في تصريح مشترك نُشر في الخامس من تشرين الثاني 2021 توجهنا إلى المجتمع الدولي نطالبه بمعارضة لا تحتمل التأويل، إعلان إسرائيل ست منظمات مجتمع مدني فلسطينية كـ"منظمات إرهابية". وكما قلنا آنذاك فإن تجريم منظمات حقوقية هو خطوة جبانة تميّز أنظمة الظلام والاستبداد. يهدف هذا الإعلان بضمن ما يهدف إليه إلى تخويف الجهات المانحة وإلحاق الضرر بدعم المنظمات. نشرنا بالمشاركة مع المؤسسات التالي ذكرها دعوة إلى الجهات المانحة للمنظمات الست - الحكومات والصناديق المانحة والأفراد – للاستمرار في الدعم بل وزيادته إذا أمكن.
تحت غطاء التدريبات دمّر الجيش في الأيّام الماضية في منطقة خربة ابزيق مزروعات في مئات الدّونمات وحقولاً حُرثت استعداداً للزرع وطرقاً زراعيّة. القذائف أطلقت في مواقع لا تبعد سوى بعض مئات الأمتار عن منازل التجمّع، والإدارة المدنيّة كرّرت هدم خيام ثلاث أسر. تزعم جهات رسميّة أنّ الجيش يحتاج التدرّب هناك بالذات وأنّ هذه أصلاً "منطقة إطلاق نار" ولا ينبغي أن يمكث الفلسطينيّون فيها. لكنّها مزاعم هدفها التمويه على مرامي بعيدة المدى لنظام الأبارتهايد الإسرائيليّ: ترحيل السكّان وتعميق سيطرته على المنطقة ونهب مواردها.
خلال شهر تشرين الثاني جاء مستوطنون مرّتين من ناحية بؤرة "حفات مان" وهي "مزرعة" استيطانيّة مع قطيع مواشٍ لهُم إلى بئر ماء يخدم سكّان تجمّع سدّة الثعلة في تلال جنوب الخليل. حاول بعض الأهالي إبعادهم فهاجمهم المستوطنون وأصابوا أحدهم بجُروح. في المرّتين حضرت قوّات الأمن إلى الموقع - في الأولى استدعت أحد المعتدى عليهم للتحقيق وفي الثانية أعلنت الموقع منطقة عسكريّة مغلقة. مساحة الأراضي التي استولى عليها مستوطنو "المزرعة" بلغت حتى الآن أكثر من 1,500 دونم - وهُم يمنعون الفلسطينيّين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومراعيهم. يحدث هذا لا كمبادرة خاصّة وإنّما كجزءٍ من سياسة إسرائيل الرّامية إلى الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينيّة في الضفة الغربيّة.
في 16.12.21 تصادف وجود الطفل مهند مسك (7 سنوات) أثناء مطاردة جنود لأولاد رشقوا الحجارة في حيّه. من شدّة خوفه دخل مهند إلى دكّان قريب واختبأ فيه لكنّ جنديّاً تبعه واقتاده خارجاً وهو يبكي ثمّ سرعان ما جاءت والدة الطفل وخلّصته من أيدي الجنود. تشبّث الطفل المذعور بأمّه بينما الجنود يطالبونه أن يدلّهم على منازل الأولاد الذين يزعمون بأنهم رشقوا الحجارة. حين قال إنّه لا يعرفهم أخلى الجنود سبيله ولكن بعد أن توعّد الضابط والدته عبر الهاتف بأنّهم سوف يعتقلونه في المرّة القادمة. هذه الحادثة ليست استثناءً بل هي جزءٌ من روتين العُنف الذي يسود حياة الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربيّة تحت نير الاحتلال.
منذ تفشّى وباء الكورونا في إسرائيل تمنع إسرائيل الزيارات عن 230 أسيراً من قطاع غزّة في سجونها، وفوق ذلك تمنعهم من الاتّصال هاتفيّاً لأنّهم "سجناء أمنيّون" وفقاً لتعريفها. يندرج هذا المنع ضمن سياسة تطبّقها إسرائيل منذ سنين طويلة تبعاً لاعتبارات أمنيّة كهذه أو تلك تتذرّع بها لتبرير هذه التقييدات، علماً أنّه لا أساس لها ولا هي تبرّر فرض هذه القيود الواسعة حيث يُعزل الأسرى ويذوقون مع عائلاتهم معاناة كبيرة إثر القطيعة المفروضة عليهم طوال أشهر بل وسنوات إذ يمنعون من زيارة أحبائهم المسجونين والتحدث معهم.
فجرَ يوم 21.11.21 دهم أكثر من عشرين شرطيّاً ملثّماً بناية عائلة أبو الحمّص في حيّ العيساويّة، شرقيّ القدس وهاجموا عدداً من السكّان ثمّ اعتقلوا أربعة إخوة - أخلي سبيل أحدهم بعد وقت قصير وتبيّن أنّ شقيقه محمد أبو الحمّص اعتُقل خطأ بعد احتجازه لساعات والتحقيق معه لساعات أخرى فأخلي سبيله دون أيّ إجراء، واعتُقل آخران لمدّة يومين ثمّ أفرج عنهما شرط الحبس المنزليّ. هكذا تتحكم قوّات الأمن في حياة جميع الفلسطينيّين سكّان شرقيّ القدس التي يتمتّع عناصرُها بصلاحيّات بعيدة المدى ويظلّون بمنأىً عن أيّة مساءلة أو محاسبة.
خلال مظاهرة جرت في مدخل البيرة أطلق عناصر شرطة حرس الحدود الرّصاص "المطّاطيّ" على رجل أحد المتظاهرين ثمّ اعتقلوه. حاول المُسعف المتطوّع محمد عمر (28 عاماً) أن يُسعف المُصاب فضربه شرطيّ على وجهه وأطلق رصاصة إسفنجية مباشرة إلى صدره عن بُعد أمتار معدودة. استهداف عضو طاقم طبّي بالرّصاص لمجرّد أنّه حاول القيام بواجبه هو أمرٌ مخالف للقانون، والأهمّ أنّه خطير جدّاً إذ إنّ إطلاق الرّصاص الإسفنجيّ عن مسافة قصيرة إلى هذا الحدّ وعلى النصف الأعلى من الجسم كان يمكن أن يسبّب إصابة أكثر خطورة بكثير. إطلاق الشرطيّ الرّصاص بهذه السّهولة بل وبطريقة بدت كأنّها عرَضيّة هو مثال آخر على استهتار جهاز الأمن بحياة الفلسطينيّين.
في ظهيرة يوم الجمعة الموافق 5.11.21 رشق فتية وشبّان حجارة نحو جنود في جوار قرية دير الحطب. حسب إفادات شهود عيان فقد أصاب حجر وجه أحد الجنود وعندها أطلق الجنديّ النار وأصاب بطن الفتى محمد دعدس (15 عاماً)، ما أدّى إلى وفاته بعد وقت قصير. إطلاق النيران الفتّاكة يعكس سياسة إطلاق النار التي تطبّقها قوّات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربيّة إذ يُستخدَم كإجراء شبه روتينيّ لا في ظروف خاصّة فقط. لقد باشر الجيش التحقيق غير أنّه يمكن القول استناداً إلى التجربة الطويلة، أنّ هذا التحقيق سوف يطمس الحقائق عوضاً عن كشفها ويتيح بذلك لقوّات الأمن مُواصلة استخدام العُنف الفتّاك ضدّ الفلسطينيّين.
خلال جولة القتال في أيّار قصف إسرائيل أربعة أبراج في غزة. صحيح أنّها حذّرت السكّان لكنّها لم تُتح لهُم فرصة إخلاء ممتلكاتهم. كانت ريما جودة (50 عاماً) تُقيم في أحد الأبراج مع زوجها وأولادها. في إفادتها قالت: "أطفال صغار ونساء ورجال، الجميع كانوا واقفين في الخارج، في الشوارع. أشبه بمشاهد يوم القيامة. تجلسين في بيتك آمنة وفجأة يتفجّر وينهار كلّيّاً، يتحوّل إلى كومة حجارة ورمال. الأثاث كلّه غاب تحت الأنقاض. الذكريات الجميلة من الأيّام السّعيدة التي قضيناها في هذا البيت كلّها ضاعت في لحظة واحدة وكأنّها لم تكن. أحسست وكأنّ هذا كلّه قد مات".
عشرات الجنود دهموا فجرَ يوم 10.10.21 بناية عائلة دعنا في الخليل واقتحموا جميع منازلها وهُم يُفزعون سكّانها من نومهم. خلال ذلك هاجموا أحد أفراد العائلة وجمّعوا نحو مئة منهُم في ديوان البناية حتى الصّباح بينما كانوا يفتّشون المنازل بكيديّة ظاهرة. غادرت القوّة بعد أن اعتقلت شخصاً واحداً ظلّ رهن الاعتقال طيلة عشرة أيّام. الاقتحامات اللّيليّة التي يُجريها الجيش في الضفة الغربيّة أضحت منذ زمن بعيد جزءاً من روتين نظام الاحتلال حيث يبثّ الجنود الرّعب في أوساط السكّان ويُفزع نومهم ويعيث الفوضى في منازلهم بحجّة التفتيش. هذا كلّه يحدث في انتهاك تامّ لحُرمة المنازل وتجاهُل لخصوصيّة سكّانها وتشويش نظام حياتهم.
في مساء يوم الجمعة الموافق 17.9.21 خرج شادي المحتسب (37 عاماً) وشقيقه عبد الله (23 عاماً) من منزلهما المجاور للحرم الإبراهيميّ، وعندما مرّا في الشارع قرب الحاجز أوقفهُما جنديّان وأخذا يستفزّانهما ثمّ شتموا والدتهما حين أتت لكي تجلب بطاقة هُويّة أحدهما بناءً على طلبه. حين شتم الأخوان الجنود بالمثل انقضّ عليهما هؤلاء وعلى والدتهما، ثمّ اعتقلوا الأخوين وظلّا رهن الاعتقال حتى يوم الخميس حيث أفرج عنهما بكفالة قدرها 1,000 شيكل. هذا بعضٌ من روتين حياة الفلسطينيّين في الخليل تحت نير الاحتلال: عُنف يوميّ يمارسه عناصر قوّات الأمن والمستوطنون وقيود مشدّدة على الحركة واعتقالات.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.