Skip to main content
إخلاء أفراد أسرة أبو عصب في البلدة القديمة، القدس، 17.2.19. لقطة من فيديو وثّق الإخلاء قدّمته الأسرة مشكورة.
Menu
المواضيع

التطهير في شرقيّ القدس مستمرّ: إسرائيل تُخلي مزيدًا من الأسَر من منازلها وتسلّم المنازل للمستوطنين

في السنوات الأخيرة طرأ ارتفاع على عدد المستوطنين الذين انتقلوا للسّكن في قلب الأحياء الفلسطينيّة بحيث بلغ عددهم مئات في البلدة القديمة وفي سلوان وراس العمود والطور وأبو ديس والشيخ جرّاح؛ وكلّ ذلك بمصادقة ودعم وتمويل ومساعدة جميع السلطات الإسرائيليّة.

الجيوب الاستيطانيّة التي تشكّلت بهذه الطريقة داخل الأحياء الفلسطينيّة في شرقيّ القدس قد غيّرت ملامح المنطقة وحوّلت حياة سكّانها إلى جحيم لا يطاق: يعاني السكّان من المسّ بخصوصيّتهم من ضغط اقتصاديّ ومن تنكيل يوميّ يوقعه بهم المستوطنون وحرّاسهم الذين تموّلهم السلطات. نتيجة لذلك تحدث مواجهات عنيفة بينهم وبين شبّان فلسطينيّين. ولأجل الاعتراض على دعاوى إخلائهم من منازلهم يلجأ السكّان الفلسطينيّون إلى إجراءات قضائيّة طويلة ومكلفة في مواجهة الدولة وجمعيّات المستوطنين بما تملكه من موارد وقوّة. في سلوان هناك أكثر من 80 أسرة تواجه دعاوى إخلاء وفي الشيخ جرّاح 62 أسرة إضافة إلى عشرات الأسَر في البلدة القديمة.

لا تتعامل إسرائيل مع سكّان شرقيّ القدس على قدم المساواة في الحقوق بل هي تسعى إلى طردهم من منازلهم لأنّها تعتبرهم عقبة في طريق تحقيق مطامحها الرّامية إلى تهويد المدينة.

في معظم الاحيان هناك هيئات مختلفة تمثّل المستوطنين وتعمل على إخلاء الفلسطينيّين من منازلهم ضمن استغلال القانون الذي سنّته إسرائيل والذي يتيح لليهود تقديم دعاوى ملكيّة على عقارات كانت تحت تصرّفهم أو تصرّف يهود آخرين قبل عام 1948. علاوة على ذلك، سنّت الدّولة قانونًا نصّ على منع الفلسطينيّين من القيام بالأمر نفسه بخصوص عقارات كانوا يملكونها قبل 1948. وقد فشلت جميع توجّهات الفلسطينيّين لجميع الهيئات القضائيّة في المحاكم الإسرائيليّة للمطالبة بالبقاء في منازلهم حيث ممثلو السلطات والقضاة يدعمون هذه السياسة ويضفون عليها الشرعيّة.

لا تتعامل إسرائيل مع سكّان شرقيّ القدس على قدم المساواة في الحقوق بل هي تسعى إلى طردهم من منازلهم لأنّها تعتبرهم عقبة في طريق تحقيق مطامحها الرّامية إلى تهويد المدينة. لأجل القيام بذلك تستخدم إسرائيل وسائل عديدة - جميعها مخالفة للقانون: تتعمّد منع الفلسطينيّين من البناء في المدينة - سواء لأغراض السّكن أو لأغراض أخرى وتصدر أوامر الهدم لمنازلهم التي أقامها أصحابها مجبرين دون ترخيص، لأنّه لا خيار آخر أمامهم وتنفّذ الهدم بحقّ العشرات من هذه المنازل كلّ سنة. كذلك تمتنع بلديّة القدس عن تخصيص ميزانيّات للبُنى والخدمات في الأحياء الفلسطينيّة؛ لا البُنى المادّية ولا المؤسّسات العامّة، لا التعليم ولا المواصلات، ولا حتى النظافة والصحّة العامّة. كما أنّها تمنع الفلسطينيّين سكّان القدس من السّكن في المدينة مع أزواجهم إذا كان هؤلاء من سكّان مناطق أخرى من الأراضي المحتلّة.

تطبيق هذه السّياسة الرّامية إلى تطهير بعض أنحاء المدينة من الفلسطينيّين لم يبدأ مؤخّرًا بل هي سياسة تتّبعها إسرائيل منذ سنين طويلة حين احتلّت الضفة الغربيّة وضمّت إلى حدودها شرقيّ القدس والقرى المحيطة.

طرأت في الأسابيع الأخيرة تطوّرات إضافيّة في عمليّة التطهير المذكورة والتي تطال دائمًا حياة المزيد والمزيد من الأسَر في المدينة. أدناه إفادات من شخصين فلسطينيّين تضرّرت عائلتاهما مؤخّرًا جرّاء هذه السياسة: الإفادة الأولى أدلى بها أحد سكّان البلدة القديمة الذي طُردت أسرته من منزلها في شهر شباط الماضي وحلّ مكانها مستوطنون؛ والثانية من امرأة من سكّان الشيخ جرّاح تلقّت أسرتها أمرًا بإخلاء منزلها في الأيّام القريبة:

عائلة أبو عصب: أخليت من منزلها في البلدة القديمة في شباط 2019:

أسرة أبو عصب تعدّ اليوم 9 أنفار حيث أخليت من منزلها الذي سكنته منذ عام 1952. في عام 2014 تقدّم مستوطنون بدعوى قضائيّة ضدّ الأسرة يطالبون بأن تخلي الأسرة منزلها. انتهت المعركة القضائيّة التي خاضتها الأسرة ضدّ الإخلاء في تشرين الأوّل 2018 حيث ردّت محكمة العدل العليا استئنافها. في أعقاب ذلك تلقّت الأسرة في كانون الثاني 2019 أمر إخلاء حتى 6.2.19؛ ثمّ تمكّنت من تمديد المُهلة حتّى 28.2.19. لكن في 6.2.19 ودون سابق إنذار جاء نحو عشرين من عناصر قوّات الشرطة الخاصّة وأخلوا الأسرة بالقوّة.

Thumbnail
حاتم أبو عصب. تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 6.3.19

حاتم أبو عصب البالغ من العمر 45 عامًا وهو متزوّج وأب لستّة أولاد أدلى بإفادته في 6.3.2019 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، عامر عاروري، محدّثًا كيف طُردت أسرته من منزلها بالقوّة:

أمرني ثلاثة من ضبّاط الشرطة بإخلاء المنزل برضاي. في هذه الأثناء تجمّع الأقارب وبعض الجيران قرب المنزل. نحو الساعة 11:00 هجم عليّ عدد من عناصر الشرطة وأخذوا يضربونني ثمّ كبّلوا يديّ واقتادوني إلى المعتقل. كذلك اعتقل عناصر الشرطة ولديّ البالغين من العمر 12 و 16 عامًا؛ وأخرجوا زوجتي وعمّتي من المنزل بالقوّة دون أن يسمحوا لهما بأخذ الملابس. بقيت كلتاهما قرب المنزل مع الأقارب والجيران.

في محطّة الشرطة شاهدت عناصر الشرطة يقتادون ولديّ إلى داخل غرفة. نحو الساعة 15:00 أبلغني ضابط أنّه سوف يخلي سبيل ولديّ شرطَ أن أتّصل بزوجتي وأطلب منها أن تغادر هي ومن تجمّع هناك من الجيران والأقارب محيط المنزل. كنّا مضطرّين على الموافقة وتمّ إخلاء سبيل ولدينا بعد أن غادر الجميع المكان.

أمّا أنا فقد أخلوا سبيلي نحو الساعة 18:00 بعد أن حقّقوا معي بشبهة الاعتداء على شرطيّ. أصدروا بحقّي أمر إبعاد لمدّة غير محدّدة عن المنطقة التي يقع فيها منزلي. بعد مضيّ 12 يومًا سمحوا لي بالعودة إلى المنزل مع زوجتي والأولاد لكي نأخذ بعض الأغراض.

عندما دخلنا إلى المنزل كانت حالته مروّعة كلّ شيء مقلوب وملقًى على الأرض وبعض الأثاث قد جرى تحطيمه. شاهدت مستوطنين يجلسان على الأثاث المحطّم في قلب منزلي. تمكّنت فقط من أخذ الملابس وجهاز التلفزيون. لم آخذ الثلّاجة ولا الغسّالة لأنّه لا يوجد مكان أضعهما فيه. الآن أنا وزوجتي وأولادنا وعمّتي نسكن في شقة مؤلفة من غرفة واحدة ومطبخ وحمّام لدى أقارب لنا.

لدى دخولي المنزل انتابني حزن عميق لمشهد المستوطنين وهما يجلسان هناك. إنّه منزلي الذي وُلدت ونشأت فيه تزوّجت فيه وفيه رُزقت بأولادي. مكثنا في المنزل بمرافقة الشرطة لمدّة ساعتين تقريبًا - أخذنا فقط الأغراض الضروريّة وخرجنا.

Thumbnail
منزل أسرة أبو عصب بعد استيلاء المستوطنين عليه. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة.

عائلة الصبّاغ - تلقّت أمر إخلاء منزلها في الشيخ جرّاح حتى 11.3.2019:

يبلغ عدد أفراد عائلة الصبّاغ الموسّعة 34 نفرًا ويسكنون في منازلهم في حيّ الشيخ جرّاح منذ عام 1956. بعد معركة قضائيّة خاضتها الأسرة منذ 2010 أبلغتها دائرة الإجراء في كانون الثاني 2019 أنّ عليها إخلاء منزلها حتى 11.3.19 وإن لم تفعل فسوف يجري إخلاؤها بالقوّة.

Thumbnail
خديجة الصبّاغ في منزلها. تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 15.1.19

خديجة الصبّاغ البالغة من العمر 55 عامًا وهي متزوّجة وأمّ لثلاثة أولاد أدلت بإفادتها في 15.1.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، عامر عاروري، قائلة أنّها تسكن في منزلها منذ عام 1979 حين تزوّجت من باسم الصبّاغ:

أسكن في المنزل مع زوجي واثنين من أولادنا: أسماء (15 عامًا) ومحمود (20 عامًا). في الطابق الثاني يسكن ابني محمّد (30 عامًا) وزوجته رزان. أنا لاجئة من يافا. في عام 1948 اقتُلعت عائلتي وهُجّر جزء منها إلى مخيّم اليرموك للّاجئين في سوريا.

كذلك زوجي من أسرة لاجئين مهجّرة من يافا لكنّهم تنازلوا في حينه عن بطاقة لاجئ مقابل قطعة أرض ومنزل صغير - المنزل الذي نسكن فيه الآن؛ وذلك ضمن اتّفاقيّة بين حكومة الأردن ووكالة غوث اللّاجئين - "الأونروا". ولكن لم يتمّ تسجيل الأرض والمنزل في دائرة الطابو الأردنيّة قبل حرب 1967 والاحتلال الإسرائيلي. منذ عام 2010 هناك إجراءات قضائيّة في المحاكم في هذا الشأن. جمعيّات المستوطنين تدّعي الملكيّة على الأرض التي بُني عليها منزلنا.

نحن أسرة فقيرة ومنزلنا آيل للسّقوط ولكنّ البلديّة منعتنا من ترميمه فاضطررنا إلى العيش فيه وهو على هذا الحال. ولكن كما يقول المثل "رضينا بالهمّ والهمّ لم يرضَ بنا": العائلة الموسّعة برمّتها - أبنائي وأشقّاء زوجي - تلقّت إخطارات بإخلاء منازلها حتّى 23.1.19. ثمّ مدّدوا لنا مهلة أسبوعين وأبلغونا أنّهم سوف يخلوننا بالقوّة إن لم نُخلِ المنازل بأنفسنا. منذ أن تلقّينا أمر الإخلاء أعيش في دوّامة من الخوف والقلق والرّعب. أبكي ليل نهار ولا أذوق طعم النوم.

أنا لا أستبدل هذا المنزل حتى بقصر. كنت لا أزال في الـ15 من عمري حين تزوّجت وانتقلت للسّكن فيه. لديّ هنا ذكريات مع أولادي ومع زوجي ومع عائلة الصباغ الموسّعة. أسرة أهلي تعيش اليوم في سوريا وأنا لم أرهم منذ عام 2011 حين اندلعت الحرب هناك. بعض أقاربي قضوا حتفهم غرقًا في البحر أثناء محاولة الهرب من أتون الحرب وبعضهم نجا وتمكّن من الوصول إلى ألمانيا وإحدى الأسر لجأت إلى الأردنّ. لا يوجد لي أحد في هذا العالم سوى عائلتي هذه التي في القدس ولا مكان لي سوى هذا المنزل المتواضع. أنا وأولادي وزوجي لا نعرف ماذا سنفعل. لا يوجد لنا مكان آخر نذهب للسّكن فيه ولا قدرة لنا على استئجار منزل. لا يوجد في القدس منزل بدل إيجاره أقلّ من 1,000 دولار شهريًّا. لا أعرف كيف سنتدبّر أمرنا

Thumbnail
منزل عائلة الصبّاغ في حيّ الشيخ جرّاح. تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 15.1.19
كلمات مفتاحية