Skip to main content
شيرين أبو عاقلة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

مقتل شيرين أبو عاقلة

في يوم الأربعاء الموافق 11.5.22 قُتلت مراسلة فضائيّة الجزيرة الصحفيّة شيرين أبو عاقلة (51 عاماً) في مخيّم جنين للّاجئين، وأصيب زميلها الصحفيّ علي سمودي (55 عاماً) في كتفه. بعد الحادثة مباشرة سارعت إسرائيل إلى التنصّل من أيّة مسؤوليّة وزعمت أنّ أبو عاقلة قُتلت جرّاء نيران فلسطينيّة. سرعان ما دُحض هذا الادعاء، ومنذ ذلك الحين غيّرت إسرائيل روايتها عدّة مرات.

خلال الشهرين الفائتين منذ مقتل شيرين أبو عاقلة أجرت عدّة وسائل إعلام بارزة عالميّاً – CNN, NYT, Bellingcat, AP, The Washington Post – تحقيقات معمّقة استندت إلى تسجيلات فيديو صُوّرت قبل إطلاق النار وفي أثنائه وبعده، وإلى تحليل شريط الصّوت في الفيديوهات كما إلى إفادات شهود عيان. وهناك تحقيق آخر قامت به مندوبة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

جميع هذه التحقيقات وكذلك تحقيق بتسيلم أقرّت بأنّ جميع المؤشرات تدلّ على أنّ النيران التي قتلت شيرين أبو عاقلة أطلقها الجيش من الموقع الذي وقفت فيه المركبات العسكريّة، على بُعد نحو مئتي مترٍ من شيرين. كذلك لم تجد هذه التحقيقات أيّ توثيق يبيّن وجود مسلّح فلسطيني بين الصحفيين والمركبات العسكريّة. جميع المسلحين الذين تمّ توثيقهم خلال الحادثة كانوا في أماكن لم يظهر بينها وبين مجموعة الصحفيّين أيّ خط إطلاق نار أو كانوا على مسافة لا تتّسق وتحليل شريط الصّوت في تسجيلات الفيديو.

وفقاً لهذه التحقيقات فقد جرت الأحداث وفقاً للتسلسُل التالي: قرابة الساعة 5:00 فجرًا اقتحمت قوّات الجيش مخيّم جنين للّاجئين. بعد دخولهم المخيّم المكتظّ وقع تبادُل إطلاق نار في أزقّة المخيم بين مسلّحين فلسطينيين والجنود. بعد قرابة الساعة حوالي الساعة 6:00 وصل إلى المكان عدد من الصحفيّين بضمنهم شيرين أبو عاقلة لكي يغطّوا الأحداث، وقد تموضعوا قرب الدوّار المجاور للمخيّم على بُعد نحو مئتي متر من قافلة مركبات عسكريّة. بعد ذلك بدقائق عدّة سار الصحفيّون راجلين صعوداً في الشارع، في اتّجاه الجنود، وهُم يرتدون خوذاً وسترات واقية كحليّة مكتوب عليها "Press".

من اليمين: إطلالة من النقطة التي أطلق منها الرصاص على شيرين أبو عاقلة نحو أعلى الشارع الذي كانت فيه المركبات العسكرية. من اليسار: المركبات العسكرية في أعلى الشارع الذي أطلق فيه الرصاص على أبو عاقلة.
من اليمين: إطلالة من النقطة التي أطلق منها الرصاص على شيرين أبو عاقلة نحو أعلى الشارع الذي كانت فيه المركبات العسكرية. من اليسار: المركبات العسكرية في أعلى الشارع الذي أطلق فيه الرصاص على أبو عاقلة.

بعد أن تقدّم الصحفيّون نحو عشرين متراً أطلقت نحوهم ستّ رصاصات من ناحية الجيبات العسكريّة. أصابت إحدى الرّصاصات كتف الصحفيّ علي سمودي، الذي أسرع نحو سيارة كانت متوقفة في مكان قريب. الصحفيون الثلاثة الآخرون عادوا إلى الخلف، وبضمنهم شيرين أبو عاقلة التي حاولت أن تختبئ قرب شجرة على جانب الشارع. في هذه المرحلة أطلقت نحوهم سبع رصاصات أخرى فأصيبت شيرين أبو عاقلة وتهاوت. وفقاً لما نُشر عن نتائج تشريح الجثّة - من قبل السّلطة الفلسطينيّة - في وسائل الإعلام، يتّضح أنّ الرّصاصة أصابتها في مؤخّرة رأسها. بعد دقيقتين على إصابتها حاول شابّ من أهالي المخيّم يدعى شريف العزب (20 عاماً) أن يسحب شيرين من الموقع ولكن أطلقت نحوه آنذاك ثلاث رصاصات أخرى أعاقت نقلها. في نهاية المطاف تمكّن الشبّان من نقل شيرين أبو عاقلة إلى مستشفىً في جنين، وهناك أعلنت وفاتها.

آثار رصاص على الشجرة التي بجوارها أطلق الرصاص على شيرين أبو عاقلة. تصوير: كريم جبران، بتسيلم
آثار رصاص على الشجرة التي بجوارها أطلق الرصاص على شيرين أبو عاقلة. تصوير: كريم جبران، بتسيلم

بعد الحادثة مباشرة سارعت إسرائيل إلى التنصّل من أيّة مسؤوليّة وزعمت أنّ شيرين أبو عاقلة قُتلت جرّاء نيران فلسطينيّة. كذلك نشرت إسرائيل تسجيل فيديو أخذته من شبكات التواصل الاجتماعي لفلسطيني يُطلق النار أثناء الحادثة، غير أنّ تحقيقاً فوريّاً أجرته بتسيلم أوضح أنّه وفقاً للإحداثيات والمواد المصورة من المنطقة لا يمكن أن يكون إطلاق الرّصاص الموثّق في الفيديو الذي نشرته إسرائيل هو الذي أدّى إلى مقتل شيرين أبو عاقلة وإصابة زميلها، لأنّه لم يظهر في هذه المنطقة خط إطلاق نار أيّاً كان في اتّجاه المكان الذي كان فيه الصحفيّون الفلسطينيّون.

في البداية صرّحت إسرائيل بأنها تفحص ملابسات الحدث، لكنها ادّعت بأن عدم التعاون من قبَل السلطة الفلسطينية ورفضها تسليم الرصاصة التي قتلت شيرين أبو عاقلة لإسرائيل يمنعها من إتمام التحقيق. لكن وبفعل ضغط أمريكي (حيث كانت شيرين أبو عاقلة مواطنة أمريكية) سلّمت السلطة لاحقاً الرصاصة للأمريكيين بهدف إتاحة إجراء فحص بالستي.

في 4.7.22 نشرت الخارجيّة الأمريكيّة تصريحاً بخصوص نتائج الفحص البالستيّ الذي جرى "تحت إشراف المنسّق الأمنيّ الأمريكيّ". وفقاً للتصريح، لا يمكن التوصّل إلى استنتاج قاطع حول مصدر الرّصاصة بسبب وضعها والضرر الذي لحق بها. مع ذلك فقد جاء في التصريح الأمريكي، استناداً إلى التحقيقات الإسرائيليّة والفلسطينيّة، أنّه "من المعقول أنّ إطلاق النار من النقاط الإسرائيليّة هو المسؤول عن موت شيرين أبو عاقلة". لكنّ المنسق شدد، ودون أن يذكر كيفية وصوله إلى هذا الاستنتاج، أنه لم يجد "أيّ سبب يدعوه ليصدّق" أنّ قتل أبو عاقلة كان "متعمداً". وفقًا للتصريح كان مقتلها نتيجة "ظروف مأساوية" حدثت خلال عملية عسكرية قادها الجيش ضدّ فصائل تابعة للجهاد الإسلاميّ في جنين، إثر سلسلة عمليّات في إسرائيل.

حتى أن وزير الخارجية طالب بإجراء تحقيق "مستقل ونزيه" (8.6.22)، ولكن على أرض الواقع وضعت الولايات المتحدة نفسها مجددًا إلى جانب إسرائيل ووفرت غطاء لتنصّل إسرائيل من أية مسؤولية تخص مقتل شيرين أبو عاقلة كما ساعدتها في سدّ الطريق على أيّ مسعًى لمحاسبة المتورّطين ودعمت طمس الحقائق:

أولًا، يبدو أنّ الاستنتاج الأمريكي ومفاده أنّ مقتل شيرين أبو عاقلة كان نتيجة "ظروف مأساوية" مبني على نتائج التحقيق الإسرائيليّ ليس إلّا. بعد أن غيرت إسرائيل روايتها عدة مرات، ادعت في النهاية بأنّ هناك احتمال أن أحد الجنود الإسرائيليين أطلق النار على شيرين أبو عاقلة. وفق هذه الرواية، أطلق أحد الجنود "بضع رصاصات من فتحة ضيقة خاصة في الجيب وعبر عدسة تلسكوبية، نحو مخرّب كان يطلق النار على المركبة التي كان الجندي المقاتل في داخلها. أطلق المخرب صليات تجاه مقاتلي الجيش الإسرائيلي عدة مرات ويُحتمل أن الصحفية التي كانت واقفة بالقرب من المخرب المسلح وخلفه أصيبت برصاص الجندي المقاتل الذي أطلقه نحو المخرب". إلّا أنّ المعطيات الموضوعيّة تتعارض مع الرواية الإسرائيلية: تسجيل فيديو متواصل لإطلاق النار نحو الصحفيين والدقائق السبع التي سبقته، والتي وثّقها شابّ فلسطيني من سكان المنطقة كان يبثّ مباشرة عبر تطبيق "تيك توك"، أظهر بوضوح أنّه في أثناء إطلاق النيران كان الموقع هادئاً، وأنّ إطلاق النيران نحو الصحفيين لم يسبقه إطلاق "صليات متواصلة" من جهتهم، وأنّهم تقدّموا ببُطء وبشكل مكشوف ومطمئن نحو المركبات العسكرية. تصف إفادات شهود العيان الفلسطينيين التي سُجلت بعد وقت قصير من الحدث تسلسلًا مشابهًا للأحداث وتتسق مع الذي أظهره الفيديو.

ثانيًا، إنّ وصف قتل شيرين أبو عاقلة وجرح زميلها علي سمودي بأنها نتيجة "ظروف مأساوية" منفصل عن الواقع وينقضه تسجيل الفيديو. إطلاق الرصاص الذي يُسمع في التسجيلين جرى على مرتين (صليتين) وبتصويب نحو هدف محدد: أصابت رصاصة من الصّلية الأولى وقوامها 6 رصاصات، علي سمودي وفرّت بسببها مجموعة الصحفيّين. أصابت رصاصة من الصّلية الثانية وقوامها 7 رصاصات، شيرين أبو عاقلة وهي تحاول الاحتماء. بعد ذلك أطلقت ثلاث رصاصات أخرى نحو شابّ حاول أن يسحب شيرين أبو عاقلة المصابة على الأرض. إطلاق الرصاص محدد الهدف والمتكرر على مدنيين عُزل معظمهم أبرزوا بوضوح أنّهم صحفيّون، لا يمكن أن يعتبر "ظروفًا مأساوية".

ثالثا، ذكر التصريح الأمريكي أنه من المعقول أنّ جنديًا أطلق النار على شيرين أبو عاقلة لكنه ذكر أيضًا أنّ القتل لم يكن "متعمّداً". السؤال المطروح حول إن كان قتل شيرين أبو عاقلة متعمدًا أم لا ليس السؤال الوحيد، حيث أن عدم التعمد لا يمنح إعفاء من المسؤولية. السؤال الذي ينبغي طرحه هل بُذلت جهود حقيقية للامتناع عن المسّ بالمدنيين أثناء هذا النشاط العسكري الإسرائيلي، والذي خُطط مسبقًا ونُفذ في وضح النهار وفي الوقت الذي كان فيه الجنود محصنين جيدًا. بدلًا من هذا تطبق إسرائيل منذ سنين في الضفة الغربية سياسة إطلاق نار غير قانونية، تبيح إطلاق الرصاص الحي في ملابسات لا يهدد خطر حياة أحد. عندما ينتج عن هذه السياسة مقتل فلسطينيين، تمتنع إسرائيل عن اتخاذ إجراءات ضد المتورطين وهكذا تسمح بوقوع أحداث مشابهة أخرى. جميع الجهات التي تصدق هذه السياسة - وبضمنها ضباط ذوي رتب عليا ومحامو النيابة العسكرية - يعلمون تمام العلم هذه النتائج، لكن السياسة تبقى على حالها.

بعد نشر التصريح الأمريكي، أعلنت إسرائيل بدورها بأنه يتعذر تحديد مصدر إطلاق النار الذي أدى إلى قتل شيرين أبو عاقلة، وأضافت أنّ الملابسات المحيطة بهذه المسألة ستبقى مجهولة إلى الأبد. في بيانها أخفت إسرائيل الاستنتاج الأمريكي القائل بأن النيران صدرت على ما يبدو من النقطة الإسرائيليّة. كذلك لم يتطرق البيان إلى عمليّات تحقيق كان يمكن أن تقوم بها إسرائيل بنفسها - إن أرادت - كأن تفحص على سبيل المثال تسجيلات كاميرات الجنود التي يحملونها على أجسادهم في الميدان وتقارنها بتسجيل صوت إطلاق الرّصاص الموثّق في فيديو التيك توك، أو أن تفحص التلاؤم بين الرّصاصة التي قتلت شيرين أبو عاقلة، والتي تُعطى عادة للجنود الرماة، والذخيرة التي كانت في حوزة الجنود في الميدان.

تشهد مئات التحقيقات الفاشلة التي أجراها جهاز إنفاذ القانون العسكري في الماضي أن إسرائيل لا تريد تقصي الحقيقة – في هذا الحدث وأحداث أخرى. إنّ ادعاءات إسرائيل حول صعوبات التحقيق هي محض تصنّع للبراءة، ووعودها باستمرار التحقيق " باستخدام كافة الوسائل المتوفّرة والالتزام بالشفافيّة وكشف الحقيقة" كما جاء في قول قائد أركان الجيش، منفصلة عن الواقع. منظومة التحقيقات الإسرائيليّة برمتها تعمل من أجل طمس الحقائق. كلّ ما يمكن توقّعه هو أن تستكمل إسرائيل بطرق إضافيّة، بمدى ما تستدعيه حاجتها، إجراءات الطمس التي باشرت بها، لا أكثر ولا أقلّ. لم تكن هنالك شفافيّة في يوم من الأيام، ولن تكون. سوف يصبّ الاستفسار والتقصّي والتحقيق (إذا ما جرى بهذا الشكل أو ذاك) في هدف الطمس، والعنف الموجه ضد الفلسطينيين سيستمر دون عائق.

إفادات:

علي سمودي:

علي سمودي في المستشفى. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22
علي سمودي في المستشفى. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22

في يوم الأربعاء الموافق 11.5.22، نحو السّاعة السّادسة صباحاً، تلقّيت مكالمة هاتفيّة من زميل صحفيّ أخبرني أنّ الجيش يقتحم مخيّم جنين من ناحيته الغربيّة. هاتفت بدوري زميلتي شيرين أبو عاقلة، وهي تعمل معي في فضائيّة الجزيرة، وأطلعتها على المستجدّات. وحيث أنّني أقيم قريباً من المكان خرجت من منزلي متّجهاً نحو دوّار العودة، عند المدخل الغربيّ لمخيّم اللّاجئين. انتظرت هناك طاقم الجزيرة، وقد وصلوا نحو السّاعة 6:15. كان في الموقع صحفيّون آخرون، بضمنهم مجاهد السّعدي وشذى حنايشة. انتظرنا عند نقطة يمكن اعتبارها آمنة عموماً.

أخذنا نتقدّم سيراً على الأقدام حتى وصلنا إلى شارع يتفرّع عن الشارع الذي كنّا فيه. كنّا نرتدي سترات كُتب عليها "Press" وخوذاً. كان في الشارع عدد من المركبات العسكريّة. كانت شيرين تسير إلى جانبي والصحفيّون الآخرون من خلفنا. حدّثتها عن الاقتحام والهدف منه، وعن اعتقال شقيق الشهيد عبد الله الحصري. كنّا نسير في خطّ مستقيم، وكان أمامنا على بُعد نحو مئتي متر عدد من الجيبات العسكريّة. أردنا أن يرانا الجنود ويميّزوا أنّنا صحفيّون.

قطعنا نحو عشرين متراً، ثمّ فجأة أطلقت نحونا رصاصة. لم يُصب أيّ منّا، ولكنّني خفت كثيراً على حياتي وحياة زملائي. جميعنا توقّفنا وأخذنا نصرخ. قلت لشيرين: "إنّهم يُطلقون النار نحونا، هيّا بنا نعود". استدرنا فوراً إلى الخلف، أنا وآخرون، ولكن لحظة أن استدرت لأعود أدراجي أحسست بضربة في أعلى كتفي. كنت متأكّداً أنّ رصاصة أصابتني. أخذت أركض وأصرخ "لقد أصبت! لقد أصبت!". سمعت الكلمات الأخيرة التي تفوّهت بها شيرين. كانت تركض وتقول "علي تصاوب! علي تصاوب!". ركضت نحو الشارع الرّئيسيّ حيث صعدت إلى سيّارة خاصّة نقلتني إلى مستشفى ابن سينا. أثناء ركضي سمعت إطلاق رصاص نحونا.

بعد أن وصلت إلى قسم الاستقبال في المستشفى جلبوا شيرين إلى هناك، وأظنّ أنّها كانت قد فارقت الحياة. يهمّني أن أشير هنا إلى أنّني لم أشاهد هناك مسلّحين فلسطينيّين. أنا وزملائي حرصنا على عدم التواجُد في أماكن نتعرّض فيها للخطر.

مجاهد سعدي:

مجاهد سعدي. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22
مجاهد سعدي. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22

مشينا حتى وصلنا إلى بداية الشارع الذي كانت فيه المركبات العسكريّة. المعلومات التي كانت لدينا هي أنّ الجنود الإسرائيليّين يقتحمون منزل الشهيد عبد الله الحصري، الذي قُتل برصاص الجيش الإسرائيلي في بداية شهر آذار الماضي.

كنّا أربعة صحفيّين، وقد وقفنا لفترة قصيرة عند مدخل الشارع لكي يلاحظ الجنود وجودنا ويرَوا أنّنا صحفيّون. هكذا نحن معتادون أن نفعل، وذلك لكي نُعطي للجنود فرصة ليرونا. لم نر من الجنود أيّة إشارة توعز لنا أن نتوقّف، وعليه فقد قرّرنا التقدّم ببُطء في اتّجاه الجيبات العسكريّة. تقدّمنا قليلاً، نحو عشرين متراً. من قبل، كنت قد أوقفت حامل الكاميرا خاصّتي على الأرض وشغّلت الكاميرا. فجأة سمعت طلقة واحدة، تلتها عدّة طلقات أصابت إحداها عليّ. صرخ عليّ "تصاوبت! تصاوبت!" وهو يستدير لكي يعود إلى الخلف. جميعنا استدرنا عائدين مثله.

تمكّنت من الفرار والاختباء خلف سور باطون تاركاً خلفي الكاميرا والحامل. سمعت شيرين تقول "علي تصاوب! علي تصاوب!"، وكانت هذه آخر كلمات سمعتها تتفوّه بها. ما كادت شيرين تُنهي كلماتها هذه حتى وقعت تحت شجرة الخرّوب التي على يمين الشارع. بعد أن تمكّنت من الاختباء قرب معمل البلوكّات أخذت أصرخ " سيّارة إسعاف! هناك مصاب!". بعد ذلك استدرت لكي أصل إلى ما وراء السّور الذي اختبأت شذى حنايشة بجانبه، خلف جذع شجرة الخرّوب. كانت شيرين ملقاة دون حراك ووجهُها في اتّجاه الأرض، تحت الشجرة.

بعد أن خاطر أحد الشباب بنفسه وأبعد شيرين بضعة أمتار، قمنا بنقلها إلى المستشفى في سيّارة خاصّة وقد رافقتها إلى هناك. لم تتحرّك بتاتاً. كنت أتحدّث إليها وأحاول أن أوقظها ولكن دون فائدة. عندما أعلن الأطبّاء في المستشفى وفاتها صُدمنا وكنّا مصعوقين، أنا وزملائي، لأنّنا كنّا دائماً على تواصُل معها وخاصّة حول الأحداث الأخيرة في المخيّم.

كنت قد تركت معدّات التصوير خاصّتي في الموقع، لأنّني كنت مصدومًا جدّاً من إطلاق النار. عندما عدت لكي آخذ أغراضي لم أجد شيئاً. حتى الآن لا أعرف من الذي أخذها - قد يكون أحد الأهالي وقد يكون الجيش. من الجدير بالذكر أنّني لم أشاهد مسلّحين فلسطينيّين من حولنا، ولذلك كنت مطمئنّاً وشعرت بالأمان، خاصّة وأنّنا اتّخذنا جميع إجراءات الوقاية المهنيّة لكي نصوّر ونوثّق الاقتحام والعُنف الإسرائيليّ.

شذى حنايشة:

شذى حنايشة. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22
شذى حنايشة. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22

بعد أن ارتدينا سترات واقية وخوذاً معدنيّة أخذنا نمشي غرباً. تقدّمنا نحو 20-25 متراً، إلى أن وصلنا بداية الشارع الذي وقفت في تتمّته المركبات العسكريّة. توقّفنا قليلاً في بداية الشارع لكي يلاحظ الجنود وجودنا ويرَوا أنّنا صحفيّون. جميعنا كنّا نرتدي الزيّ الصحفيّ المكتوب عليه "Press". بعد ذلك تقدّمنا ببُطء وهُدوء في اتّجاه الجنوب.

تمكّنا من قطع مسافة عشرين متراً فقط، وإذا بالجنود قد أطلقوا فجأة رصاصة في اتّجاهنا. أصابت الرّصاصة شيئاً صلباً أو جداراً. خفت كثيراً. أخذ كلّ من مجاهد وعليّ يصرخون علينا لكي نعود أدراجنا. ما أن استدرنا لكي نركض عائدين وإذ بعليّ يصرخ "تصاوبت! تصاوبت!". واصل عليّ الركض والابتعاد. أنا وشيرين ركضنا رغم أنّ وزن السّترات ثقيل. فجأة وقعت شيرين ووجهها نحو الأرض. أنا اختبأت خلف جذع شجرة خرّوب لكي أحتمي من النيران المصوّبة نحونا. تمكّن زميلي مجاهد من القفز فوق سور منخفض، لكي يتّقي الرّصاص الذي تواصل إطلاقه. استدعى مجاهد سيّارة إسعاف. حاولت أن أمدّ يدي نحو شيرين لكي أساعدها أو أسحبها، ولكن لم أفلح في ذلك بسبب إطلاق الرّصاص. كنت في حالة رُعب حقيقيّ. في حياتي كلّها لم أخف إلى هذه الدّرجة.

تقدّم نحونا شابّ قفز عن السّور الذي من خلفي وهبط بجانبي. حاول في البداية أن يسحب شيرين، ثمّ أخذ يشجّعني وقادني مسافة بضعة أمتار من هناك لكي أبتعد عن مرمى الرّصاص. بعد ذلك عاد وحمل شيرين بضعة أمتار إلى أن اقترب من طرف السّور ومن ثمّ تقدّم شباب نحوه بسُرعة وساعدوه على حملها إلى سيّارة خاصّة نقلتها إلى مستشفى ابن سينا، وأنا رافقتها. في المستشفى وبعد إجراء محاولات الإنعاش أعلنوا وفاتها.

حتى الآن أنا أتألّم جرّاء هذه اللّحظات المُرعبة وفُقدان زميلة عزيزة على قلوبنا، وما زلت لا أصدّق ما جرى لنا. قبل إطلاق الرّصاص شعرت أنّني آمنة، إذ لم أشاهد من حولنا مسلّحين أو ناشطين. أنا وزملائي اتّخذنا جميع إجراءات الوقاية والحذر كصحفيّين.

شريف العزب:

شريف العزب. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22
شريف العزب. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 12.5.22

في يوم الأربعاء الموافق 11.5.22 في الصّباح، كنت قرب دوّار العودة عند المدخل الغربيّ لمخيّم جنين. في ذلك الوقت كان الجيش الإسرائيليّ قد اقتحم منزل الشهيد عبد الله الحصريّ لكي يعتقل أخاه. رأيت مجموعة من الصحفيّين يقفون لبُرهة قصيرة ثمّ يتقدّمون بهُدوء في بداية الشارع المؤدّي إلى المركبات العسكريّة، وقد تابعتهم حتى اختفوا عن مجال رؤيتي. في تلك اللّحظة بدأت أسمع صُراخاً عن وُجود مُصاب ونداءات لاستدعاء سيّارة إسعاف. شاهدت الصحفيّ علي سمودي يركض وهو يصرخ "تصاوبت! تصاوبت!". تمكّن أحد الأهالي من نقله إلى مستشفىً قريب.

تقدّمت نحوهم فوراً لكي أساعد من أصيب. مشيت من حول الموقع عبر منطقة منخفضة عنه ووصلت إلى ما وراء سور إسمنتي. كانت قرب السّور صحفيّة تختبئ خلف شجرة خرّوب وإلى جانبها شخص ممدّد ووجهه إلى الأرض. اعتليت السّور وهبطت عنه، رغم استمرار إطلاق الرّصاص نحونا. حاولت أن أحمل الصبيّة الممدّدة على الأرض. عندما أزلت عنها الخوذة عرفت أنّها الصحفيّة الشهيرة شيرين أبو عاقلة. كان رأسها وشعرها مخضّبين بالدّماء وكانت هي بلا حراك. قرّرت أن أساعد الصحفيّة التي كانت متشبّثة بجذع الشجرة وأبعدها عن المكان. كانت خائفة وفي حالة هلع. قدتها إلى طرف السّور لكي تتمكّن من تسلّقه والابتعاد عن مرمى النيران. عدت لكي أحمل شيرين أبو عاقلة. تمكّنت من سحبها مسافة بضعة أمتار، بحيث حجبنا جذع شجرة الخرّوب عن رصاص الجنود. ساعدني شباب آخرون كانوا هناك على حملها إلى سيّارة خاصّة نقلتها بدورها إلى مستشفى ابن سينا. زملاء شيرين رافقونا في السيّارة نفسها. أجرى الأطبّاء محاولات إنعاش لكنّها لم تفلح، ومن ثمّ أعلنوا وفاتها.