Skip to main content
محمد أبو معوّض (15 عاما) الجزء السفلي من جسده مشلول منذ إصابته برصاص جنود بتاريخ 3.5.19. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 26.12.19
Menu
المواضيع

يطلقون النار ويمنعون علاج الجرحى: 155 حالة بتر أطراف و-27 حالة شلل خلال سنتين - هكذا تعاقب إسرائيل من يجرؤ على الاحتجاج ضدّ الحصار في قطاع غزّة.

انطلقت في آذار 2018 "مظاهرات العودة" قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة احتجاجًا على الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع ومطالبة بممارسة حقّ العودة. سياسة إطلاق النار المخالفة للقانون التي تطبّقها إسرائيل في هذه المظاهرات تسمح للجنود بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد وقد سبق أن وثّقتها بتسيلم بتوسّع. لقد أسفرت هذه السّياسة عن نتائج مروّعة: أكثر من 200 متظاهر قُتلوا وجُرح حتى نهاية كانون الثاني 2020 بالرّصاص الحيّ نحو 8,000 متظاهر من بينهم ما يقارب 1,500 قاصر ونحو 150 امرأة. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) حتى نهاية عام 2019 أنّ الأطبّاء اضطرّوا إلى بتر أطراف 155 متظاهرًا تقريبًا من بينهم 30 قاصرًا كما أن هناك 27 متظاهرًا يعانون الشلل نتيجة لإصابات في العامود الفقريّ.

لا تنتهي المعاناة عند حدّ الإصابة البليغة بل هي بداية رحلة من العذاب تشمل العلاجات والفحوصات والعمليّات الجراحيّة التي يخضع لها المصابون ثم صعوبات تأقلمهم مع ظروف حياتهم الجديدة. لكنّ مصابي مظاهرات غزّة يشقون في عذابات أكثر تعقيدًا: الحقّ أنّه من الصّعب على أيّ جهاز صحّة الصّمود في ظرف توافُد الجرحى بهذه الأعداد الكبيرة ولكنّ جهاز الصحّة في غزّة حتى قبل مظاهرات العودة كان يعاني نقصًا في الأدوية والأطبّاء والأجهزة نتيجة للحصار المفروض على غزّة والذي يُمنع الاطبّاء جرّاءه حتى من الخروج للاستكمالات المهنيّة. نتيجة لهذا كلّه معظم الجرحى لا يتلقّون العلاج الذي يحتاجونه ممّا يسبّب مضاعفات خطيرة في بعض الحالات ويصبح الأمر أصعب إذا أخذنا بالحسبان النقص في مؤسّسات العلاج التأهيليّ في قطاع غزّة.

هناك عدد قليل من الجرحى يحصلون على فرصة تلقّي العلاج خارج قطاع غزّة - في مستشفيات الضفة الغربيّة (بما فيها شرقيّ القدس) لكنّ هذا يحدث فقط في حالات استثنائيّة حصل فيها الجرحى على تصريح دخول إلى إسرائيل - وقد سبق أن أعلنت إسرائيل منذ انطلاق المظاهرات أنّها ستقل في إصدار التصاريح. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) أنّه منذ بدء مظاهرات العودة وحتّى نهاية عام 2019 قدّم 604 مصابين في مظاهرات العودة طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل. 17% فقط منها تمت الموافقة عليها فيما رُفض ما نسبته 83% رفضًا مباشرًا أو بالامتناع عن الردّ عليها. هناك جرحى اضطرّوا إلى تلقّي العلاج في دول أخرى مثل مصر وتركيا وبعضهم على حسابهم الخاصّ.

 

في إفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد قال فتحي أبو معوّض من مخيّم جباليا للّاجئين - جدّ الفتى المصاب محمد (15 عامًا):

صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي.

تحدّث عدد من المصابين في إفاداتهم أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين في قطاع غزّة عن ملابسات إصابتهم ومواجهة صعوبات ما بعد الإصابة في ظروف لا تطاق:

محمد الزعيم (26 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 6.4.18:

في 6.4.18 في الجمعة الثانية للمظاهرات ذهب محمد الزعيم وهو صاحب حانوت قرطاسيّة إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزة. نحو السّاعة 17:00 أطلق جنود الرّصاص الحيّ على محمد وأصابوه في ساقيه. نُقل محمد إلى الخيمة الطبّية ومن هناك نُقل إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة. بعد أن رقد للعلاج طوال عشرة أيّام تمّ تحويله إلى المستشفى الاستشاري في رام الله فسافر إلى هناك برفقة جدّه وهناك اضطرّ الأطبّاء إلى بتر ساقه اليسرى.

أدناه إفادة محمد الزعيم أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 17.12.19، محدّثًا عن حياته بعد الإصابة:

محمد الزعيم. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 17.12.19

عندما علمت أنّهم قطعوا رجلي انتابتني الصّدمة. أنا شابّ في بداية حياتي، كيف يقطعون رجلي! بعد أن عدت إلى المنزل كان عليّ أن أخضع أيضًا لعمليّة زرع عصب في ساقي اليمنى وزرع عظام وأعصاب في ساقي اليسرى وعلاجات أخرى. طلبت تحويلي للعلاج مرّة أخرى في مستشفى في رام الله ولكنّ الجواب كان دائمًا أنّ طلبي قيد الفحص. كنت يائسًا ومحبطًا من ذلك فرفضت تلقّي العلاج في قطاع غزّة لأنّني خشيت أن يسبّبوا أضرارًا لساقي. في تشرين الأوّل سافرت مع والدي إلى مصر لإجراء عمليّات جراحيّة وتركيب ساق اصطناعيّة يسرى. مكثت هناك تسعة أشهر. دفعت تكاليف السّفر والسّاق الاصطناعيّة من حسابي الخاصّ. الآن أنا أحتاج عمليّة أخرى في ساقي اليسرى.

حالتي النفسيّة اليوم صعبة فأنا أمضي يومي نائمًا أو قبالة التلفزيون. لا أريد أن أرى الناس ولا ألتقي كثيرًا بأصدقائي. أحسّ أنّني أصبحت عالة وعبئًا كبيرة على أسرتي وخاصّة والدتي التي تهتمّ بي وقلّما تخرج من المنزل لأنّها مضطرّة إلى البقاء بجانبي. أحيانًا أحسّ بالاختناق وأصاب بنوبات عصبيّة فأكسّر ما تطاله يدي من أغراض المنزل.

لا أستطيع اليوم ركوب درّاجتي الناريّة أو لعب كرة القدم التي كنت أحبّها كثيرًا. لقد اقترحوا عليّ المشاركة في مباريات سباحة وكرة قدم تقيمها جمعيّة لتأهيل المعاقين ولكنّني رفضت. لا أريد أن ينظر الناس إليّ بإشفاق. لهذا السّبب لا أخرج كثيرًا من المنزل في ساعات النهار. أنا أستخدم عكّازين عند الخروج ولا أخرج سوى في اللّيل تحت جُنح الظلام. كان لدينا دكّان اضطررنا لإغلاقه لأنّ والدي يعاني من مرض في القلب. ربّما أتّجه للدّراسة ذات يوم ورّبما أتزوّج وأنشيء أسرة. أنا أفكّر في هذا الموضوع.

أستصعب النوم من كثرة الأوجاع وأقضي الليل بالتفكير بإصابتي والعلاجات. لا أغفو إلّا بعد تناوُل مسكّنات الأوجاع. في الشتاء تشتدّ الأوجاع بسبب البرد. أحيانًا يصعب عليّ كثيرًا النظر إلى ساقي الاصطناعيّة لأنّ منظرها يُسبّب لي الاكتئاب. لقد دمّرت إسرائيل حياتي جسدّيًا ونفسيًّا.

جلال أبو حيّة (39 عامًا) أب لخمسة أبناء من سكّان عبسان الكبيرة، أصيب في 14.5.18:

يعمل جلال أبو حيّة في جهاز الدّفاع المدنيّ وقد اعتاد تقديم الإسعاف الأوّلي للمصابين في المظاهرات. في يوم الاثنين الموافق 14.5.18 نحو السّاعة 8:00 وصل جلال إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة عبسان الجديدة. قرب السّاعة 11:00 أطلق جنديّ الرّصاص الحيّ وأصابه في ظهره. نُقل جلال إلى مستشفى ناصر في خان يونس حيث تبيّن أنّ الرّصاصة أصابت عاموده الفقريّ. من هناك تمّ تحويله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس لإخراج الرّصاصة. بعد العمليّة رقد في المستشفى طيلة ثمانيّة أيّام ثمّ نُقل إلى العلاج التأهيليّ في مستشفًى تابع للهلال الأحمر في خان يونس حيث خضع للعلاج طيلة أربعة أسابيع. من هناك عاد جلال إلى منزله مشلولًا في النصف الأسفل من جسده.

أدناه إفادة جلال أبو حيّة، أدلى بها في 22.12.18 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة قائلًا:

بعد أن خرجت من المستشفى كنت في وضع صعب جدًّا. قال الأطبّاء إنّه يجب تقليبي في الفراش كلّ ساعتين لئلّا تحدث تقرّحات وكانت زوجتي تضطرّ إلى الاستيقاظ مرارًا في اللّيل لكي تقلبني. كانت الجروح تؤلمني كثيرًا. كنت مشلولًا وعبئًا على زوجتي فكانت حالتي النفسيّة متردّية جدًّا. كنت أفكّر دائمًا كيف يمكنني التخفيف عنها فقرّرت بناء سرير يمكنني التقلّب فيه بواسطة رافعات. وفعلًا بنيت السّرير بمساعدة ابني محمد (17 عامًا). استغرق ذلك سبعة أشهر وقد اشتريت جميع القطع وأدوات العمل اللّازمة على حسابي الخاصّ. عندما بدأت باستخدام السّرير اطمأنّيت - لم أعد بحاجة لمساعدة من زوجتي واعتمدت على ساعة منبّه. أعاني أوجاعًا شديدة في الجزء المشلول من جسمي وأتناول المسكّنات وهذه أشتريها من حسابي الخاصّ لأنّ العيادات العامّة لا توفّرها لنا.

جلال أبو حيّة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم 22.12.19

بعد شهر من استخدام السّرير أخذت أتنقّل بواسطة كرسي متحرك. كنت أمارس سابقًا هواية صنع السّكاكين والشباري وبعد إصابتي قرّرت كسب رزقي من صنع الشباري في المنزل وبيعها. ولأنّني لا أستطيع استخدام منشار الحديد الدّائريّ (القرص) قمت بتصميم أدوات عمل لجلخ الحديد تريحني كثيرًا في العمل وتساعدني إلى صُنع منتجات بنوعيّة جيّدة.

وبما أنّني أتصعّب كثيرًا في التحرّك حيث أتنقّل بواسطة كرسيّ متحرك فقد بنيت ممرًّا خاصًّا فوق درجات مدخل المنزل لتسهيل خروجي ودخولي. ولكنّني ما زلت بحاجة لمن يساعدني في دفع الكرسيّ عند صعود الممرّ. أنا لا أخرج كثيرًا من المنزل بسبب صعوبة التنقّل وإذا ما رغبت بزيارة أحد عليّ التأكّد أوّلًا أنّ المبنى خالٍ من الأدّراج. أقلّل من اللّقاءات الاجتماعيّة لكيلا أكون عبئًا على أحد وكذلك لأنّ الانتقال من مكان إلى آخر يسبّب لي أوجاعًا.

ما زلت أتلقّى جزءًا من راتبي من جهاز الدّفاع المدنيّ كما أتلقّى مخصّصات من جمعيّة قَطَريّة. قبل الإصابة كنت أعمل أحيانًا في القصارة ولكنّني اليوم لا أستطيع ذلك. حالتي تؤثّر طبعًا على وضع أسرتي الاقتصادي لأنّ مدخولنا أصبح أقلّ.

أحمد الخضري (21 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 1.3.19:

 

كان أحمد الخضري عامل بناء. في الثالثة والنصف من عصر يوم الجمعة الموافق 1.3.19 ذهب للمشاركة في مظاهرة أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة. بعد مضيّ ساعة أطلق جنديّ عيارًا ناريًّا أصاب أحمد في ساقه اليمنى فنُقل إلى الخيمة الطبّية ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء حيث أجريت له عمليّة جراحيّة. بعد مرور يومين بتر الأطبّاء ساقه من تحت الرّكبة وبعد أسبوع خرج من المستشفى.

أدناه إفادة أحمد الخضري، أدلى بها في 16.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد محدّثًا عن حياته منذ إصابته:

أحمد الخضري. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 16.12.19

بعد قطع ساقي مررت بفترة صعبة من الناحية النفسيّة فقد انتابني حزن عميق وشعور بالعجز. كان الناس ينظرون إليّ بإشفاق بسب وضعي وكنت بدوري أنظر إلى الناس الذين يسيرون بشكل طبيعي وأبكي. كانت نفسيّتي محطّمة.

قبل قطع ساقي كنت أعمل في البناء وأساعد والدي في إعالة الأسرة ومصروفات المنزل. كذلك كنت أمارس لعبة كرة القدم والسّباحة في البحر. أمّا اليوم فأمشي معتمدًا على العكاكيز ولا أستطيع العمل في البناء. قبل ثمانية أشهر تقريبًا انضممت إلى مجموعة دعم نفسي ونحن نقوم بتدريبات رياضيّة معًا ونخرج في جولات ورحلات. أذهب إلى هناك تقريبًا بشكل يوميّ خلال الأسبوع. أحاول أن أمتلك حياتي من جديد: عدت إلى ممارسة هواياتي ولكنّ الأمر صعب فأنا ألعب كرة القدم ولكن اللّعب بساق مبتورة لا يكون بمستوى من لديه ساقان. حاولت أيضًا السّباحة في البحر ونجحت في ذلك. أنا أتحدّى الإعاقة ولا أريد أن يشفق الناس عليّ. أحاول تدبّر أموري أثناء الاستحمام دون مساعدة وأعدّ الطعام لنفسي. هذا صعب ولكنّني لا أتنازل.

أشعر أنّ الأولاد في الشارع والحارة يخافون من منظري بسبب رجلي المقطوعة وهذا يضايقني. عندما رأت شقيقتاي الصّغيرتان – ليان (7 سنوات) ولمى (6 سنوات) - رجلي للمرّة الأولى فرّت كلتاهما خوفًا فتألّمت كثيرًا لهذا. لكنّني رويدًا رويدًا تقرّبت منهما وساعدتهما على تقبّل وضعي وعدم الخوف منّي. أنا شابّ في بداية حياتي وأخشى ألّا أجد شابّة أتزوّجها. أفكّر في ذلك دائمًا. كنت أحبّ العمل والآن لا أستطيع ذلك. في الآونة الأخيرة أذهب إلى المستشفى للتدرّب على استخدام السّاق الاصطناعيّة التي سيقومون بتركيبها في الأسبوع القادم. آمل أن يكون مقاسها ملائمًا وألّا تسبّب لي المشاكل. فكرة تركيب ساق اصطناعيّة صعبة جدًّا عليّ ولكنّني آمل أن أتقبّلها وأن يتوقّف الناس عن التعامُل معي بإشفاق.

محمد أبو معوّض (15 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، أصيب في 3.5.19:

 

محمد أبو معوّض تلميذ في مدرسة مهنيّة يتعلّ الخياطة. نحو الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 3.5.19 ذهب محمد ليشارك في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ المخيّم. نحو السّاعة 19:00 أطلق عليه جنديّ النار وأصابه في صدره. من ثمّ نُقل محمد إلى المستشفى الإندونيسي القريب من المخيّم ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة نظرًا لخطورة وضعه. في مستشفى الشفاء أجريت له عمليّة لإخراج الرّصاصة لكنّه بقي مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. بعد مضيّ عشرة أيّام نُقل محمد لتلقّي العلاج التأهيليّ في مستشفى حمد في مدينة غزّة وبعد شهر غادرة المستشفى إلى منزله.

 

أدناه إفادة الفتى محمد معوّض - أدلى بها في 26.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد واصفًا ما جرى له::

محمد أبو معوّض. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 26.12.19

قبل الإصابة كنت أتعلّم الخياطة في مدرسة مهنيّة وكنت أقضي معظم وقتي خارج المنزل: أركب درّاجتي الهوائيّة وألعب كرة القدم مع أصدقائي وأرتاد أماكن ألعاب الحاسوب وأيضًا أذهب إلى السّوق لشراء الحاجيّات لأسرتي. كانت حياتي غنيّة وكنت سعيدًا فيها. الآن أنا ألازم المنزل وسريري الطبّي الخاصّ وأتسلّى طوال الوقت بالهاتف - ألعاب أو مشاهدة أشرطة الفيديو. لا أذهب إلى المدرسة ولا أركب الدرّاجة ولا ألعب مع أصدقائي. هذا كلّه سرقوه منّي. حين أشاهد أولاد المخيّم يلعبون وأسمع أصواتهم وهم فرحين أو يصرخون على بعضهم البعض أتمنّى لو أنّني معهم. ولكنّني أشفق على نفسي ثمّ أغضب وأبكي وآخذ في تكسير أغراض المنزل.

نحن عائلة تعيش في ظروف صعبة جدًّا: والدي عاطل عن العمل ونحن أسرة من ثمانية أنفار نسكن بالإيجار في الإسكان الشعبيّ في مخيّم جباليا للّاجئين. كانت لديّ آمال أن أعمل خيّاطًا وأساعد والدي في تربية إخوتي وإعالة الأسرة لكنّني الآن مشلول ولا أقدر على فعل شيء. أعاني من التقرّحات لأنّها تؤلمني كثيرًا. يأتي إلى منزلنا مرّتين في الأسبوع طاقم من جمعيّة طبّية يقوم بتغيير الضمادات وتضميد جراحي من جديد. أعاني كذلك من فقر الدم وأذهب إلى المستشفى الإندونيسيّ حيث أتلقّى وجبات دم.

أتمنّى الخضوع لعمليّات جراحيّة خارج قطاع غزّة لكي أتمكّن من المشي من جديد فتعود لي حياتي الطبيعيّة وأعود إلى اللّعب كالسّابق.

أدناه إفادة فتحي أبو معوّض جدّ الفتى محمد (62 عامًا) وهو أب لتسعة أبناء، أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 15.1.20 محدّثًا عن وضع حفيده:

فتحي أبو معوّض. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم, 15.1.20

صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي.

خلال رقوده للعلاج في المستشفى كان محمد يسألني دائمًا "هل سأمشي من جديد؟" وكنت أقول له "نعم ولكن هناك علاجات وأدوية يجب أن تأخذها أوّلًا". كنت دائمًا أطمئنه بأنّه سوف يُشفى ولا أستطيع أن أخبره عن حقيقة وضعه. لكنّه كان يقول لي إنّه لا يشعر بالجزء السفلي من جسده عندما كنت أساعده على تحريك جسده في السّرير أو تغيير حفاظه الصحّي لأنّه لا يسيطر على خروجه.

أحيانًا كان محمد يحاول النهوض من سريره فيتذكّر فجأة أنّه لا يستطيع ذلك. كم كنت أحزن عندما يحدث له ذلك. كان ينتابني اليأس والحزن فأسرع للخروج من الغرفة وأجهش بالبكاء.

بعد مضيّ عشرة أيّام نقلوا محمد إلى مستشفى حمد للعلاج التأهيليّ في مدينة غزة. كنّا نراه فقط في أوقات الزّيارة المحدّدة. كان يتّصل بي أثناء اللّيل ويقول "أنا خائف. لماذا وضعوني في هذا المستشفى؟" فكنت أطمئنه وأهدّئ من روعه قائلًا "هذا لكي تتلقّى العلاج وتشفى يا محمد وتمشي من جديد". لكنّه كان يجيبني "أنت تكذب يا جدّي. لا أحد يريدني ولا أحد يحبّني. لو كنت تحبّني لما تركتني وحيدًا في المستشفى. لقد عافت نفسي. أنا أكره المستشفى".

بسبب الأوجاع يعاني محمد منذ إصابته نوبات غضب - يقذف أغراض المنزل ويكسرها. إنّه يبقى في السّرير ولا يخرج إلّا قليلًا على الكرسي المتحرك ليلتقي أصدقاءه من أبناء المخيّم. أرى الحزن في عينيه وهو ينظر إلى أصدقائه يمرحون ويلعبون فيما هو "مقيّد" إلى الكرسي المتحرك.

أنا ووالداه لا نفارقه. والدة محمد تعاني مشاكل نفسيّة نتيجة صدمة حرب 2014 وهي تتناول الأدوية لكي تتمكّن من رعاية أسرتها. ابني رمزي عاطل عن العمل ويتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه مبلغ 1,800 شيكل كلّ خمسة أو ستّة أشهر. إنّهم أسرة مؤلّفة من 8 أنفار ويعيشون في ظروف صعبة جدًّا وخاصّة منذ إصابة محمد لأنّه يحتاج إلى أدوية وحفاظات صحيّة وغذاء. في الشتاء يعانون كثيرًا لأنّ المطر يدلف إلى منزلهم عبر السّقف.

أدعو الله أن يشفي محمد. إنّه يحتاج الكثير من العناية والعلاجات. هو يريد إجراء عمليّة خارج القطاع ولكن وزارة الصحّة لم توافق على تحويله لأنّهم يعتقدون أنّه لا فائدة تُرجى منها. أنا أقوم بما أستطيع أسانده وأبقى معه وأوفّر له ما أقدر عليه وأهتمّ بإدخال الفرح إلى قلبه.

نزيهة قديح (39 عامًا) من سكّان عبسان الكبيرة، أصيبت في 14.5.18:

نزيهة قديح تعمل مزارعة. في العاشرة من صباح يوم الاثنين الموافق 14.5.18 وصلت للمشاركة في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة خُزاعة. بعد ستّ ساعات ونحو السّاعة 16:00 أصيبت في ساقها اليمنى جرّاء نيران أطلقها جنديّ ونُقلت إلى الخيمة الطبّية. من هناك نُقلت نزيهة إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس حيث بتر الأطبّاء ساقها.

أدناه إفادة نزيهة قديح - أدلت بها في 12.1.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. قالت:

نزيهة قديح . تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 12.12.19

بعد أن أنهيت دراستي الثانويّة توجّهت للعمل في أراضي عائلتنا وأيضًا أراضي الجيران. كنت أزرع بعض الخضار وأحرث الأرض وأحصد القمح. ساعدت أسرتي أيضًا في قطف الزيتون كلّ سنة. كنت أحبّ العمل الزراعيّ بحيث أخرج من المنزل في الصّباح وأعود في ساعات المساء. وكان يسرّني أنّني قادرة على إعالة نفسي وأسرتي فوالداي مسنّان وأخي صهيب (34 عامًا) أصيب هو أيضًا في "مظاهرات العودة" وبُترت ساقه. هو متزوّج وأب لأربعة أبناء وابنتان.

لقد دُمّرت حياتي منذ الإصابة. أنا الآن عاطلة عن العمل وأبقى في المنزل طوال اليوم. لا أستطيع القيام بأيّ شيء. أقضي معظم وقتي في النّوم. نفسيّتي متعبة وأنا أبكي طوال الوقت. أعاني من الصّداع وساقي تؤلمني. لقد حصلت على ساق اصطناعيّة ولكنّني لا أستخدمها لأنّها تسببّ لي حكّة في رجلي. نعيش أنا ووالديّ المسنّين وحدنا ولكي أنظّف المنزل أزحف على الأرض ممّا يسبّب لي الإنهاك. أحيانًا أقف على رجلي اليسرى عندما أقوم بغسل الأواني ولكن هذا أيضًا متعب.

عندما أرى الأصدقاء والجيران ذاهبين إلى أراضيهم أو أهلي ذاهبين لقطف الزيتون أتمنّى أن أرافقهم وأن أحرث الأرض وأزرعها. عندها أبكي بحرقة ويملؤني الحزن. أشتاق للجمعات الحلوة والجوّ البهيج وقت حصاد القمح والشعير في أراضينا.

يتحطّم قلبي عندما أرى الصّبايا يمشين في الشارع بالكعب العالي ويرتدين الملابس الجميلة. لا توجد لي علاقات اجتماعيّة. لقد انقطعت عن الناس والأقارب والجيران ولا أشارك في كثير من المناسبات العائليّة. الخروج من المنزل يتعبني وكذلك يؤلمني أن يراني الناس في هذا الحال. لقد اسودّت حياتي وهي تصبح أصعب يومًا بعد يوم. لقد أصبحت بلا مستقبل.

أعتقد أنّني الفتاة الوحيدة التي قُطعت ساقها في مظاهرات العودة. أتمنى أن يكون لديّ كرسي متحرك فأنا اليوم لا أستطيع الخروج من المنزل وإعالة نفسي.

المكان