها أطلق الجنود علينا الرّصاص الحيّ وأصيب يوسف برجله. حاولت التقدّم نحوه لكي أسعفه ولكن لم أستطع لأنّ الجنود أطلقوا نحونا وابلًا من قنابل الغاز المسيل للدموع. أخذ يوسف يتراجع إلى الخلف وكان ينزف. عندما اقترب منّا جاء المسعفون وضمّدوا رجله ثمّ أدخلوه إلى سيارة الإسعاف وصعدت أنا معه. أصيبت رجله بالرّصاص الحيّ وكانت تنزف بشدّة وكان هو يصرخ من الألم حين كان المسعفون يعالجونه. عندما وصلنا إلى مستشفى العودة كانت حالته صعبة جدًّا.  

المصاب يوسف الدّوش أدلى بإفادته يوم 12.9.18 قائلًا:

رشقت مع بقيّة المتظاهرين الحجارة نحو الجيش الإسرائيلي وفي الوقت نفسه كنت أتقدّم نحو الجنود. كان هناك جنود يعتلون جدارًا إسمنتيًا إضافة إلى الجيبات وإطلاق قنابل الغاز بشكل كثيف. أغمي على الكثير من الناس بسبب الغاز. أصيب القلائل جرّاء إطلاق النيران ولكن معظمهم كان إصاباتهم جدّية. تجاوزت بوّابة حاجز إيرز واقتربت من الجيش الإسرائيلي ومن نقطة التفتيش. تقدّمت حتى لم يفصلني عن الجنود سوى 15 مترًا تقريبًا ورشقت الحجارة. 

نحو الساعة 17:20 أحسست شيئًا في رجلي اليمنى. نظرت إلى رجلي فرأيت نافورة دماء. حاولت المشي إلى الخلف ولكن لم يتقدّم أحد لمساعدتي لكثرة الغاز المسيل للدموع. واصلت التراجع إلى الخلف حتى وصلت إلى المسعفين وعندها ضمّدوا رجلي وأدخلوني إلى سيّارة الإسعاف وكان معي عبد الله ابن عمّي. نقلني المسعفون إلى مستشفى العودة في جباليا ورجلي لا تزال تنزف. بسبب خطورة الإصابة حوّلوني إلى مستشفى الشفاء في غزة وهناك أدخلوني فورًا إلى غرفة العمليّات. أثناء العمليّة تلقيت وجبات دم كثيرة لأنّ الرّصاصة اخترقت الرّكبة اليمنى ومزّقت الأنسجة وقطعت الشريان الرئيسي. استمرّت العمليّة ثلاث ساعات ونصف. صحوت في غرفة العناية المكثّفة ورقدت هناك لمدّة يومين تقريبًا وما زلت أرقد في مستشفى الشفاء. قال لي الأطبّاء إنّ وضعي جيّد وإنّ هناك تحسّن ولكنّي أحتاج البقاء في المستشفى مزيدًا من الوقت وبأنهم سيجرون لي عمليّة تجميليّة لأنّ جزءًا من نسيج الرجل قد انسلخ. 

خرج يوسف الدوش من المستشفى بعد ثلاثة أسابيع لكنّ وضع رجله ظلّ يتدهور. في إحدى زيارات متابعة العلاج قال له الأطبّاء إنّه لا مناص من بتر رجله. رفض والده الموافقة على عمليّة البتر وسعى جاهدًا لتحويل ولده للعلاج في الخارج. 

Thumbnail
يوسف الدّوش. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 29.10.18

أدلى المصاب بإفادته يوم 29.10.18 محدّثًا عن إصابته ومحاولات العلاج:

أجرى والدي اتّصالًا مع طبيب خاصّ فجاء وفحصني. قال الطبيب إنّ وضع رجلي سيّئ جدًّا حيث تبيّن في صورة CT أنّ هناك انسداد كبير في الشرايين. تلقّيت أدوية عن طريق الفم والإبر. أحد أقاربنا يعمل طبيبًا في وزارة الصحّة أخذني إلى منزله في مخيّم النصيرات لكي يعكف على معالجة رجلي. أمكث في منزله منذ أسبوعين. هو من يغيّر الضمّادات وينظف الجرح. الآن رجلي آخذة في التحسّن.  

لقد سبّبت لي الإصابة معاناة شديدة. أنا لا أستطيع المشي ولذلك أستعين بعكّازين. أظل طريح الفراش ليل نهار وأعاني أوجاعًا شديدة وإحساسًا بالحرَقة في الرّجل. أحيانًا أخبط على رأسي من شدّة الألم. والدي موظّف بسيط ولا يمكنه توفير المال اللّازم للعلاجات التي أحتاجها. فقدت الشهيّة وانخفض وزني. أعاني أوجاعًا في الرأس طيلة الوقت. حتى دخول المرحاض صار أمرًا صعبًا عليّ. لقد فقدت عملي جرّاء هذه الإصابة. كنت أعمل في معمل معجّنات. لم يعد بإمكاني ممارسة لعبة كرة القدم في النادي الذي كنت أنتمي إليه. كان يُمتعني كثيرًا منافسة أصدقائي في الرّكض على شاطئ البحر ولكنّني لن أستطيع العودة إلى ذلك بسبب نتائج الإصابة. لقد فقدت كلّ هذه الأشياء. أنا مرهق نفسيًّا وجسديًّا وأكاد لا أخرج من المنزل. أدعو الله أن يشفيني فأتمكّن من المشي على قدميّ مجدّدًا.