في يوم الاثنين الموافق 7.10.24 داهم جنود وعناصر من حرس الحدود مخيّم قلنديا للّاجئين وحاصروه من جميع الجهات. وفي ساعات الظهيرة، نشبت مواجهات في محيط الشارع الذي يفصل مخيّم اللّاجئين عن حيّ كفر عقب. ألقى شبّان وأطفال الحجارة نحو القوّات التي أطلقت النيران الحيّة والغاز المسيّل للدموع باتّجاههم. وفي مرحلة ما، تقدّمت القوّات إلى زقاق كان يتواجد فيه شبّان كثيرون وأطلقت النيران وقتلت الطفل حاتم غيث (12 عامًا). وأفاد بيان الجيش بأنّ القوّة أطلقت النار بعد أن قام فلسطينيّون بـ "إلقاء الطوب والحجارة نحو القوّات وتعريضها للخطر"، وبأنّ القوّة شخّصت "إصابات"؛ وذلك على الرغم من أنّه وفقًا للتحقيق الميدانيّ الذي أجرته بتسيلم، لم يتمّ إلقاء طوب في المكان، وفي كلّ الأحوال فإنّ الحجارة والطوب لا تشكّل خطرًا على الجنود أو أفراد الشرطة الموجودين داخل مركبات مدرَّعة؛ علاوةً على ذلك، فإنّ إطلاق النار على غيث حدث في أثناء هروبه بعيدًا عن الشرطة وكان ظهره إليهم. ويتّضح من بيان الجيش أنّه لا يعتبر مقتل طفل عمره 12 عامًا حدثًا يستدعي اهتمامًا خاصًّا أو فتح تحقيق.
بعد ذلك بأسبوع، ظهر يوم الاثنين الموافق 14.10.24، داهمت قوّات من الجيش وحرس الحدود مخيّم جنين للّاجئين وقتلت محمود الرب (23 عامًا)، وهو ناشط في حركة الجهاد الإسلاميّ، خلال تبادل لإطلاق النار معه ومع ناشطين مسلّحين آخرين. في أعقاب المداهمة الواسعة للمخيّم أُغلِقت المدارس في منتصف اليوم الدراسيّ، وقام بعض الطلّاب الذين خرجوا منها بإلقاء الحجارة والعبوات الناسفة المرتجلة على سيّارات الجيب العسكريّة العابرة في الشارع. وكان من بين هؤلاء الطلّاب ريان السيّد (14 عامًا)، الذي أُطلِق عليه الرصاص من داخل إحدى سيّارات الجيب وقُتِل. لم يتطرّق الجيش في منشوراته حول المداهمة إلى مقتل ريان.
دائرة من الحجارة تشير إلى المكان الذي قُتل فيه عبد الله هوّاش بالرصاص. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم
ثمّ بعد ذلك بنحو أسبوع، في يوم الثلاثاء الموافق 22.10.24، أطلق الجنود النار وقتلوا الطفل عبدالله هوّاش (11 عامًا)، الذي ألقى بمفرده بعض الحجارة على قافلة من سيّارات الجيب المُحصّنة التي كانت تسير في الشارع المحاذي لمنزله وهي في طريقها للخروج من نابلس. وبعد أن نُشر في وسائل الإعلام توثيق للحادثة يثبت عدم وجود أيّ مبرّر لإطلاق الرصاص القاتل على الطفل، نُشِر، ردًّا على مقال كتبه جدعون ليفي في جريدة هآرتس، أنّه "فور وقوع الحادث تمّ إجراء تحقيق ميدانيّ من قبَل الوحدة أعقبه إبعاد الجنديّ من قبَل قادته عن أيّ نشاط عمليّاتيّ إلى أن يتمّ اتّخاذ قرار آخر في شأنه".
ثمّ بعد ذلك بأقلّ من أسبوعين، في يوم الأحد الموافق 3.11.24، أطلق الجنود النار من كمين على ناجي زماعرة (14 عامًا) وصديقه اللذين ألقيا حجارة، عن بُعد نحو مائة متر على ما يبدو، باتّجاه شارع 60، شمال شرق حلحول. أطلق الجنود الذين كانوا موجودين في المكان، ضمن "عمليّة استباقيّة"، النار على الصبيّين وأصابوا زماعرة، فيما تمكّن صديقه من الفرار. وذكر والد زماعرة، في إفادته، أنّ الجنود قالوا له إنّهم نشطوا في المكان إثر إلقاء حجارة في المنطقة.
إنّ تعليمات إطلاق النار في الجيش الإسرائيليّ ليست معلومات متاحة لعامّة الجمهور، لكن من خلال المنشورات المختلفة والتصريحات التي أدلى بها ممثّلو الدولة، في إطار إجراءات قضائيّة أجريت على مرّ السنين حول هذا الموضوع، يتّضح أنّ الحديث هو عن وثيقة تمّت صياغتها بموجب المتطلّبات المنصوص عليها في القانون الإسرائيليّ والقانون الدوليّ بشأن استخدام القوّة القاتلة. لكن في الممارسة العمليّة، وبدلًا من أن تعمل هذه التعليمات على كبح وتقييد استخدام القوّة القاتلة، أصبحت أداة يستغلّها الجهاز العسكريّ والجنود في الميدان للتملّص من المساءلة عن أفعالهم ولتجنّب المحاكمة الجنائيّة في الجهاز القضائيّ الإسرائيليّ. على سبيل المثال، تسمح التعليمات بإطلاق النيران القاتلة فقط في حالات الخطر "الحقيقيّ والفوريّ" على الحياة، لكنّها تترك القرار بشأن ما ينطبق عليه هذا التعريف لاعتبارات الجنود في الميدان. وهكذا، يستطيع الجنود، في معظم الحالات، تبرير إطلاق النار بأثر رجعيّ مُعتمدين على "الشعور بالخطر" الشخصيّ الذي شعروا به افتراضًا، بغضّ النظر عمّا إذا كان هناك خطر حقيقيّ على حياتهم أو على حياة أشخاص آخرين. مع مرور الوقت، حصل هذا النهج أيضًا على مصادقة قرارات حُكم صادر عن المحكمة الإسرائيليّة.
في كثير من الحالات، بما في ذلك في حالتي قتل حاتم غيث وريان السيّد، يطلق أفراد القوّات الإسرائيليّة النار على فلسطينيّين ويردونهم قتلى، بمَن في ذلك الأطفال، دون أن يكونوا مُعرَّضين لخطر حقيقيّ ــ فالحجارة، وحتّى العبوات الناسفة المرتجلة، لا تلحق ضررًا حقيقيًّا بالمركبات المحصّنة التي تتحرّك بها القوّات. ومن المرجّح أيضًا أنّ إبعاد الجنديّ عن الخدمة، إثر مقتل عبد الله هوّاش، ما كان ليحدث لو لم يتمّ توثيق الحادثة، وهو لن يؤدّي، على أيّ حال، إلى محاكمة جنائيّة. إضافةً إلى ذلك، في بعض الحالات يختار الجيش، عن علم وإدراك، خلق حالة يصبح فيها من الممكن إطلاق النار بشكل قانونيّ افتراضًا، والتركيز في لحظة الضغط على الزناد يُمكّنه من تجاهل مسؤوليّته عن ذلك، حتّى عندما يتعلّق الأمر بقاصرين. على سبيل المثال، في حالة مقتل ناجي زماعرة، فعندما لاحظ الجنود، افتراضًا، أنّ زماعرة وصديقه ينويان إلقاء حجارة على الشارع، اختار هؤلاء الجنود، عن وعي وإدراك، أن يتريّثوا وينتظروا اللحظة التي يمكنهم فيها "الإمساك بهما متلبِّسَين" لكي يطلقوا عليهما نيرانًا قاتلة "قانونيّة"، بدلًا من محاولة إيقافهما أو إبعادهما عن المكان بوسائل غير قاتلة، وبالتالي تفادي قتل صبيّ عمره 14 عامًا.
من المهمّ التأكيد على أنّ هذه الحالات ليست معدودة ومحدودة، وأنّ إسرائيل أطلقت العنان لقوّاتها في الضفّة الغربيّة منذ اندلاع الحرب في قطاع غزّة، وهي تطبّق فيها سياسة إطلاق النيران القاتلة. فمنذ 7 تشرين الأوّل 2023 حتّى 28 شباط 2025 قتلت القوّات الإسرائيليّة 183 قاصرًا فلسطينيًّا في الضفّة الغربيّة، كما قُتل أربعة قاصرين آخرين بأيدي جهة إسرائيليّة غير معروفة*. وتبيّن تجارب الماضي أنّه في الغالبيّة العظمى من الحالات لن تجري محاسبة أيّ شخص من المتورّطين على أفعاله. ويتّضح من الرصد الذي أجرته منظّمة "يش دين"، حول فتْح تحقيقات جنائيّة ضدّ جنود إسرائيليّين لقتلهم فلسطينيّين، إلى أنّ الجيش فتح تحقيقًا جنائيًّا في الحادثة في أقلّ من 50% من حوادث القتل، وأنّ احتمال محاكمة جنديّ إسرائيليّ في أعقاب قتل فلسطينيّين في الضفّة الغربيّة هو 0.4% فقط. يدلّ هذا المعطى على اللامبالاة المطلقة التي يتعامل بها الجيش الإسرائيليّ مع قتل الفلسطينيّين، ومن بينهم القاصرون، وعلى عدم فعالية جهاز القضاء العسكريّ والمدنيّ في إسرائيل في منع مقتلهم ومعاقبة المسؤولين عن ذلك. والحالة هذه، لا شكّ أنّ دماء الفلسطينيّين، صغارًا وكبارًا، ستبقى مستباحة، وسيستمرّ القتل، لا بل سيزداد.
* تستخدم بتسيلم هذا التصنيف للحوادث التي قُتل فيها فلسطينيّون بعد إطلاق النار عليهم، سواء من قبّل قوّات إسرائيليّة أو من قبَل مدنيّين إسرائيليّين، وليست لدينا القدرة على تحديد مصدر النيران التي أصابتهم.
مقتل حاتم غيث (12 عامًا) في كفر عقب في 7.10.24
حاتم غيث
في يوم الاثنين الموافق 7.10.24، قرابة الساعة 5:00 فجرًا، داهمت قوّات من الجيش وحرس الحدود وضبّاط المخابرات بملابس مدنيّة مخيّم قلنديا للّاجئين وحيّ كفر عقب، شمال القدس. وبينما كانت أغلبيّة القوّات تنشط في مخيّم اللّاجئين، امتدّت المواجهات أيضًا إلى كفر عقب، بمحاذاة الشارع الرئيسيّ الذي يفصل الحيّ عن مخيّم قلنديا، والذي أغلقته القوّات. ونحو الساعة 10:30 نشبت مواجهات في المكان بين نحو مائة شابّ وطفل وبين القوّات التي توقّفت على الشارع الرئيسيّ.
قامت جرّافة عسكريّة كانت ترافق القوّات بإخلاء الشارع من الحجارة والإطارات المطّاطيّة المشتعلة، ثمّ أغلقت مدخل أحد الأزقّة التي كان يتواجد فيها عدد كبير من الشبّان. بعد ذلك نزل اثنان من عناصر شرطة حرس الحدود من مركبتهما، واتّجها نحو الزقاق، وأطلقا طلقتين ناريّتين على الشبّان والأطفال الذين في الزقاق من مسافة 30-35 مترًا. أصابت إحدى هاتين الطلقتين الطفل حاتم غيث (12 عامًا)، فأصيب بجروح خطيرة. وفي مقطع الفيديو الذي يوثّق لحظة الإصابة، يظهر غيث وهو يلتقط شيئًا ما عن الأرض، حجرًا على ما يبدو، ثمّ يركض هاربًا مع سائر الشبّان. يتقدّم بضع خطوات إلى الأمام وعندها يُصاب بإطلاق النار عليه وينهار على الأرض. يقوم الشبّان بإخلاء غيث إلى الطرف الآخر من الزقاق، ومن هناك يُنقَل خلال وقت قصير إلى مركز فلسطين الطبّيّ، حيث اضطُرّ الأطبّاء إلى إقرار وفاته حوالي الساعة 11:30.
سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ محمّد رمّانة إفادتين حول الحادثة:
ك. ح. قال في الإفادة التي أدلى بها في 5.11.24 حول المواجهات التي قام بتغطيتها في إطار عمله كمصوّر صحفيّ:
في صباح يوم الاثنين الموافق 7.10.24 كنتُ نائمًا في منزلي في حيّ الطيرة بمدينة رام الله. في الساعة 9:00 تقريبًا تلقّيتُ اتّصالًا هاتفيًّا من زميلي في العمل وأبلغني بأنّ الجيش الإسرائيليّ يقوم باجتياح كبير لمخيّم قلنديا وكفر عقب، شمال القدس. وطلب منّي الحضور إلى المنطقة وتوثيق الاجتياح في إطار عملي كمصوِّر صحفيّ.
وصلتُ إلى المنطقة في الساعة 9:45 وتمركزتُ في "دوّار سيكال". رأيتُ مركبتين عسكريّتين تقفان على بُعد نحو مائة متر من هناك، على المسار المؤدّي إلى مدينة رام الله، ووجهتهما نحو دوّار سيكال. كما كانت هناك أيضًا جرّافة عسكريّة متوقّفة على المسار المؤدّي إلى معبر قلنديا، بعكس اتّجاه السير، وكانت وجهتها هي أيضا نحو دوّار سيكال. وكان هناك نحو مائة شابّ فلسطينيّ في دوّار سيكال والأزقّة المجاورة لحيّ كفر عقب.
نظرة من المكان الذي وقف فيه أفراد الشرطة الذين أطلقوا النار إلى الزقاق الذي قُتل فيه حاتم غيث. تصوير: محمّد رمّانة، بتسيلم
جهّزتُ أموري وبدأتُ في الساعة 10:05 بتوثيق القوّات الإسرائيليّة. كانت المنطقة هادئة نسبيًّا، ولم يكن هناك جنود في الشارع. كان الشبّان قد أشعلوا إطارات مطّاطيّة على الشوارع. وعند الساعة 10:15 خرج نحو ستّة جنود من المركبات العسكريّة إلى الشارع، وبدأت بعدها المواجهات بينهم وبين الشبّان الذين كانوا على بُعد نحو مائة متر عنهم. رشق الشبّان الجنود بالحجارة، فيما ردّ الجنود بإطلاق الغاز المسيّل للدموع والقنابل الصوتيّة والرصاص "المطّاطيّ" على الشبّان.
استمرّت الأمور على هذا النحو حتّى الساعة 10:40، ثمّ عاد الجنود إلى المركبات العسكريّة، وتقدّمت مركبتان باتّجاه دوّار سيكال حيث كان يتواجد الشبّان. توقّفتا على بُعد 25-30 مترًا عن الشبّان الذين كانوا مختبئين في الأزقّة وخلف حاويات القمامة في الشارع. كانت إحدى المركبات تحمل بندقيّة أوتوماتيكيّة مثبَّتة على السقف، وكانت الثانية تحمل قاذفة قنابل غاز مسيّل للدموع. بعد بضع دقائق توقّفت المركبة التي تحمل بندقيّة على سقفها على بُعد 30 مترًا عن "زقاق الراجحي"، حيث كان يتواجد عدد كبير من الشبّان، وكانت تتّجه نحو الزقاق.
بعد بضع دقائق دخلت جرّافة عسكريّة إلى الدوّار وأزالت جميع الإطارات المطّاطيّة والحجارة التي كانت على الشارع، ثمّ سارت نحو مدخل زقاق الراجحي ووقفت خلف المركبة المجهَّزة ببندقيّة على سقفها. ثمّ وصلت مركبة عسكريّة أخرى ووقفت خلف الجرّافة. بعد ذلك، خرج من المركبة شخصان، أعتقد من خلال زيّهما الرسميّ أنّهما من عناصر شرطة حرس الحدود. وخرج جنديّان من إحدى المركبات الأخرى وصوّبوا بنادقهما نحونا.
في الساعة 10:55 اقترب عنصران من شرطة حرس الحدود من مدخل زقاق الراجحي. وثّقتُهما وهما يطلقان النار. أطلقا رصاصتين على الشبّان الذين كانوا في الزقاق. سمعتُ الشبّان يصرخون، ففهمتُ أنّ أحدهم قد أصيب. لكنّني لم أستطع الذهاب إلى هناك، لأنّني خفتُ من أن يطلق عنصرا الشرطة النار عليّ. فقد سبقَ أن صوّبا أسلحتهما نحونا.
شابّ كان بجانب حاتم غيث عندما أصيب، قال في الإفادة التي أدلى بها في 7.10.24:
قبل الساعة 11:00 بقليل كنتُ في حيّ كفر عقب. في ذلك الوقت كانت القوّات الإسرائيليّة تطوِّق الحيّ ومخيّم قلنديا، حيث داهمت المنطقة منذ ساعات الفجر. كانت القوّات المتواجدة في المكان تابعة لحرس الحدود وللجيش، وكانت معهم مركبات عسكريّة وجرّافة عسكريّة. في ذلك الوقت كنّا بضع عشرات من الشبّان هناك. كان عددهم حسب تقديري 30-50 تقريبًا. ألقى بعض الشبّان حجارة على القوّات الإسرائيليّة التي كانت على الشارع الرئيسيّ، على بُعد 25-30 مترًا، وردّت القوّات بإطلاق القنابل الصوتيّة والغاز المسيّل للدموع.
نظرة من المكان الذي قُتل فيه حاتم غيث إلى الشارع الذي كان يقف فيه أفراد الشرطة الذين أطلقوا النار. تصوير: محمّد رمّانة، بتسيلم
تقدّمت الجرّافة العسكريّة في اتجاهنا. وكان خلفها جنود أو عناصر من شرطة حرس الحدود، لستُ متأكدًا كم كان عددهم. وما إن وصلت الجرّافة إلى مدخل زقاق الراجحي حتّى برز اثنان منهم من خلفها وبدآ بإطلاق النار علينا بشكل عشوائيّ، من مسافة 30 مترًا تقريبًا.
بحثتُ عن مأوى في زاوية أحد المباني، ثمّ رأيتُ طفلًا يسقط على الأرض. فور ذلك مباشرة تحرّك الجنود إلى الوراء، ولم نعد في مجال رؤيتهم، لذا تمكّنتُ من التوجّه نحو الطفل الجريح، الذي كان على بُعد نحو خمسة أمتار عنّي. عندما وصلتُ إليه رأيتُ أنّه مصاب في منطقة البطن، وقد خرجت بعض أمعائه من جسمه. وضعناه على الفور في سيّارة خاصّة كانت متواجدة في المكان، واتّصلتُ في الوقت نفسه لاستدعاء سيّارة إسعاف. تقدمنا بالسيّارة الخاصّة بضعة أمتار تقريبًا، ثمّ نقلناه إلى سيّارة الإسعاف التي أخلته إلى مركز فلسطين الطبّيّ.
علمتُ لاحقًا عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ أنّ الطفل المصاب هو حاتم غيث، وأنّ عمره 12 عامًا. ثمّ علمتُ في الساعة 11:30 تقريبًا أنّه توفّي متأثّرًا بإصابته.
مقتل ريان السيّد (14 عامًا) في مخيّم جنين للّاجئين في 4.10.24
يان السيّد
في يوم الاثنين الموافق 14.10.24، قرابة الساعة 11:00، داهمت قوّات من الجيش وحرس الحدود مدينة جنين ومخيّم جنين للّاجئين. انضمّت القوّات إلى قوّة خاصّة كانت متواجدة في المكان من قبل، وحاصرت منزلًا تحصّن فيه ناشطون فلسطينيّون. ونشب في المكان تبادل لإطلاق النار تخلّله استخدام صواريخ محمولة على الكتف وتدمير بواسطة جرّافة عسكرية، وفي نهايته قتلت القوّات محمود أبو الربّ (23 عامًا)، وهو ناشط في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ، واعتقلت ثلاثة فلسطينيّين.
ونظرًا لوجود قوّات كبيرة داخل المخيّم في منتصف النهار، تمّ ترويح الطلّاب من المدارس إلى منازلهم، خوفًا من أن تطول المداهمة ولا يتمكّنون من العودة إليها. قام خمسة - ستّة أطفال، من ضمن مجموعة تضمّ نحو 20 طالبًا، بإلقاء حجارة وعبوات ناسفة مرتجلة على مركبتين عسكريّتين مُحصّنتين كانتا تسيران في المنطقة وعبرَتا على بُعد 15-20 مترًا عن المجموعة. وكان بين الأطفال في المكان ريان السيّد (14 عامًا)، من سكّان المخيّم. توقّفت إحدى سيّارات الجيب على الشارع، وأطلق جنديّ عدّة رصاصات من داخلها، وأصاب الطفل ريان السيّد في الجزء العلويّ من جسده. نقل بعض السكّان ريان إلى المستشفى، حيث أقرّت وفاته.
محمود دربي (24 عامًا) قال في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي، في 10.11.2024:
قرابة الساعة 11:00، داهمت قوّات الجيش المدينة ومخيّم جنين بشكل مفاجئ. وصلت سيّارات الجيب العسكريّة من جهة معسكر الجلمة وشارع 60، وسارت عبر السوق المركزيّ إلى مخيّم جنين. وفي أعقاب ذلك، سرّحت المدارس الطلّاب لكي يعودوا إلى منازلهم خوفًا من أن تطول مدّة المداهمة.
قرابة الساعة 11:30، تجمّعت مجموعة من الطلّاب قرب موقف سيّارات بجوار نادي جنين الرياضيّ، بمحاذاة الشارع المتفرّع من شارع 60. في ذلك الوقت عبرت سيّارات جيب عسكريّة قادمة من جهة دوّار السينما، وبدأ الطلّاب يرشقونها بالحجارة وبالعبوات الناسفة المرتجلة. كان ريان السيّد أكثر جرأةً من الآخرين، ورغم أنّني نبّهتُه أن يبتعد عن مسار سير سيّارات الجيب، إلّا أنّه قام بإلقاء حجارة وعبوة ناسفة مرتجلة. وفي تلك اللحظات رأيتُ سيّارة جيب عسكريّة تتوقّف، ثمّ أطلِقت من داخلها أربع رصاصات. أصيب ريان وسقط على الأرض، وواصلت سيّارات الجيب العسكريّة سيرها على الفور. ثمّ قمتُ مع شبّان آخرين بحمل ريان وأخذناه عبر أزقّة البلدة القديمة إلى مستشفى الرازي الذي يبعد 400 متر عن مكان الحادثة. وفي وقت لاحق أعلن الأطبّاء أنّه قُتل.
مقتل عبد الله هوّاش (11 عامًا) في نابلس في 22.10.24
عبد الله هوّاش
في ساعات الظهر من يوم الثلاثاء الموافق 22.10.24، خرج الطفل عبد الله هوّاش (11 عامًا) بعد عودته من المدرسة للعب في الشارع والركوب على درّاجته الهوائيّة. وبعد فترة من الوقت عاد إلى منزله ثمّ خرج مرّة أخرى. وفي هذا الوقت تقريبًا داهمت قوّة خاصّة من الجيش الإسرائيليّ البلدة القديمة في نابلس، على بُعد نحو 900 متر عن منزل هوّاش، واعتقلت شابًّا. تمّ إدخال الشابّ إلى سيّارة جيب، وخلال خروج القوّات من المنطقة وقع تبادل لإطلاق النار بينهم وبين مسلّحين فلسطينيّين.
قرابة الساعة 17:15، اقتربت قافلة المركبات العسكريّة من شارع الطور القريب من منزل عبد الله هوّاش في طريقها للخروج من المدينة. في أحد الشوارع المجاورة رشقها بعض الصبية بالحجارة، فأطلق الجنود النار عليهم خلال عبورهم بمركباتهم، لكن لم يُصب أحد منهم. وصلت القافلة بعد ذلك إلى شارع الطور، حيث كان عبد الله هوّاش. في مقطع فيديو تمّ تصويره في المكان، ظهر عبد الله هوّاش مرّتين وهو يرمي حجرًا على المركبات العسكريّة المحصّنة، وكان في كلّ مرّة يركض للاختباء خلف سيّارة متوقّفة. بعد ذلك، عندما عبرت سيّارة الجيب الأخيرة خرج من مخبئه ليرمي حجرًا ثالثًا عليها، وبمجرّد أن رفع يده أطلِقت عليه رصاصة واحدة من داخل سيّارة الجيب خلال سيرها، فأصيب وسقط على الأرض. نقله بعض السكّان بسيّارة خاصّة إلى مستشفى في نابلس، حيث أقرّ الأطبّاء وفاته بعد محاولتهم إجراء عمليّات إنعاش له.
سجّلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي إفادتين حول الحادثة:
محمّد حجاب (41 عامًا)، أب لأربعة، قال في الإفادة التي أدلى بها في 23.10.24:
قرابة الساعة 17:00، وبينما كنتُ في صالون الحلاقة الخاصّ بي في شارع الطور، شاهدتُ خمس سيّارات جيب عسكريّة إسرائيليّة قادمة من جهة معسكر للجيش الإسرائيليّ ومتّجهة نحو البلدة القديمة. وبعد خمس دقائق رأيتُ سيّارتي جيب أخريين تعبران في الشارع متّجهتين صوب وسط المدينة. علمتُ بعد ذلك عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ بأنّ قوّات وحدات خاصّة تنشط في البلدة القديمة وأنّها اعتقلت أحد الأشخاص هناك.
بعد 15 دقيقة سمعتُ صوت إطلاق نار قرب منطقتنا. وقفتُ عند مدخل صالون الحلاقة وكان صوت إطلاق النار قريبًا جدًّا. عندما علمتُ بأن الجيش يقترب، في طريقه من البلدة القديمة، دخلتُ إلى صالون الحلاقة حتّى لا أتعرّض لأذى. رأيتُ خمس سيّارات جيب عسكريّة تسير، وبمجرّد أن مرّت من أمام صالون الحلاقة الخاصّ بي سمعتُ طلقة ناريّة واحدة، وعلى الفور سمعتُ صراخًا، وصاح أحدهم: "أطلقوا النار على طفل! أطلقوا النار على طفل!". عندما خرجتُ من صالون الحلاقة رأيتُ سكّانًا يحملون طفلًا صغيرًا، ويضعونه في سيّارة خاصّة، وينطلقون به إلى المستشفى.
أعلنوا لاحقًا عبر مكبّرات الصوت في المساجد أنّ الطفل قُتل. شعرتُ بحزن شديد عليه، إنّه طفل صغير لم يفعل شيئًا يبرّر إطلاق النار عليه. رأيتُ مقطع فيديو يظهر فيه وهو يرمي حجرًا على إحدى سيّارات الجيب. ولكن ماذا يمكن للحجر أن يفعل لسيّارة جيب عسكريّة محصّنة ضدّ الرصاص؟
والدة عبد الله، سجود هوّاش (32 عامًا)، أمّ لخمسة، قالت في الإفادة التي أدلت بها في 28.10.24:
في فترة ما بعد الظهر كان أطفالي يلعبون في الخارج. ذهبتْ أخت زوجي التي كانت عندنا في المنزل لتطلب منهم أن يعودوا إلى البيت، ولكنّها لم تعثر عليهم. ثمّ اتّصلتْ وأخبرتني بإنّه يُقال إنّ طفلًا أصيب في الشارع وهي خائفة أن يكون ذلك عبد الله. عندما سمعتُ هذا أغمي عليّ، لم أرد أن أصدّق ذلك. استيقظتُ عندما سكبت حماتي الماء على وجهي. ثمّ اتّصل أخي وقال إنّ عبد الله أصيب، لكن لا داعي للقلق وإنه سيكون بخير. في تلك الأثناء علمتُ بأنّ زوجي قد سافر إلى المستشفى. خفتُ خوفًا شديدًا، وشعرتُ بأنّ عبد الله قد قُتل، وبأنّني فقدتُ ابني. اتّصلتُ بأمّي لكي تأتي وتعتني بالأطفال. جاءت أمّي على الفور وأخذني شقيق زوجي إلى المستشفى. في الطريق حاولتُ أن أتحدّث مع زوجي ومع أخي ناصر، ولكنّهما لم يجيبا، الأمر الذي زادني توتّرًا.
عندما وصلتُ إلى المستشفى رأيتُ الأطبّاء يحاولون إجراء عمليّات إنعاش لعبد الله، لكن كان من الواضح أنّهم كانوا يفعلون ذلك من أجل العائلة فقط، لأنّه كان يبدو ميّتًا. كانت إحدى عينيه مفتوحة، ولم تظهر عليه أيّة علامة حياة. ورغم ذلك، عندما قالوا لي رسميًّا إنّه قُتل صدمتُ وفقدتُ الوعي مرّة أخرى.
كان عبد الله طفلًا صغيرًا وبريئًا. تأثّر بشدّة بالمشاهد القاسية القادمة من غزّة، وبقصص الأطفال في سنّه الذين قتلوا هناك. أشعر الآن بأنّني أعيش في كابوس. انقلبت حياتنا في لحظة رأسًا على عقب.
مقتل ناجي زماعرة (14 عامًا) بجانب شارع 60 في منطقة حلحول في 3.11.24
ناجي زماعرة
في يوم الأحد الموافق 3.11.24، قرابة الساعة 15:30، اقترب ناجي زماعرة (14 عامًا)، من سكّان مدينة حلحول، وصديقه من تلّة تقع شمال شرق حلحول وتطلّ على شارع 60. كان الجنود قد نصبوا كمينًا هناك، وأطلقوا النار عليهما عندما كانا، على ما يبدو، على بُعد نحو مائة متر عن شارع 60. أصيب ناجي زماعرة من جرّاء إطلاق النار وسقط أرضًا وتوفّي بعد ذلك بوقت قصير على ما يبدو، بينما أصيب صديقه بجروح طفيفة وتمكّن من الفرار.
سمع نضال زماعرة، والد ناجي، أنّ ابنه أصيب برصاص الجنود، فهرع إلى المكان مع بعض أقاربه، إلّا أنّ الجنود رفضوا السماح له بالاقتراب من ابنه. شاهد نضال زماعرة الجنود يحملون جثّة ناجي وهي ملفوفة بكُسوة من الألمنيوم، وعندما حاول الوصول إليها ضربه الجنود ببندقيّة وأوقعوه على الأرض وكسروا يده. أخِذت جثّة ناجي بمركبة عسكريّة إلى "مفرق غوش عتصيون"، ثم نُقلتْ هناك إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر.
نضال زماعرة (47 عامًا)، أب لستّة، قال في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ باسم العدرا، في 5.11.24:
نضال زماعرة، والد ناجي، بعد تجبير يده المكسورة بالجبس إثر اعتداء الجنود عليه. تصوير: باسم العدرا، بتسيلم
في يوم الأحد الموافق 3.11.24، قرابة الساعة 16:00، وبينما كنتُ في البيت سمعتُ من سكّان الحيّ أنّ ابني، ناجي، أصيب برصاص الجيش في الحرش الواقع شمال حلحول.
سافرتُ إلى هناك بسيّاراتنا مع نحو عشرة من أقاربي. كان هناك الكثير من سيّارات الجيب العسكريّة وعشرات الجنود بجانب الشارع 60. عندما وصلتُ إلى هناك بدأتُ بسؤال الجنود عمّا حدث، لكنّهم رفضوا أن يجيبوني ومنعوني من الاقتراب من المكان الذي أطلقت فيه النار على ابني. بعد بضع دقائق، وبينما كنتُ واقفًا بجانب الجنود، رأيتُ على بُعد نحو مائة متر عنّا نحو عشرة جنود آخرين يسيرون وهم يحملون ابني الذي كان ملفوفًا بغطاء من الألمنيوم.
بدأتُ بالسير نحوهم وصرختُ: "ابني، ابني!"، لكنّ الجنود الذين كانوا بجانبي ضربوني ببنادقهم وأوقعوني على الشارع، ثمّ ضربني أحدهم على رأسي، وضربني جنديّ آخر على يدي ببندقيّته. تألّمتُ كثيرًا، وبعد ذلك ذهبتُ إلى الطبيب في مستشفى حلحول وتبيّن أنّني أعاني من كسر في راحة يدي اليمنى. ووضع لي الطبيب الجبس.
عندما سألتُ الجنود: "لماذا أطلقتم النار على ابني؟"، أجابني أحد الضبّاط: "ابنك يأتي إلى هنا كلّ يوم ويلقي الحجارة على الشارع. نحن نتابعه منذ أسبوع". لكنّ المكان الذي قُتل فيه ابني من جرّاء إطلاق النار عليه يبعد نحو مائة متر عن الشارع 60. من هناك رأيتُهم يحملون ناجي. لا يعقل أن يتمكّن من رمي الحجارة وإصابة المركبات المارّة على الشارع من تلك المسافة. هذا على افتراض أنّني أريد أن أصدّق ما قاله الضابط.
عندما كنتُ على الأرض وضع الجنود ناجي في إحدى المركبات العسكريّة التي كانت متجمّعة بجانب الشارع. وطلبوا من سيّارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر التي وصلت إلى المكان أن تسير خلفهم. قرب مفرق "غوش عتصيون"، شماليّ حلحول، نقل الجنود جثّة ابني إلى سيّارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر. وعندما سمعنا بذلك توجّهنا إلى "مستشفى أبو مازن" في حلحول، حيث أحضر المسعفون ناجي إلى هناك وقد فارق الحياة. تركنا جثّة ناجي في المستشفى، وفي صباح اليوم التالي أقمنا له جنازة وواريناه الثرى.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.