Skip to main content
Menu
المواضيع

بيان الدولة بخصوص منطقة اطلاق النار 918 يتجاهل قوانين الاحتلال

توجد في منطقة جنوب جبال الخليل قرابة ثلاثين قرية قائمة منذ عشرات السنوات، قبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية. ويعتاش سكان هذه القرى على الزراعة ورعي المواشي ويعيش قسم منهم في المُغُر أو في مبانٍ عشوائية إلى جانب المُغُر، التي لا يزالون يستخدمونها كمطابخ وحظائر للماشية أو مخازن. وفي فترة الحصاد والحراثة يصل أبناء العائلة من يطا إلى المنطقة من أجل مدّ يد المساعدة.

منطقة اطلاق النار 918
منطقة اطلاق النار 918

طرد سكان خربة المفقرة، تشرين ثاني 1999، قام الجيش بتحميل ممتلكات السكان على شاحنات والقى بها خارج منطقة التدريبات العسكرية. تصوير: نسرين عليان، بتسيلم.

في مطلع سنوات الثمانين أعلن الجيش الإسرائيلي عن منطقة تمتدّ على قرابة 30,000 دونم جنوبيّ جبال الخليل وعليها تقوم 12 قرية، على أنها "منطقة اطلاق النار 918". في تشرين الثاني 1999 طرد الجيش أكثر من 700 شخص من سكان هذه القرى، وهدم آبار المياه وصادر الممتلكات- وكل ذلك بادّعاء أنّ سكان هذه القرى يسكنون منطقة أُعلنت كمنطقة اطلاق النار، وذلك خلافًا للقانون. ويعيش في هذه القرى اليوم قرابة 1,800 فلسطينيّ.

في أعقاب الطرد، التمس السّكانُ الى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، البعض مثّلتهم جمعية حقوق المواطن والبعض مثّله المحامي شلومو ليكر. وأصدرت المحكمة أمرًا مؤقتًا ألزم الجيش بتمكين عودة السّكان إلى بيوتهم إلى حين البتّ في شأن الالتماس.

في عام 2005 توقفت عملية التحكيم التي كانت سارية بين الطرفيْن، من دون أيّ نتائج تُذكر. وفي نيسان 2012 جدّدت المحكمة المداولات في الملف وأعلنت الدولة أنّ وزارة الأمن بلورت موقفًا جديدًا بما يخصّ مكانة الفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة.

في يوم 19/7/2012 قدّمت الدولة إلى المحكمة بيانًا مفصّلاً، ادّعت فيه أنّ الملتمسين ليسوا "سكانًا دائمين" في منطقة اطلاق النار ولذلك فإنهم لا يملكون أيّ حقّ بالسّكن فيها. وأوضحت الدولة أنّ الجيش مستعدّ للسماح للسكان بالدخول إلى المنطقة من أجل استصلاح الأراضي ورعي الماشية في نهايات الأسبوع وأعياد إسرائيل، وخلال فترتين تمتد كل واحدة منهما على شهر واحد، على مدار السّنة. أما بخصوص الجزء الشماليّ-الغربيّ من منطقة اطلاق النار الذي يحوي أربع قرى، فقد أعلنت الدولة أنها ستجري فيها تدريبات ولكن من دون استخدام الرصاص الحيّ، وأنه بوسع سكانه أن يواصلوا السكن هناك، بما يخضع لقوانين التنظيم والبناء.

في أعقاب بيان الدولة، شطبت المحكمة العليا يوم 7/8/2012 الالتماسات المقدمة، بعد أن قضت بأنّ البيان يحوي "تغييرًا للوضع القائم المعياري"، ولذلك فإنّ الالتماسات "استنفدت نفسها". وقضى القاضي فوغلمن بأنّ بوسع الملتمسين تقديم التماسات جديدة وبأنّ الأوامر المؤقتة التي تلزم الجيش بتمكين سكان القرى من العيش في المكان واستصلاح أراضيهم، ستظل سارية حتى يوم 1/11/2012. كما شدّدت المحكمة على أنّ شطب الالتماسات لا يعني اتخاذ أيّ موقف بشأن ادعاءات السّكان.

وفي البيان الصّادر عنها يوم 19/7/2012، أوضحت الدولة ولأول مرة "الحاجة الميدانية" من وراء الإعلان عن المنطقة منطقة اطلاق نار: في الماضي اُستخدمت المنطقة لإجراء تدريبات لسلاح الجوّ ووحدات اخرى، إلا أنّ "ازدياد البناء غير القانوني ومكوث الناس في المنطقة"، أجبر الجيش على تقليص حجم التدريبات في المنطقة بشكل كبير. وكانت الحلول البديلة التي وُجدت "غير كافية لتلبية جميع متطلبات الحاجة الميدانية"، ناهيك بأنّ هذه المنطقة ضرورية بالذات بسبب "المبنى الطوبوجرافي المتميز للمنطقة، والذي يُمكّن من إجراء أشكال عينية من التدريبات لأطر كبيرة وصغيرة، ابتداءً من الفرقة وانتهاءً بالكتيبة (ومع ضمّ مناطق تدريب مجاورة يمكن إجراء تدريبات لوحدات أكبر)".

إلا أنّ ما يرد لاحقًا في بيان الدولة يشير إلى أنّ تقليص التدريبات لا يتعلق البتة بوجود أو عدم وجود السكان الفلسطينيين في المنطقة. فقد أوضحت الدولة أنّ استخدام مناطق التدريبات بين السنوات 2000-2006 تقلص بشكل عام، "ومن ضمن أسباب ذلك تقليص حجم القوات، إلى جانب انشغال الوحدات في عمليات ميدانية جارية، وذلك على خلفية الأحداث التي وقعت عام 2000 وحملة "السور الواقي" والعمليات الميدانية التي تلتها وما شابه- وكلّ ذلك على حساب الأوقات المخصصة للتدريبات". كما أنّ حرب لبنان الثانية "كشفت عن نقاط ضعف في جاهزية القوات البرية في الجيش، ومن ضمن ذلك على خلفية الانشغال المتزايد والجاري بالحرب على الإرهاب في مناطق يهودا والسّامرة، الذي أضرّ بقدرة القوات على التدرّب، الأمر الذي زاد من وضوح الحاجة لعودة القوات إلى التدريبات المنتظمة. وفي المقابل، فإنّ التحسّن الذي طرأ بعد ذلك على الوضع الأمنيّ في المنطقة وتدعيم السيطرة على المناطق على خلفية تلك النشاطات الجارية، مكّنا الوحدات من العودة إلى التدريبات". وعليه، "طرأ ارتفاع منذ العام 2006، وبشكل مثابر، على حجم التدريبات واستغلال مناطق التدريبات كتحصيل حاصل للتغييرات التي طرأت على الاحتياجات الميدانية في الجيش الإسرائيلي عمومًا، وفي مركز قيادة المركز خصوصًا".

كهف للسكن في خربة جينبا. تصوير: شارون عزران، بتسيلم، 4/8/2012.
كهف للسكن في خربة جينبا. تصوير: شارون عزران، بتسيلم، 4/8/2012.

لم تُورد الدولة في بيانها للمحكمة اسم القانون الذي استندت إليه حين أعلن الجيش عن المنطقة "منطقة اطلاق نار"، وما هو المبرر القضائي من وراء مثل هذا الإعلان. فغياب تبرير قضائي وقانوني كهذا ليس صدفة، حيث أنّ مثل هذا التبرير غير قائم بكل بساطة. فكقوة احتلالية تسري على إسرائيل القيود المتعلقة باستخدام الأراضي الخاضعة للاحتلال وهي تخضع لواجبات تلتزم بها أمام السّكان المدنيين. فالادعاء أنّ الحديث يدور عن "حاجة ميدانية" غير كافٍ من أجل تبرير الاستيلاء على الأراضي، والدولة المحتلة غير مخوّلة باستخدام الأراضي في المنطقة الخاضعة للاحتلال كما يحلو لها.

يحقّ للدولة المحتلة أن تنشط في داخل المنطقة الخاضعة للاحتلال عبر اعتباريْن اثنيْن لا ثالثَ لهما: مصلحة السكان المحليين واعتبارات عسكرية فورية متعلقة بعمل الجيش في المنطقة المحتلة. كما أنّ الدولة المحتلة لا يحق لها استخدام الأراضي لأغراض عسكرية عامّة، مثل التدريبات على الحرب في لبنان والتدريبات العامة للجيش، وبالتأكيد لا يُسمح لها بطرد السّكان من بيوتهم وهدم ممتلكاتهم والمسّ بأرزاقهم لهذا الغرض. وقد قضى القاضي براك في أحد الأحكام الأساسية المتعلقة بواجب القائد العسكري في المناطق:

""اعتبارات القائد العسكريّ تنصبّ في ضمان مصالحه الأمنية في المنطقة من جهة، وفي ضمان مصالح السكان المدنيين في المنطقة من جهة أخرى. كل هذه المصالح مجتمعة تسري على المنطقة. ولا يحق للقائد العسكريّ الأخذ بعين الاعتبار للمصالح القومية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بدولته، ما دام مثل هذا الأمر يحمل انعاكسات وإسقاطات على مصلحته الأمنية في المنطقة أو على مصالح السكان المحليين. حتى إنّ احتياجات الجيش هي احتياجاته العسكرية (فقط)، وليس احتياجات الأمن الوطني بمفهومه الواسع. المنطقة الخاضعة لسيطرة عسكرية ليست حقلا مفتوحًا للاستغلال الاقتصادي أو أيّ استغلال آخر" (. (قرار المحكمة العليا 393/82، جمعية إسكان المعلمين التعاونية المحدودة ضد قائد قوات الجيش في منطقة يهودا والسّامرة)

الدولة تتجاهل في بيانها هذه المبادئ تمامًا، وهي مبادئ أساسية في قوانين الاحتلال. وبدلا من ذلك، فإنها تتجه رأسًا إلى السؤال حول ما إذا كان سكان القرى في داخل منطقة اطلاق النار سكانًا دائمين، وهو سؤال غير ذي صلة إذا أخذنا بعين الاعتبار عدم قانونية الإعلان عن المنطقة منطقة اطلاق نار منذ البداية. وبهذا، تتجاهل إسرائيل واجباتها تجاههم، بحكم كونها القوة المحتلة في الضفة الغربية.

على إسرائيل أن تلغي الإعلان عن منطقة اطلاق النار الإسرائيلية في منطقة جنوب جبال الخليل، وأن تسمح لسكانها بالعيش في بيوتهم واستصلاح حقولهم ورعي مواشيهم.