مُستعربون من حرس الحدود يحضرون إلى ورشة عمل في قرية بيت عوّا، يطلقون النار على شابّ من ذوي الاحتياجات الخاصة ويمنعون عنه العلاج الطبّيّ فنزَف حتّى الموت
في ظهر يوم الجمعة الموافق 13.12.2024 كان يجلس في ورشة محمّد سليمان مسالمة الواقعة وسط قرية بيت عوّا، جنوب غرب مدينة الخليل، كلٌّ من ابن أخيه، محمّد أحمد مسالمة (33 عامًا)، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصّة، وحفيده، حسين مسالمة (6 سنوات)، وصديق العائلة، هـ. م. علمًا أن الورشة تقع لصق منازل العائلة، التي كان بقيّة أفراد العائلة يتناولون وجبة الغداء فيها في ذلك الوقت.
محمّد مسالمة. الصورة قدمتها العائلة مشكورةً
قرابة الساعة 12:30 دخل المستعربون من حرس الحدود إلى الحيّ بسيّارة تجاريّة تحمل لوحة ترخيص فلسطينيّة وتوقّفوا قرب منازل العائلة. اتّجه محمّد أحمد مسالمة، الذي سمع حركة وأصواتًا في الخارج، إلى الباب ليرى ما يحدث، وعندها أطلق أحد عناصر الشرطة النار عليه فسقط على الأرض. هرع إليه هـ. م. الذي كان هناك وطلب المساعدة، وخلال وقت قصير وصل محمّد سليمان مسالمة إلى المكان وبدأ يتفقّد مكان إصابة ابن أخيه، الذي كان يفقد الدم بسرعة.
بعد ذلك مباشرة، دخل عناصر الشرطة إلى الورشة، واعتدوا بالضرب على هـ. م. ومحمّد سليمان مسالمة، وأبعدوهما عن محمّد أحمد مسالمة الذي كان ينزف، وطردوا حسين مسالمة (ابن الست سنوات) من الورشة وكان يشهق باكيًا. ثمّ أخرجوا الرجلين من الورشة وهم يضربونهما. في الخارج، هاجم نحو 15 عنصرًا من الشرطة حذيفة وسليمان، ابنَي محمّد سليمان مسالمة، وابن عمّهما إبراهيم، شقيق محمّد أحمد مسالمة، الذين خرجوا من منازلهم عند سماعهم الجلبة.
ترك عناصر الشرطة محمّد أحمد مسالمة، الذي كان ينزف وحيدًا في الورشة دون تقديم أيّ مساعدة له، ومنعوا أفراد عائلته من الوصول إليه. في تلك الأثناء وصلت قوّات عسكريّة إضافيّة إلى المكان. اعتدى عناصر الشرطة والجنود بالضرب على أفراد العائلة، واحتجزوا جميع رجال العائلة لمدّة ساعة ونصف الساعة تقريبًا، حيث حبسوهم في غرفة في إحدى شقق العائلة، وقيَّدوهم بالأصفاد، وواصلوا التنكيل بهم. كما حبسوا نساء العائلة وأطفالهنّ في غرفة أخرى.
أمّا ثابت، أحد أبناء أحمد سليمان مسالمة، الذي خرج هو أيضًا من شقّته مع زوجته وأطفاله عند سماع الجلبة، فقد فصله عناصر القوّات عن سائر الرجال وحبسوه في المطبخ، وهناك تعرّض هو أيضًا للتنكيل. أجرى بعض عناصر القوّات عمليّات تفتيش عنيفة في شقق أفراد العائلة.
بعد نحو ساعتين من بدء عمليّة المداهمة، أي قرابة الساعة 14:30، غادر جميع عناصر القوّات المكان، وأخذوا معهم ثابت سليمان مسالمة، ولا يزال معتقلًا حتّى اليوم. طوال تلك الفترة بقي محمّد أحمد مسالمة الجريح وحيدًا داخل الورشة ومنع الجيش طاقم سيّارة الإسعاف الذي استدعته نساء العائلة من الوصول إليه. ولم يتمكّن الطاقم من الوصول إليه إلّا بعد أن غادرت القوّات المكان فوجدوه قد فارق الحياة. نُقل إلى المستشفى الحكومي في دورا، وهناك أقرّت وفاته. جرى تشييع جثمانه في اليوم التالي.
سجّل باحث بتسيلم الميداني باسل العدرا الإفادات في يوم 15.12.24:
هـ. م. قال في إفادته:
ذهبتُ في يوم الجمعة، بعد تناولي وجبة الغداء، للجلوس في ورشة محمّد مسالمة. عندما وصلتُ كان هناك حفيده، حسين (6 سنوات)، وابن أخيه، محمّد أحمد مسالمة. دخّنتُ الأرجيلة وتحدّثتُ مع محمّد. كنتُ أحبّ التحدّث معه، كان شخصًا بسيطًا وذا احتياجات خاصّة. انتظرنا أبناء محمّد مسالمة الذين كانوا لا يزالون يتناولون طعام الغداء في بيوتهم، والأصدقاء الذين عادةً ما يجلسون معنا هناك في يوم الجمعة.
ورشة العمل. تصوير: باسل العدرا، بتسيلم
قرابة الساعة 12:30 سمعنا أصوات مركبات وأشخاص خارج الورشة. كان الباب مفتوحًا جزئيًّا، فذهب محمّد أحمد مسالمة ليرى مَن الآتي. فجأةُ، سمعتُ صوت طلقة ناريّة واحدة ورأيتُ محمّد يتعثّر. هرعت إليه لأسنده، فسقطنا كلانا على الأرض. صُدمتُ. كان ينزف بشدّة. أصيب حسين بالذعر الشديد وبدأ يصرخ بشكل هستيريّ. نظرتُ إلى الخارج فرأيتُ ثلاثة عناصر شرطة يقفون هناك. بدأتُ أصرخ: "مُصاب، مُصاب".
خرج محمّد سليمان، عمّ محمّد أحمد، من بيته وجاء إلينا رافعًا يديه. فتحنا جاكيت محمّد أحمد مسالمة لنرى مكان إصابته، فرأينا أنّه ينزف بغزارة. ثمّ دخل عناصر الشرطة إلى الورشة، وأمسكوا بي وبمحمّد سليمان وجرّونا إلى الحائط الذي بجانب الباب. ضربونا وخبطوا رأسي بالحائط. طلبنا منهم أن يستدعوا سيّارة إسعاف لمحمّد أحمد، لكنّهم تجاهلوا طلبنا. طردوا حسين إلى الخارج وهو يصرخ ويبكي.
قيّد عناصر الشرطة أيدينا بأصفاد بلاستيكيّة، وأخرجونا واقتادونا إلى مدخل منزل محمّد أحمد. في الخارج كانت هناك قوّات أخرى، بعضها كان يقوم بتفتيش منزلَي محمّد أحمد ومحمّد سليمان. ألقونا على الأرض وهاجمنا عناصر الشرطة الثلاثة: ركلونا على أيدينا وأرجلنا وضربونا بأعقاب بنادقهم، بينما كنّا نحن نصرخ طالبين إحضار سيّارة إسعاف. بعد ذلك توقّفوا عن ضربنا، وتركونا هناك مُمدّدين على بطوننا، وانضمّ بعض عناصر الشرطة إلى التفتيش في بقيّة منازل أفراد العائلة.
قام عناصر الشرطة أيضًا بتقييد ابنَيّ محمّد سليمان، حُذيفة وسليمان، وابن أخيه إبراهيم - شقيق محمّد أحمد، اللذين خرجا من البيت إثر والدهما، وأجبراهما هما أيضًا على التمدّد على البطن. ضربونا جميعًا وصرخوا علينا: "الحكي ممنوع، رفع الرؤوس ممنوع". كانوا عنيفين جدًّا. من حولنا، في الساحة التي بين البيوت، كانت هناك نساء وأطفال، وكان بعض النساء يبكين ويصرخن.
أمرني أحد عناصر الشرطة بالدخول إلى منزل والد محمّد سليمان وبإحضار ثابت، وهو ابن آخر من أبنائه، ولكن في تلك الأثناء كان ثابت قد نزل على الدرج وحضر إلينا. صوَّب الشرطيّ سلاحه إليه وأمره برفع يديه. امتثل لطلبه، فقيّدوه بالأصفاد على الفور ووضعوه بجانبنا. كما ركلوه وضربوه ببنادقهم هو أيضًا.
بعد ذلك أدخلونا، بالصراخ والدفع، إلى داخل منزل محمّد سليمان، وهناك وضعونا نحن الخمسة في غرفة واحدة ووضعوا ثابت في المطبخ. أمّا النساء والأطفال فأدخلوهم من مدخل آخر إلى غرفة أخرى في البيت نفسه. واصلوا ضربنا وركلنا وشتمنا في داخل المنزل أيضًا. وفي لحظة ما أحضروا وفاء، زوجة ثابت وشقيقة محمّد أحمد، إلى الغرفة، وكانت يداها مقيَّدتين من الأمام بأصفاد بلاستيكيّة. رأتهم وهم يرمون علينا الفرشات التي كانت في الغرفة فصرخت عليهم بأن يتوقّفوا عن ضربنا. بعد ذلك أخذها أحدهم إلى منزلها لكي تجلب هاتفها وهاتف ثابت وبطاقة هويّته.
بعد أن أعادوا وفاء جاء ضابط عرَّف عن نفسه باسم "عماد" وقال لمحمّد سليمان: "مَن يلعب بالنار سأحرقه". ثمّ حملوا ثابت وأخذوه وغادروا المكان هم وبقيّة القوّة. توجّهنا سريعًا إلى مدخل الورشة ووجدنا طاقم إسعاف هناك. في وقت سابق، كان عناصر الشرطة قد تركوا محمّد أحمد في الورشة لمدّة ساعة وهو ينزف، وفهمتُ من المسعفين، لاحقًا، أنّ الجنود منعوهم من الدخول وتقديم العلاج له واحتجزوهم في الشارع الخارجيّ. نقلوا محمّد أحمد إلى سيّارة الإسعاف وأخبرنا المسعف بأنّ الرصاصة تغلغلت إلى صدره وخرجتْ من منطقة الكتف وبأنّه فقَدَ الكثير من الدم وقد فارق الحياة. نقلوه إلى المستشفى الحكوميّ في دورا.
عمّ محمّد أحمد، محمّد سليمان مسالمة (64 عامًا)، أب لثلاثة، قال في إفادته:
في يوم الجمعة، قرابة الساعة 12:30، كنتُ في المنزل أتناول وجبة الغداء مع عائلتي بعد عودتي من الصلاة. فجأةً، سمعتُ صوت طلقة ناريّة واحدة قرب المنزل. ركضتُ إلى ورشة عملي التي تقع لصق البيت، وبمجرّد خروجي فوجئتُ برؤية عناصر من الشرطة أمامي يصوِّبون أسلحتهم نحوي ونحو ابنَي حُذيفة وسليمان اللذين تبعاني. كان هناك نحو 15 عنصرًا من الشرطة. سمعتُ "هـ."، صديق ابنَي، يصرخ من داخل الورشة: "لقد أصيب، محمّد أصيب". ركضتُ إلى هناك ويداي مرفوعتان على أعلى، وبمجرّد أن دخلتُ رأيتُ محمّد أحمد، ابن أخي، مُلقى على الأرض وهو ينزف بغزارة. صرختُ: "سيّارة إسعاف، سيّارة إسعاف".
فتحتُ معطفه لأرى مكان إصابته. قال لي: "عمّي، أصِبتُ في يدِي". كانت هذه هي الجملة الوحيدة التي قالها. حفيدي، حسين، البالغ من العمر ستّ سنوات، والذي كان هناك، صرخ من الخوف. بعد بضع دقائق دخل عناصر الشرطة، هاجموني أنا و"هـ.". ضربونا بأسلحتهم. صرختُ طالبًا أن يقدّموا لمحمّد الإسعاف الأوّليّ ويستدعوا سيّارة إسعاف. قلتُ لهم: "إنّه مسكين، ليس لديه عقل"، ولكنّهم لم يُبالوا.
غرفة الأطفال في منزل وفاء وثابت مسالمة بعد أن قامت القوّات بتفتيشها. تصوير: باسل العدرا، بتسيلم
سمعتُ صراخًا وأصوات انفجارات قنابل صوتيّة من الخارج. كان معنا في الداخل ثلاثة عناصر شرطة. جلستُ وكان رأس محمّد أحمد على ركبتي. بعد بضع لحظات بدأت أصرخ بأنّه مات. طلب منّي عناصر الشرطة أن أضع رأسه على الأرض، وبعد أن استجبتُ لطلبهم دفعوني أنا و"هـ." الى حائط الورشة. اقتادونا بعد ذلك إلى مدخل بيت أخي أحمّد، والد محمّد، والذي يبعد نحو عشرة أمتار عن الورشة. رأيتُ في الخارج أربعة من عناصر الشرطة يضربون سليمان وحُذيفة. كما كان عناصر الشرطة يضربون إبراهيم، شقيق محمّد أحمد، قرب مدخل منزل أحمد. قاموا بتقييد أيدينا جميعًا خلف ظهورنا، وواصلوا ركلنا وضربنا بأعقاب بنادقهم طوال الوقت. في تلك الأثناء حضرت قوّات إضافيّة وانتشرت في المنازل وعلى السطوح.
أحد عناصر الشرطة أمر "هـ." بأن يذهب ويُحضر ابني، ثابت. ولكن قبل أن يهمّ بالحركة حضر ثابت من جهة منزله الذي يبعد نحو 10 أمتار من هناك، وكانت يداه مرفوعتين إلى أعلى. قيّده عناصر الشرطة خلف ظهره وضربوه وأجلسوه بجانبنا. صرخت بناتي وزوجة ثابت على عناصر الشرطة لكي يتوقّفوا عن ضربنا ويستدعوا سيّارة إسعاف لمحمّد الذي بقي محبوسًا وحيدا في الورشة ومنعَ عناصر الشرطة الناس من الاقتراب منه. دفعونا جميعًا إلى غرفة في بيت أحمد، ودفعوا النساء والأطفال إلى غرفة أخرى. وضعوا ثابت في المطبخ وحده. طلبنا من عناصر الشرطة تقديم الإسعاف الأوّليّ لمحمّد، وحاولتُ أن أشرح لهم أنّه إنسان ذو احتياجات خاصة، لكنّهم شتمونا وضربونا وأمرونا بالسكوت فقط.
بعد بضع دقائق أدخل الجنود وفاء، زوجة ثابت وشقيقة محمّد أحمد، إلى المطبخ. سمعتُها تصرخ على الجنود بأن يتوقّفوا عن ضرب ثابت. ثمّ أدخلوها بعد 10 دقائق إلى الغرفة التي كنّا نجلس فيها وكانت يداها مقيَّدتين من الأمام بأصفاد بلاستيكيّة. استمرّوا في شتمنا وشتم وفاء، وواصلت هي الصراخ طالبة تقديم الإسعاف الأوّليّ لأخيها محمّد.
بينما كنّا هناك في الغرفة جالسين على الأرض، مقيَّدين، ألقى علينا عنصران من الشرطة فرشات وبطانيّات، وأمرانا بعدم رفع رؤوسنا. كدنا نختنق من ثقل الوزن الذي وضعاه علينا. صرخت عليهما وفاء، وفي النهاية قاما بإزالته.
أخت محمّد أحمد، وفاء مسالمة (34 عامًا)، أم لخمسة، قالت في إفادتها:
الباب الذي حطّمتْه القوّات في منزل وفاء وثابت مسالمة. تصوير: باسل العدرا، بتسيلم
أخي محمّد لديه احتياجات خاصّة، وحتّى وفاة والدتي عندما كنّا أطفالًا كان يتعلّم في مدرسة خاصّة في العيزريّة. بعد ذلك انتقلنا مع والدي إلى بيت قديم في بيت عوّا، بجوار بيت عمّي محمّد سليمان. كان الجميع يراعون وضع محمّد ويساعدونه. كانت لديه محدودية ذهنيّة وكنتُ أنا أعتني به. اعتاد محمّد أن يقضي يومه في ورشة عمّنا محمّد سليمان وأبنائه. تزوّجتُ من ابن عمّي ثابت، ابن محمّد سليمان، ونحن نسكن فوق بيت عمّي. لكنّي واصلتُ العناية بأخي حتّى بعد أن تزوّجتُ.
في يوم الجمعة عند الساعة 12:30 كنتُ أتناول الطعام مع زوجي وأولادنا الخمسة في المنزل، وفجأةً سمعتُ صراخًا وصوت انفجار بجانب المنزل. ركضتُ إلى الشرفة فرأيتُ عددًا من عناصر الشرطة يقفون بين منزلنا والورشة، ويصوّبون أسلحتهم نحو أخوَي زوجي، اللذين كانا يصرخان: "محمّد أصيب، محمّد أصيب". بعد ذلك ببضع دقائق نزلتُ أنا وزوجي والأطفال على الدرج. عندما رأى عناصر الشرطة زوجي وجّهوا أسلحتهم نحوه وطلبوا منه أن يرفع يديه. ضمّوه فورًا إلى بقيّة المعتقلين، وقيّدوا يديه، وركلوه وضربوه ببنادقهم. وفي تلك الأثناء وصلت قوّات إضافيّة. صرختُ أنا وبقيّة النساء في العائلة عليهم بأن يتوقّفوا عن ضرب أبناء العائلة وبأن يُحضروا سيّارة إسعاف لمحمّد.
نحن، النساء والأطفال، كنّا خائفين جدًّا. بكينا وصرخنا وحاولنا حماية أفراد عائلتنا من الضرب المستمرّ. عناصر الشرطة تعاملوا معنا نحن أيضًا بعنف ودفعونا إلى الوراء.
بعد ذلك اقتادوا الرجال من عائلتنا و"هـ."، والذين كانوا مقيّدين بالأصفاد، إلى إحدى الغرف في المنزل، وأدخلونا نحن من باب آخر إلى غرفة أخرى. كان عددنا نحو عشرين طفلًا وامرأة. دفعَنا عناصر الشرطة لكي ندخل بشكل أسرع وشتمونا. جلسنا على الأرض، وكان الأطفال يبكون. قام أحد عناصر الشرطة بتخويف الأطفال ولوّح بالصحون فوق رؤوسهم وكأنّه سيضربهم بها.
بعد عشر دقائق حضر ضابط وسأل: "أين وفاء؟"، فأجبْتُه أنا وفاء، فأمرني بالذهاب معه، فوقفتُ ووضع على يدَيَّ أصفادًا بلاستيكيّة. أخذني إلى المطبخ وأجلسني بجانب زوجي ثابت الذي كان مُمدّدًا ووجهه نحو الأرض، وفي كلّ مرّة كان يدخل شرطيّ آخر ويضربه. ألقوا أدوات مطبخ على رأسه. أحضر أحدهم قميصًا من الخزانة وغطّى وجه ثابت وخنقه، وأخذ يضربه باليد الأخرى على رأسه وفي أماكن مختلفة من الجسم. صرختُ عليه بأن يكفّ عن فعل ذلك، فنهض ولكمني على مؤخّرة رأسي. ثمّ أخذني إلى الغرفة التي كان يتواجد فيها بقيّة الرجال.
هناك أيضًا قام عناصر الشرطة بضربهم، وألقوا عليهم فرشات وبطانيّات كانت هناك. بعد مرور بعض الوقت دخل ضابط يتكلّم العربيّة بشكل ركيك، وطلب منّي الذهاب معهم لكي يأخذوا الهواتف وبطاقة هويّة ثابت. ذهبتُ إلى منزل عمّي مع ستّة من عناصر الشرطة. في الطريق رأيتُ أنّ باب الورشة مغلق ولم يبدُ أنّ أحدًا يعتني بمحمّد، فطلبت منهم عدّة مرّات أن يحضروا سيّارة إسعاف لمحمّد أحمد، لكنّهم قالوا لي اخرسي.
كان هاتف زوجي على الطاولة في منزل عمّي فأعطيتُه لعناصر الشرطة. طلبتُ منهم مرّة أخرى أن يحضروا سيّارة إسعاف لمحمّد أحمد، وحاولتُ أن أشرح لهم أنّه يعاني من محدودية ذهنيّة. ضربني الضابط على رأسي وقال لي إنّني كذّابة. ثمّ طلب منّي أن أعطيه بطاقة الهويّة وبقيّة هواتف أفراد عائلتي. بعد ذلك حضر ضابط وقال إنّه من "الشاباك" واسمه "عماد". طلبتُ منه إحضار سيّارة إسعاف لمحمّد أحمد. سألني إن كان الذي أصيب هو محمّد أم ثابت، فقلتُ له إنّه محمّد وهو يعاني من محدودية ذهنيّة.
بدأوا بالتحقّق من أرقام الهويّة الموجودة على التابلت الذي بحوزتهم. قال لي الضابط إنّني على حقّ وإنّ هذا محمّد، وبعد أن يغادروا يمكنني الاعتناء به. بعد ذلك سألني عن وضع ثابت الصحّيّ، وإن كان مريضًا أو يتناول أدوية؟ فأجبتُه بأنّه بصحّة جيّدة.
بعد ذلك صعدوا إلى منزلي وبدأتُ أسمع أصوات أشياء تتحطّم. بعد 15-20 دقيقة نزلوا مع هويّة زوجي وهاتفي وهواتف الأولاد. أخذوا هاتفي وهواتف الأولاد و800 شيكل من البيت. ثمّ رأيتُ أنّهم حطّموا عدّة نوافذ في منزلنا، ومزّقوا الأرائك وأتلفوا بعض الأثاث.
أعادوني إلى الغرفة التي كان يتواجد فيها الرجال المعتقلون. هدّد ضابط "الشاباك" عمّي محمّد وقال له: "من يلعب بالنار ستحرقه النار". بعد عشرين دقيقة بدأوا بمغادرة المكان وأخذوا ثابت معهم، وضربه أحدهم على رأسه بزجاجة ماء. بعد أن غادروا ركضتُ إلى الورشة؛ كان هناك مسعفون يحيطون بمحمّد الذي كان عاريًا في بركة من الدماء. أخبرني المسعفون بأنّه توفّي. كانت الساعة حينها 14:19. عندما سألناهم لماذا تأخّروا كثيرًا في الوصول أجابوا إنّ الجيش منعهم من الوصول إلى الورشة. تم إخلاء محمّد إلى مستشفى دورا الحكوميّ. في الأثناء مرّ يومان ولم نتلقَّ أيّ معلومات عن ثابت. لا نعلم أين يحتجزونه. حسب علمنا، لم يكن مطلوبًا من قبَل إسرائيل.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.