Skip to main content
سعاد العمور، توفّي ابنها سامي خلال فترة سجنه بعد أن حُرمت من رؤيته طوال سنتين قبل ذلك إذ منعتها إسرائيل من زيارته. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 23.11.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

ولا حتى مكالمة هاتفيّة: إسرائيل تفرض قطيعة مطلقة بين نحو 230 أسيراً فلسطينيّاً من قطاع غزّة وعائلاتهم

وفقاً لمعطيات "نادي الأسير الفلسطينيّ" حتى 7.12.21 تحتجز إسرائيل في سجونها نحو 230 "سجيناً أمنيّاً" من سكّان قطاع غزّة، من بينهم 70 ينتسبون إلى حركة حماس. في بداية العام 2020 وبعد تفشّي وباء الكورونا ألغت إسرائيل زيارات عائلات الأسرى. في منتصف حزيران 2020 عادت وسمحت بزيارة الأسرى ما عدا "السجناء الأمنيّين" ممّن "لا يقيمون في إسرائيل". وقد جاء في إعلان نشرته أنّ زيارة هؤلاء الأسرى سيتمّ فحصُها "لاحقاً وفقاً لفتح معابر الحدود وبتنسيق مع الصّليب الأحمر". وحيث أنّ الأسرى الفلسطينيّين المعرّفين "سجناء أمنيّين" يُمنعون من إجراء محادثات هاتفيّة لم تبق لديهم أيّة إمكانيّة للتواصُل مع عائلاتهم.

في كانون الثاني 2020 قدّم "هموكيد" (مركز الدفاع عن الفرد) التماساً إلى محكمة العدل العليا مثّل فيه ثماني منظّمات حقوق إنسان مطالباً بالسّماح للأسرى الفلسطينيّين بإجراء محادثات هاتفيّة مع عائلاتهم. في أعقاب الالتماس سمحت الدولة بمحادثة هاتفيّة واحدة لكلّ "سجين أمنيّ" خلال شهر رمضان.

في حزيران 2021 توجّه "هموكيد" إلى سُلطة السّجون مُطالبًا بتجديد زيارات الأسرى سكّان الضفة الغربيّة وقطاع غزّة. بعد مضيّ شهر على ذلك وافقت سلطة السجون على تجديد الزيارات فقط للأسرى سكّان الضفة الغربيّة، وظلّ وضع الأسرى سكّان قطاع غزّة ومنهم بعض السجناء الجنائيين دون أيّ تغيير إذ لا تزال عائلاتهم ممنوعة من زيارتهم حتى اليوم.

يعكس هذا الواقع سياسة تطبّقها إسرائيل منذ سنين طويلة. منذ العام 2007 تفرض إسرائيل شتّى القيود على زيارة عائلات الأسرى سكّان قطاع غزّة: طوال فترات معيّنة مُنعت الزيارات تماماً وفي فترات أخرى سُمح بها وفقاً لقيود مشدّدة بضمنها منع الأبناء فوق سنّ الـ16 من زيارة آبائهم الأسرى. في العام 2017 قرّرت الدولة منع الزيارات عن الأسرى المنتسبين لحركة حماس وهو قرّار صدّقت عليه محكمة العدل العُليا.

منع الزّيارات عن الأسرى يشكّل عقاباً جماعيّاً للأسرى وعائلاتهم. تتذرّع إسرائيل بحجج أمنيّة كهذه أو تلك لكي تبرّر هذه القيود، لكنّها حجج لا أساس لها ولا يمكنها أن تبرّر فرض هذه القيود الواسعة بحيث يُعزل الأسرى سكّان قطاع غزّة ويذوقون مع عائلاتهم معاناة كبيرة إثر القطيعة المفروضة عليهم طوال أشهر بل وسنوات إذ يمنعون من زيارة أحبائهم المسجونين والتحدث معهم.

استمع باحثا بتسيلم الميدانيّان - ألفت الكُرد وخالد العزايزة - إلى إفادات عدد من ذوي الأسرى من سكّان قطاع غزّة الذين لم يُسمح لهُم بزيارة أعزّائهم منذ سنتين:

من إفادة إيمان سالم (55 عاماً) وهي زوجة الأسير مجدي سالم (48 عاماً) وهُما أبوان لخمسة أبناء:

وُلدت في منطقة رام الله وما زلت أحمل بطاقة هُويّة الضفة الغربيّة. يُقيم والداي اليوم في منطقة بيتونيا في محافظة رام الله. في العام 2014 سافرت لزيارة أهلي في رام الله بدون زوجي وبقيت عندهم طوال سنة. بعد ذلك أراد مجدي أن ينضمّ إلينا. في 24.8.15 توجّه إلى حاجز "إيرز" وهناك احتجزوه ثمّ اعتقلوه بشبهة الانتساب إلى تنظيم الجبهة الشعبيّة. كنت مصدومة لأنّني لم أتوقّع أن يعتقلوه. حُكم عليه بالسّجن لمدّة 9 سنوات وقد أمضى منها حتى الآن ستّ سنوات.

بقيت في الضفة الغربيّة طوال سنة تقريباً ثمّ عدت إلى غزّة مع الأولاد. عدّة مرّات قدّمت عبر الصّليب الأحمر طلبات تصريح لزيارة مجدي وكانت إسرائيل ترفضها كلّها. في العام 2017 حصلت على تصريح لي ولابنتي وصال التي كانت آنذاك في الـ14 من عمرها وابني ممدوح الذي كان طفلاً في السّادسة. عندما وصلنا إلى السّجن طلبنا من أحد السجّانين أن يسمح لممدوح بالدّخول إلى الجهة الأخرى من الحاجز الزجاجيّ لكي يعانق والده فسمح بذلك. طوال عناق ممدوح ووالده كنت أبكي لأنّ المشهد كان مؤثراً وصعباً بالنسبة إليّ.

كانت تلك الزيارة هي الوحيدة إذ لم يسمحوا لي بعد ذلك بزيارته. في كلّ مرّة كانوا في الصّليب الأحمر يقولون لي إنّ إسرائيل رفضت طلب التصريح. بعد ذلك تفشّى وباء الكورونا فاغتنمت إسرائيل الفرصة ومنعت تماماً زيارات الأسرى سكّان قطاع غزّة بتاتاً بحجّة الوباء. أرسل لزوجي نقوداً وملابس بمساعدة عائلات الأسرى سكّان الضفة الغربيّة.

اعتقلوا زوجي وسجنوه عندما كان أولادنا أطفالاً صغار وبحاجة كبيرة إليه. الآن أيضاً يحتاجون كثيراً إلى زيارته، يحتاجون رؤيته - وخاصّة ممدوح الذي يسأل عن والده طوال الوقت ويقول إنّه مشتاق إليه. وصال أيضاً كثيراً ما تعبّر عن شوقها لرؤية والدها. منذ أربع سنوات لا يسمحون لنا بزيارته. أنا مشتاقة لرؤية زوجي وكذلك أبناؤها مشتاقون لأبيهم.

ولكن حتى لو سمحت إسرائيل قريباً بزيارة الأسرى من سكّان قطاع غزّة فلن يتمكّن من زيارة مجدي من بين أبنائنا سوى ممدوح لأنّه الوحيد الذي دون سنّ الـ16 عامًا. أتألّم كثيراً لأجله وهو يرى الأولاد الآخرين بصُحبة آبائهم فيبكي لأنّهم حرموه من أن يكبر ووالده إلى جانبه. يقول: "أريد أن أرى أبي، أن أعانقه". نحن لا نستطيع أن نفرح وزوجي بعيد عنّا ولا حتى في الأعياد والمناسبات حيث يشعر الأولاد بغيابه. إنّهم بحاجة شديدة لوُجود أبيهم معهُم.

من إفادة إيمان عزّام (17 عاماً) وهي ابنة الأسير جُمعة عزّام (53 عاماً):

إيمان عزّام. تصوير: ألفت الكُرد, بتسيلم, 22.12.21
إيمان عزّام. تصوير: ألفت الكُرد, بتسيلم, 22.12.21

اعتُقل والدي في4.12.06 ثمّ حُكم عليه بالسّجن لمدّة 20 عاماً. كنت آنذاك في الثانية من عُمري ولا أذكر شيئاً. كنت طفلة. شقيقتي الصّغرى آية التي تبلغ اليوم من العمر 16 عامًا كانت رضيعة تبلغ خمسة أشهر فقط.

منذ أن اعتُقل والدي نقلوه من سجن إلى آخر وهو اليوم في سجن النقب. تحدّثني أمّي صباح عزّام (48 عاماً) أنّنا زُرناه معها عدّة مرّات أنا وشقيقتي آية. الزيارة الأخيرة التي أذكُرها كانت وعُمري 10 سنوات. أتذكّر منها بالأساس التفتيش الذي أجراه الجنود على جسدي. لا أتذكّر شكل والدي وإنّما فقط زيّ السّجن الذي كان يرتديه - كان لونه بنّي. أذكُر أيضاً أنّني بكيت عندما رأيته. منعني السجّانون من الدّخول إليه لكي أعانقه. كانوا يسمحون بذلك للأطفال الأصغر سنّاً. لديّ ثلاثة إخوة وأربع أخوات جميعهم أكبر منّي ومتزوجون. أنا وشقيقتي آية تمّت خطوبتنا قبل عدّة أشهُر.

منذ أكثر من عشر سنوات يمنعوننا من زيارة أبي. عندما كنت صغيرة كنت أذهب مع والدتي لنُشارك في الاعتصام الدوري عند بوّابة مقرّ الصّليب الأحمر في غزّة. اليوم يذهب أخي فادي (20 عاماً) ويشارك في الاعتصام بشكل دائم. نحن نُطالب أن يسمحوا لنا بزيارة أبي. لقد كبرنا بدون والدي أنا وإخوتي. أخذوه منّا ونحن أطفال صغار. مرّت علينا أيّام صعبة جدّاً بسبب غيابه عنّا. أنا أحتاج إليه في كلّ لحظة. لم يكن موجوداً في أعراس إخوتي وأخواتي - فادي وشادي ويونس وأسماء ونداء تزوّجوا ولم يحضُر أبي أعراسهُم. هذا محزن جدّاً. في شهر آب تخرّجت وحصلت على شهادة التوجيهي ولكنّني لم أشعر بفرح حقيقيّ. أنا أفتقد والدي كثيراً.

حتى في حفل خطوبتي الذي جرى قبل عدّة أشهُر كانت فرحتي منقوصة. تمنّيت لو كان أبي إلى جانبي. لا أحد يمكنه أن يحلّ مكانه أو يعوّض غيابه. أصعب الأوقات تمرّ علينا في الأعياد حيث نرى أبناء الحيّ مع آبائهم ونتحسّر لغياب أبي عنّا. أنا أعرف فقط أبي الذي الصّور القديمة ولو رأيته اليوم لن أعرفه. تبقت له ستّ سنوات في سجن وآمل أن تمرّ بسُرعة لكي ألتقيه وأفرح بوُجوده.

أمضت والدتي كلّ هذه السّنين وحيدة تماماً وهذا صعب جدّاً. أراها حين تجلس وحدها وتبكي غياب والدي. هي تقول إنّها قد تعبت ولا تستطيع أن تتحمّل أكثر. لماذا يمنعون الزّيارات؟ هذه جريمة بحقّ عائلات الأسرى!

من إفادة سُعاد العمور (62 عاماً) والدة الأسير المرحوم سامي العمور الذي توفيّ عن عمر ناهز 39 عاماً أثناء عمليّة جراحيّة محروماً من الزيارة طوال نحو السنتين.

في 1.4.08 اقتحم الجيش منزلنا واعتقل ابني الشهيد سامي. كان آنذاك في الـ26 من عمره وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 19 عاماً و-11 شهراً. في تلك السّنة اعتقلوا أيضاً ابني حمادة (35 عاماً) وحكموا عليه بالسّجن لمدّة 12 عاماً ونصف العام. أطلقوا سراحه قبل سنة.

في السّنوات الأولى منعونا من زيارة ولديّ إثر أسر الجنديّ "جلعاد شليط" فكنّا نتواصل معهُما بالرّسائل بواسطة الصّليب الأحمر. بعد عدّة سنوات سمحت إسرائيل بالزيارات مجدّداً فقمنا بزيارتهما للمرّة الأولى في العام 2013. ذهبت أنا وزوجي فقط إذ منعت إسرائيل الإخوة والأخوات من الزيارة. في البداية كان ولداي مسجونين في سجنين مختلفين - سامي في سجن نفحة وحمادة في سجن رمون - وكنّا في يوم الزيارة نلتقيهما معاً في سجن رمون. في إحدى الزيارات أدخلوني وحدي إلى غرفة ثمّ جلبوا حمادة وهو مكبّل اليدين والرّجلين. رأيته لمدّة دقيقة واحدة فقط وهو مكبّل. عندما رأيته على هذا الحال أجهشت بالبكاء.

بعد مضيّ سنة توقّف زوجي عابد العمور (72 عاماً) عن مرافقتي في الزيارات بسبب مشقّة الطريق الطويلة والتفتيش المُنهك فصرت أذهب وحدي. كنّا في كلّ مرّة ننتظر في حاجز "إيرز" ساعات طويلة إلى حين انتهائهم من تفتيش الجميع. في إحدى المرّات منعوني من عُبور الحاجز. في ذلك اليوم سافر جميع ذوي الأسرى للزيارة إلّا أنا حيث اضطُررت للعودة إلى غزّة. ما زلت لا أعرف السّبب حتى اليوم.

 

سعاد العمور، توفّي ابنها سامي خلال فترة سجنه بعد أن حُرمت من رؤيته طوال سنتين قبل ذلك إذ منعتها إسرائيل من زيارته. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 23.11.21
سعاد العمور، توفّي ابنها سامي خلال فترة سجنه بعد أن حُرمت من رؤيته طوال سنتين قبل ذلك إذ منعتها إسرائيل من زيارته. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 23.11.21

عندما تفشّى وباء الكورونا في بداية العام 2020 أوقفوا الزيارات بحجّة الخوف من العدوى. طوال سنتين منعتنا إسرائيل من الزيارة بهذه الذريعة. كنت أشارك في اعتصام أسبوعيّ احتجاجاً على منع الزيارات - نقف قرب مقرّ الصّليب الأحمر في غزّة ونطالب بالسّماح بالزيارة. طوال سنتين كنت أتواصل مع ذوي أسرى من الضفة الغربيّة وأودع في حساباتهم البنكية المال اللّازم وأطلب منهم أن يأخذوا معهم ملابس ومصروف كانتينا لابني.

في بداية تشرين الثاني 2021 ظهرت عند سامي أعراض قيء وحمّى وكان يتلقّى العلاج في السّجن. بعد ذلك نقلوه إلى سجن عسقلان ولم أعرف السّبب. لم يخطر في ذهني أنّ سامي مريض إلى هذه الدّرجة. في 17.11.21 توفّي سامي أثناء عمليّة جراحيّة أجريت له في مستشفى "سوروكا" في بئر السّبع. علمت بموت ابني عبر وسائل الإعلام! وقع علينا النبأ كالصّاعقة. صرنا نصرخ ونبكي بكاءً مرّاً أنا وزوجي وأبناؤنا. لقد توفّي سامي بعيداً عنّي وبعد أن حُرمت من رؤيته طوال سنتين، ناهيك عن إخوته وأخواته فهؤلاء لم يروه منذ اعتقاله. أبكي ليلاً ونهاراً والحسرة تملأ قلبي على موت سامي بعيداً عنّي وعن والده.

لقد سجنوا ابني وتوفّي وهو سجين والآن إسرائيل ترفض أيضاً أن تسلّمنا جثمانه. لا يدعوننا نودّعه ونشيّعه في جنازة لندفنه في قطاع غزّة. قدّمت شكوى إلى الصّليب الأحمر وطالبتهم أن يساعدوني على تسلّم جثمان سامي. إسرائيل حرمتني من رؤيته وهو حيّ وتريد الآن أن تحرمني رؤيته وهو ميت.

من إفادة محمد أبو عرام (38 عاماً) أب لخمسة أبناء وهو شقيق الأسير إبراهيم أبو عرام وهو أب لاثنين:

محمد أبو عرام. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 17.11.21
محمد أبو عرام. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 17.11.21

,في 13.3.03 اعتقل الجيش الإسرائيليّ أخي إبراهيم في حاجز أبو هولي شماليّ خانيونس ثمّ حُكم عليه بالسّجن لمدّة 24 عاماً. كانوا ينقّلونه بين السّجون واليوم هو محتجَز في سجن رمون. في البداية كان أبي وأمّي وسناء زوجة إبراهيم (37 عاماً) يزورونه مرّة كلّ أسبوعين.

في أعقاب أسر الجندي "جلعاد شليط" منعت إسرائيل زيارات الأسرى سكّان قطاع غزّة طوال خمس سنوات. كانت هذه الفترة صعبة جدّاً على عائلتنا. كنّا قلقين وتقريباً لم نكن نعرف شيئاً عن إبراهيم وأحواله. مرّة كلّ أسبوعين كنت أذهب أنا أو أحد أشقّائي إلى مكتب الصّليب الأحمر في خانيونس أو في غزّة لكي نسأل عن وضع إبراهيم وما إذا كان هناك أيّ تطوّر في شأن زيارات الأسرى.

في العام 2013 سمحت لنا إسرائيل بزيارة إبراهيم. في تلك الفترة كانت أمّي تعاني من عدّة أمراض ورغم وضعها الصحّي سافرت مع أبي للزيارة. في نهاية الزيارة أخطأت والدتي الطريق إلى الحافلة فأطلق رجال الأمن النار قريباً منها. كان يمكن أن تصاب بسوء لولا أن تدخّل أهالي الأسرى وأعادوها إلى الحافلة. لاحقاً تبيّن أنّ والدي تعاني مرض الألزهايمر. منذ تلك الحادثة منعت سلطات الاحتلال والدتي من زيارة إبراهيم. والدي أيضاً اضطرّ للتوقّف عن الزيارة بسبب جلطة دماغيّة ألمّت به وأصبح مُقعداً على أثرها. لقد مرّت 8 سنوات دون أن يحظى إبراهيم بزيارة أحد من العائلة. لديه 7 إخوة وأخوات وجميعنا متزوّجون لكنّ إسرائيل لا تسمح لأيّ منّا بزيارته. تقريباً مرّة كلّ شهر آتي مكتب الصّليب الأحمر في خانيونس وأقدّم طلبات زيارة لي ولإخوتي وفي كلّ مرّة يقولون إنّ إسرائيل لا تسمح لإخوة الأسرى بالزيارة.

لم يبق لدينا حلّ سوى أن نحوّل لإبراهيم النقود بواسطة عائلات أسرى من الضفة الغربيّة وهذه الإجراءات طويلة ومعقّدة ومنهكة. وحيث أنّه لا أحد منّا يزور إبراهيم ولا يجلب له ملابس فهو يضطرّ إلى شرائها من كنتين السّجن، وأحياناً يتلقّى ملابس كتبرّع من عائلات أسرى الضفة الغربيّة. الآن في فصل الشتاء نشعر بالقلق عليه بشكل خاصّ. نخشى عليه من البرد ونحن نعرف أنّ الملابس في كنتين السّجن باهظة الثمن. أشعر دائماً أنّني أسير مثله بسبب شعوري بالعجز إذ لا أقدر على رؤية إبراهيم وإحضار ملابس ونقود له.

بلال ابن إبراهيم (20 عاماً) وشقيقته دنيا (21 عاماً) لم يزورا والدهما سوى وهُما صغيرين. منذ تسع سنوات لم يحظيا برؤيته. والدي يسألني كلّ يوم عن إبراهيم وبسبب وضعه الصحّي ورغبتي في مواساته أضطرّ أن أكذب عليه. أقول له دائماً إنّه بخير رغم أنّني لا أعرف شيئاً عنه.

من إفادة خضرة الصعيدي (69 عاماً) وهي والدة الأسير عوض الصعيدي (43 عاماً):

خضرة الصعيدي. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 15.11.21
خضرة الصعيدي. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 15.11.21

عندما اعتقلوا ابني عوض كان في فترة الخُطوبة. اعتقله الجيش الإسرائيليّ في 2.12.04 في حاجز أبو هولي وسط قطاع عزّة، ثمّ حُكم عليه بالسّجن لمدّة 15 عاماً. في العام 2012 تشاجر عوض في السّجن مع أحد السجّانين فحُكم عليه بالسّجن أربع سنوات أخرى. في سنوات سجنه الأولى كنّا نذهب لزيارته في سجن نفحة مرّة كلّ أسبوعين تقريباً. بعد ذلك نقلوه عدّة مرّات من سجن إلى سجن والآن أعادوه إلى سجن نفحة. إسرائيل تمنع منذ البداية زيارة الإخوة والأخوات ومنذ العام 2017 أنا أيضاً لم أر عوض لأنّ إسرائيل منعت زيارة الأسرى سكّان قطاع غزّة المنتسبين إلى حماس، ومنذ أن تفشّى وباء الكورونا تمنع إسرائيل زيارات جميع الأسرى الذين من قطاع غزّة. السّنوات الأخيرة تمضي عليّ وأنا في قلق دائم على ابني. أفكّر فيه طوال الوقت.

إسرائيل تستغلّ وباء الكورونا لكي تمنع زيارة الأسرى سكّان قطاع غزّة ولكنّها تسمح بالزيارة لعائلات الأسرى سكّان الضفة الغربيّة. هذا التمييز يفتقر للمنطق والهدف منه فقط إيقاع عقاب جماعيّ على سكّان القطاع. لا علاقة لهذا الأمر بالكورونا.

في الفترة التي كان يُسمح بها بالزيارة كانت الزيارات دائماً مشقّة هائلة: في اللّيلة التي تسبق الزيارة لا أستطيع أن أغفو خشية أن أتأخّر وتفوتني الحافلة. كنت أخرج من المنزل عند السّاعة 4:00 فجراً وأنتظر الحافلة في الشارع الرّئيسيّ. كنت أقف هناك في العتمة وعندما تكون أحوال الجوّ عاصفة كنت أقف في البرد القارس وتحت المطر. أمّا العذاب الحقيقيّ فكان يبدأ عند وصولنا إلى حاجز "إيرز" حيث التفتيش وفحص الهُويّات. كانوا يُدخلونني مرّة تلو المرّة في ماكينة المسح والأمر نفسه يتكرّر عند وصولنا إلى سجن نفحة - مرّة أخرى تفتيش وانتظار طويل إلى حين ينتهي السجّانون من تفتيش وفحص أوراق جميع من حضروا للزيارة.