Skip to main content
 أحد سكّان ترمسعيّا ينظر إلى الدّخان المتصاعد من سيّارة أحرقها مستوطنون والمزرعة الاستيطانيّة. صورة قدّمها الشهود مشكورين
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

ترمسعيّا، محافظة رام الله: مستوطنون يهاجمون فلسطينيّين أثناء قطاف الزيتون، وعندما دافع الفلسطينيّون عن أنفسهم أطلق جنود نحوهم الغاز المُسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ"

في 23.10.21 جاء نحو عشرين من أهالي ترمسعيّا بضمنهم 7 قاصرين تتراوح أعمارهم بين 3 و-17 عاماً ليقطفوا الزيتون في كرومهم التي تقع في سهل ترمسعيّا، وهي منطقة زراعيّة تمتدّ على مسافة نحو كيلومترين شرقيّ البلدة. في جوار هذه المنطقة أقيمت في العام 2000 بؤرة "عدي عاد" الاستيطانيّة وقبل سنتين أقيمت قربها مستوطنة "زراعيّة" جديدة.

نحو السّاعة 12:30 دهم المنطقة نحو عشرين مستوطناً ملثّماً وانتشروا بين الكروم يهاجمون قاطفي الزيتون بالهراوات والحجارة. دافع الأهالي عن أنفسهم وضمن ذلك رشقوا بدورهم المستوطنين بالحجارة، لكنّهم اضطرّوا في النهاية إلى مغادرة الكُروم والفرار نحو البلدة.

سيّارة تيسير جبارة التي أحرقها مستوطنون. صورة قدّمها الشهود مشكورين.
سيّارة تيسير جبارة التي أحرقها مستوطنون. صورة قدّمها الشهود مشكورين.

ضرب عدد من المستوطنين بالهراوات امرأة مسنّة في الثمانين من عُمرها وشابّاً في الـ18 من عمره ورشّ مستوطنون آخرون غاز الفلفل في وجه اثنين من الأهالي. أصابت حجارة المستوطنين عدداً من الأهالي بجراح طفيفة وبضمنهم طفلة في العاشرة وفتىً في الـ16. إضافة إلى ذلك حطّم المستوطنون زجاج ثلاث سيّارات وثقبوا إطاراتها كما أحرقوا سيّارة أخرى وأتلفوا معدّات زراعيّة وكسّروا أغصان عدّة أشجار زيتون. بعد مضيّ نحو رُبع السّاعة انسحب المستوطنون من المنطقة عقب أن هرع إلى المكان عشرات من أهالي البلدة لكي يُدافعوا عن العائلات المعتدى عليها ويطردوا المستوطنين.

في مُوازاة ذلك جاء إلى المكان جيبان عسكريّان ترجّل منهما جنود وأخذوا يُطلقون نحو الأهالي قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. أصيب اثنان من الأهالي بالرّصاص "المطّاطيّ". كذلك جاء عناصر شرطة وأجروا مسحاً وتوثيقاً لموقع الحادثة. بقي الجنود حتى السّاعة 14:00 تقريباً وبعد أن غادروا واصل جزءٌ من الأهالي أعمال قطف الزيتون.

هذه الحادثة ليست استثنائيّة: يعاني سكّان بلدة ترمسعيا من هجمات متكرّرة يشنّها عليهم المستوطنون ويعتدون خلالها عليهم وعلى ممتلكاتهم. هذه الهجمات هي أداة إضافيّة تستخدمها إسرائيل لكي تستولي على أراضٍ فلسطينيّة في أنحاء الضفة الغربيّة، وضمن هذه السّياسة توفّر الدولة للمستوطنين الحماية العسكريّة أثناء الهجمات بل وأحياناً يشارك الجنود أنفسهم فيها ولاحقاً توفّر لهُم الحماية من المساءلة والمحاسبة عبر جهاز إنفاذ القانون.

فيما يلي نورد إفادات أدلى بها جزءٌ من المزارعين المعتدى عليهم في 24.10.21 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

من إفادة منتصر سلامة وهو أب لخمسة في الـ50 من عمره:

منتصر سلامة: إياد حدّاد, بتسيلم, 24.10.21
منتصر سلامة: إياد حدّاد, بتسيلم, 24.10.21

نحو الثامنة من صباح يوم الجمعة الموافق 23.10.21 خرجنا لقطف الزيتون في أرضنا. لدينا قطعة أرض مساحتها 2.5 دونم في السّهل الممتدّ شرقيّ البلدة وفيها 54 شجرة زيتون تبلغ 30-40 عاماً. وصلت إلى هناك مع أربعة من أبنائي وتتراوح أعمارهم بين 5-17 عاماً. كما جاء أخي عبد الناصر حزمة (48 عاماً) مع ابنيه البالغين من العمر 16 و-18 عاماً إضافة إلى عاملين أجيرين. كنّا في المجموع عشرة أشخاص. الجيش لا يطالبنا بالتنسيق معه لأجل الوُصول إلى الأراضي في هذه المنطقة، لكنّ التواجُد فيها محفوف بالمخاطر لأنّ المستوطنين أقاموا فيها مستوطنة زراعيّة ويوجد هناك أشخاص شرسون ومتطرّفون.

عندما وصلنا كانت قد وصلت قبلنا عائلتان وبدأتا العمل في كروم الزيتون خاصّتهما وهي مجاورة لكُرومنا. بدأنا القطاف في أجواء حُلوة وكنّا مستمتعين في عملنا لأنّ موسم قطاف الزيتون هو موسم فرح بالنسبة إلينا. الأولاد يحبّون العمل في الهواء الطلق وجميعهم يأتون معنا ويساعدون في القطاف.

عندما أوشكنا على إنهاء القطاف المخطّط لذلك اليوم سمعنا صُراخ أفراد العائلة التي تعمل في الكرْم المُجاور يحذّرون "مستوطنون! مستوطنون!". في البداية لم نشاهد المستوطنين لأنّهم كانوا وراء الأشجار لكنّهم سرعان ما وصلوا إلينا. كانوا ملثّمين ومسلّحين بالهراوات والعصيّ. كان منظرهم مثل عصابة لُصوص.

لم يُسعفنا الوقت لنهرب. ما إن هممنا بالفرار حتى أخذوا يطاردوننا ويرشقوننا بالحجارة ويضربوننا بالهراوات والعصيّ. حاولنا الدّفاع عن أنفسنا بما أوتيت أيدينا. أثناء ذلك خفت بالأخصّ على ابنتيّ سعيدة (10 سنوات) وجنّات (5 سنوات) فحملت الاثنتين وابتعدت بهما ثمّ أجلستهما تحت إحدى الأشجار. بعد ذلك عُدت وانضممت إلى الشبّان وحاولنا الدّفاع عن أنفسنا. كانت ابنتيّ تبكيان مذعورتين ولكن ماذا أفعل؟ كنت مجبراً على تركهما وحدهما ريثما نصدّ المستوطنين.

كان عدد المستوطنين نحو العشرة. تصدّينا لهُم ورشقناهُم بالحجارة. بعد مضيّ دقيقتين أو ثلاث باغت أحدهم أخي ورشّ عليه غاز الفلفل. بعد ذلك انقضّ عليّ أربعة مستوطنين حين كنت أساعد الجيران على رفع السّياج الذي بين كرمينا لكي يتمكّن الأطفال والنساء من الفرار. كذلك ضربني أحد الأربعة بهراوة على عُنقي من جهة اليسار وجاء مستوطن عن يميني ورشّ غاز الفلفل على عينيّ ووجهي. أحسستُ بحرقة فظيعة واضطررت إلى الانسحاب.

في هذه الأثناء فرّ أبنائي من الكرْم بحيث ساعد الكبار منهم الصّغار. بعد أن كنّا جميعاً خارج الكُروم انسحب جزءٌ من المستوطنين أو أنّهم رُبّما توقّفوا فقط عن مُلاحقتنا. بعض المستوطنين أتلفوا سيّاراتنا التي كنّا قد أوقفناها في جوار الكُروم.

هرع عدد من أهالي البلدة لنجدتنا وقد أخذني أحدهم إلى عيادة خاصّة لتلقّي العلاج. حين وصلت كان أخي عبد الناصر قد وصل قبلي بدقائق ثمّ جاء من بعدي أبنائي وصهري. كانت ابنتاي في غاية الرّعب وكانت سعيدة تعاني من كدمات في ظهرها نتيجة ضرب الحجارة وقد عالجوا ذلك بواسطة مرهم لتخفيف الألم. كذلك تلقّى الإسعاف في العيادة ابني ناجي (16 عاماً) إذ أصيب بحجر في وجهه وابني جمال (18 عاماً) الذي أصيب من ضربة حجر في يده وضربة هراوة على ظهره.

سيّارة أتلفها مستوطنون. صورة قدّمها الشهود مشكورين.
سيّارة أتلفها مستوطنون. صورة قدّمها الشهود مشكورين.

من إفادة نبيهة جبارة وهي أمّ لسبعة في الـ 80 من عمرها:

نبيهة جبارة: إياد حدّاد, بتسيلم, 24.10.21
نبيهة جبارة: إياد حدّاد, بتسيلم, 24.10.21

في صباح يوم السّبت الموافق 23.10.21 ذهبت مع أسرتي إلى أرضنا ومعنا اثنان من أحفادي، أحدهما في الـ 11 والثاني في الـ 3 من عمره. كذلك جاء معنا عمّال قطاف أجيرون وهم أربعة شبّان وامرأة. عندما وصلنا إلى الأرض كانت الأجواء هادئة وفي كرمين مجاورين كانت عائلتان قد وصلتا قبلنا وبدأتا القطاف. الجميع كان منهمكاً في قطف الزيتون.

عند السّاعة 12:30 توقّفنا لكي نستريح ونتناول الطّعام وأثناء ذلك أدّيت صلاة الظهر وأخذ حفيدي جلال (11 عاماً) أخاه رسمي (3 سنوات) إلى الشارع لكي تأخذه أمّه من هناك. عاد جلال وهو يصيح "جدّتي! جدّتي! لقد هجم المستوطنون علينا!". توقّفت عن الصّلاة وذهب لكي أرى المستوطنين.

رأيت أكثر من عشرين مستوطناً ملثّماً - شبّاناً في سنّ 20-25 - يتقدّمون نحونا ومعهُم هراوات. صرخت عليهم: ماذا تُريدون؟! ماذا تُريدون؟! لكنّهم لم يُجيبوني. رفع أحدهم هراوة غليظة لكي يضربني على رأسي لكنّني منعتُ الضربة بيدي اليُسرى. عندما رأى العُمّال ما يجري أخذوا يصرخون ولاذوا بالفرار. وأنا أيضاً فررت من هناك. لحقنا المستوطنون وهُم يرشقوننا بالحجارة ويخرّبون كلّ ما في طريقهم - كسّروا سلالم وشقّوا كيسين مليئين بالزيتون.

بعد أن ابتعدنا عن الأرض قليلاً تفحّصت وضع الأطفال لكي أرى إذا ما أصيب أحد منهم. كذلك جيراننا غادروا كرْمهم وابتعدوا وقد تمكّن المستوطنون من إصابة عدد منهم. رأيت المستوطنين يحطّمون زجاج السيّارات التي كانت متوقّفة قرب الكُروم ويثقبون إطاراتها. لقد خرّبوا سيّارتين تعودان لعائلتنا حيث حطّموا نوافذها وثقبوا إطاراتها.

بعد أن غادر المستوطنون عُدنا إلى الكرْم فوجدنا أنّهم بعثروا محتويات ثلاثة أكياس زيتون وكسروا سلّمين وإبريقي ماء وكرسيّاً، كما كسّروا أغصان خمسة أشجار زيتون. لاحقاً علمت أنّهم حطّموا سيّارة منتصر سلامة وأحرقوا سيّارة الدكتور تيسير جبارة.

جاء جيبان عسكريّان لكنّ الجيش لم يأت لحمايتنا وإنّما لإسناد المستوطنين. لقد طرد الجنود الأهالي الذين هرعوا لنجدتنا حيث فرّقوهم باستخدام قنابل الغاز المُسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ". أصيب شابّان بالرّصاص المطّاطيّ.

فرّ المستوطنون في اتّجاه المزرعة الاستيطانيّة التي أقاموها على بُعد 200-300 متر شرقيّ أراضينا. منذ أن أقيمت هذه "المزرعة" قبل سنتين ونحن نعاني الكثير من المشاكل. المستوطنون الذين يأتون من هناك يهاجموننا ويخرّبون ممتلكاتنا والجيش يسمح لهُم بذلك. هُم لا يدعوننا نعيش يوماً واحداً بهُدوء. دائماً نسمع عن مرفق زراعيّ هنا ومنشأة هناك قد خرّبها المستوطنون. نخاف طوال الوقت على محاصيلنا وعلى حياتنا سواءً بسواء، لكنّنا نتوكّل على الله.

من إفادة تيسير جبارة وهو أب لخمسة في الـ 78 من عُمره:

منتصر سلامة: إياد حدّاد, بتسيلم, 24.10.21
منتصر سلامة: إياد حدّاد, بتسيلم, 24.10.21

استمرّ الهُجوم نحو رُبع السّاعة وخلال ذلك أخذ الأهالي يتوافدون من البلدة لنجدتنا. عندما رأى المستوطنون الأهالي متجمّعين أخذوا ينسحبون وعندئذٍ رأيت مستوطنين يتقدّمان نحو سيّارتي وكنت قد أوقفتها قرب كرْمي. سكب المستوطنان مادّة مشتعلة على السيّارة - أحدهما سكبها على غطاء المحرّك والثاني سكب فوق صندوق التخزين ثمّ أشعلا النار. كنت على مسافة خمسين أو ستين متراً منهُم. صرت أصرخ: "انظروا! لقد أحرقوا سيّارتي!" والناس يطلبون منّي أن لا أقترب منها خشية أن ينفجر خزّان الوقود. لم أقترب لأحاول إخماد النيران ولا أحد آخر اقترب. المستوطنان اللّذان أحرقا سيّارتي انسحبا إلى منطقة الجبل في اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة.

بعد مضيّ وقت قصير على وصول أهالي البلدة جاء جيب عسكريّ وتلاه جيب عسكريّ ثانٍ. هُم لم يأتوا لحمايتنا وإنّما لحماية المستوطنين. كان هناك ستّة جنود وقد شرعوا يُطلقون نحو الأهالي قنابل الغاز المسيل للدّموع. في البداية أطلقوها نحو السيّارات التي كانت تتوافد من البلدة وهي لا تزال بعيدة حتى - لكي يمنعوها من التقدّم. بعد ذلك صاروا يطلقون القنابل نحونا إلى حيث تجمّع الأهالي. أدمعت عيناي وأحسستُ بحرقة شديدة فلُذت بالفرار مبتعداً عن المكان. كذلك صار أنفي ينزف دماً بسبب الغاز فأوقفت النزيف بواسطة منديل ورقيّ وبقيت واقفاً أشاهد عن بُعد.

بعد مضيّ عشر دقائق تقريباً هدأت الأوضاع قليلاً فحاولنا العودة إلى أراضينا لكنّ الجنود منعونا من ذلك وأخذوا يُطلقون صليات متواصلة من قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ". أصيب شابّان بالرّصاص "المطّاطيّ" ونُقلا لتلقّي العلاج في البلدة. بعد مضيّ نحو السّاعة على هجوم المستوطنين غادر الجنود المنطقة واستأنف بعض الأهالي قطف الزيتون في أراضيهم.

عندما عاد الناس لقطف الزيتون - معزّزين بحُضور أهالي البلدة الذين هرعوا للنّجدة - هاتفت العمّال الأجيرين الذين جلبتهم معي لمساعدتي وطلبت منهم أن يعودوا لنستكمل نحن أيضاً عملنا، لكنّهم اعتذروا قائلين إنّهم يخافون العودة. عندئذٍ انضمّ إليّ عشرون من أهالي البلدة قد تطوّعوا لمُساعدتي فأنجزنا قطف الزيتون عن خمسين شجرة صغيرة كانت قد بقيت دون قطاف. ولم أقطف بعد ثمار عشر أشجار زيتون تبلغ 30 عاماً في كرْم لي مساحته دونم واحد يقع خلف شارع يفصله عن الأرض التي كنّا نعمل فيها. لم نذهب إلى هناك لأنّنا خشينا أن يعود المستوطنون.