Skip to main content
إسلام دار ناصر. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جنديّان أطلقا النّار من كمين وقتلا الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) الذي كان يرشق الحجارة عن بُعد ولم يشكّل أيّ خطر

خلال أيام القتال الأخيرة في قطاع غزّة خرج أهالي قريتي بلعين وكفر نعمة في عدّة مظاهرة احتجاجاً على ما يجري في قطاع غزة وضدّ عُنف قوّات الأمن في المسجد الأقصى وخطر الإخلاء المحدق بأهالي حيّ الشيخ جرّاح في شرقيّ القدس. في المظاهرتين الأوليين - في 10.5.21 وفي 15.5.21 - خرج جنود من كمين نصبوه في الجهة الأخرى من جدار الفصل المارّ غربيّ القرية وأطلقوا الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين بمجرّد وصولهم وفرّقوا المظاهرة عند بدايتها. جرّاء الرّصاص الحيّ الذي أطلقه الجنود في مظاهرة 15.5.21 أصيب في رجله فتىً في الـ14 من عمره، علماً أنّهم استخدموا في ذلك اليوم أيضاً الرّصاص المعدني المغلف بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدّموع.

المظاهرة الثالثة جرت في 18.5.21. في ذلك اليوم نحو السّاعة 16:00 – وقبل نصف ساعة من انطلاق المتظاهرين من مركز القرية - توجّهت مجموعة منهم تعدّ 15-20 شخصاً معظمهم أطفال وفتيان إلى المنطقة المتاخمة لجدار الفصل، وقد جلب بعضهم معه إطارات وأخذوا يعدّون لإشعالها أثناء المظاهرة بينما أخذ البعض الآخر يرشق الحجارة بواسطة مقاليع نحو جنديّين كانا على بُعد نحو 100-150 متراً منهم فوق تلّة في الجهة الأخرى من جدار الفصل. أطلق أحد الجنديّين قنبلة غاز مسيل للدّموع نحو الفتية كما أطلق الرّصاص الحيّ في الهواء. على بُعد نحو 150 متراً شماليّ الجنديّين كان يقف عدد من الضبّاط قرب جيب عسكريّ.

باحث بتسيلم الميداني إياد حداد يقف في المكان الذي قُتل فيه إسلام دار ناصر وهو يشير إلى الشجرات التي كانت الخيمة منصوبة تحتها. تصوير: إليكس ليباك، 29.5.21
باحث بتسيلم الميداني إياد حداد يقف في المكان الذي قُتل فيه إسلام دار ناصر وهو يشير إلى الشجرات التي كانت الخيمة منصوبة تحتها. تصوير: إليكس ليباك، 29.5.21

إضافة إلى ذلك وقبالة المنطقة التي كان يقف فيها المتظاهرون على بُعد نحو عشرين أو ثلاثين متراً من الجدار تجاه جهته الأخرى، كانت خيمة يختبئ فيها جنود. قرب السّاعة 17:00 ومع وصول أوائل المتظاهرين في المسيرة التي انطلقت من القرية، خرج جنديّان من الخيمة بشكل فجائيّ وأطلقوا النّار فوراً نحو مجموعة من أربعة متظاهرين كانوا على بُعد نحو أربعين متراً منهم. استلقى بعض المتظاهرين أرضاً واحتمى آخرون بالأشجار. بعد عدّة ثوانٍ نهض المتظاهرون لكي يرشقوا الحجارة نحو الجنديّين اللّذين خرجا من الخيمة وعندئذٍ أطلق أحد الجنديّين النّار نحوهم فأصاب مؤخّرة رأس الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) وقد كان ملثماً.

حاول بعض المتظاهرين نقل إسلام من المكان لكنّ الجنود واصلوا إطلاق النّار نحوهم طوال دقائق عديدة وفقط بعد ذلك نُقل إسلام إلى سيّارة إسعاف كانت تقف على بُعد نحو مئة متر. نُقل إسلام إلى مستشفىً في رام الله حيث أجرى الأطبّاء محاولات لإنعاشه ثمّ أدخلوه إلى غرفة العمليّات. بعد ساعة ونصف السّاعة أعلن الأطبّاء وفاته.

لقد جرى إطلاق الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين دون أن يشكّل هؤلاء أيّ خطر. من كمين في الجهة الأخرى للجدار أطلق الجنديّان النّار على متظاهرين رشقوا حجارة نحو جنود آخرين ودون أن يشكّلوا خطراً عليهم. بعد أن ظهر الجنديّان أطلقا النار وأصابا الفتى إسلام دار ناصر (16 عاماً) عن مسافة تُقارب أربعين متراً حين كان يرشق نحوهم الحجارة، علماً أنّه لم يشكّل خطراً على أيّ منهُما.

نصب الكمين على يد الجيش - على بُعد بضع عشرات من الأمتار في الجانب الآخر من جدار الفصل - وإطلاق النيران الفتّاكة نحو راشقي حجارة، كلاهُما ممارسة غير شرعيّة. كذلك فإنّ استهداف الفتى إسلام دار ناصر بالرّصاص الحيّ ليس قانونيّاً، لأنّ إطلاق الرّصاص الحيّ يُسمح به فقط لمنع خطر داهم ومحقّق يهدّد الحياة وفي غياب أيّة وسيلة أخرى لدرء هذا الخطر. استخدام النيران الفتّاكة في هذه الحالة ليس سوى مثالًا آخر على سياسة إطلاق النّار التي يطبّقها الجيش في المناطق المحتلّة حيث يجري الردّ على أيّ تهديد حقيقيًّا كان أو متخيّلًا باستخدام النيران الفتّاكة. نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق، ولكن يمكن القول بالنظر إلى تجربة سنين طويلة لمنظّمة بتسيلم أنّه سينتهي مثل غيره إلى إغلاق الملفّ وطمس الحقائق ممّا يُسهم بالنتيجة في استمرار قتل الفلسطينيّين.

أدناه يصف أ.ي. (19 عاماً) ما حدث، وهو من سكّان بلعين وقد حضر إلى المظاهرة نحو السّاعة 16:30 - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

كنت جالساً مع مجموعة من الفتيان تعد تقريباً 15 فردًا ننتظر وصول المتظاهرين. عند السّاعة 17:00 وصلت بدايات المسيرة إلى المنطقة التي فوقنا، وعندئذٍ اقتربنا من الجدار. رأيت إسلام دار ناصر مع مجموعة أطفال وفتيان ولكنّني لم أميّزه لأنّه كان يلفّ رأسه بقميص. كانوا يرشقون الحجارة بالأيدي والمقاليع نحو الجنود المتواجدين على التلّة، ولكن لم يصل أيّ حجر إلى حيث الجنود لأنّهم كانوا على بُعد 100-150 متراً. شاهدت أيضاً خيمة تحت شجرة كبيرة في الجهة الأخرى من الجدار على بُعد نحو ثلاثين متراً جنوباً من الأولاد. عادة ما في هذه الخيمة جنود وظيفتهم تفريق المتظاهرين ولكنّ الخيمة كانت مغلقة وبدا كأنّها خالية من الجنود.

بعد مضيّ نحو 15 دقيقة كنت مع إسلام وشابّين يُدعى أحدهما "س" على بُعد 15-20 متراً من الجدار. أحد الجنود الذين على التلّة القريبة كان يحرّك سلاحه يميناً ويساراً. فجأة سمعت "س" يصرخ "كمين! كمين! من الخيمة!". ما كاد س. يُنهي كلامه إلّا وانطلقت بضع رصاصات متتالية أطلقها جنديّان أو ثلاثة خرجوا فجأة من الخيمة. في هذه اللّحظات كان إسلام و"س" على بٌعد خسمة أمتار منّى أقرب لجهة الخيمة. كان الجنود في موقع منخفض نسبة إلى موقعنا ولذلك لم يتمكّنوا من إصابة من انبطحوا على الأرض.

بعد صلية الرّصاص الأولى توقّف إطلاق النار لبضع ثوانٍ فنهض إسلام والآخرون لأنّهم على ما يبدو اعتقدوا أنّ الجنود عادوا إلى الخيمة. فجأة أطلق الجنود الذين قرب الخيمة رصاصة أصابت إسلام في مؤخّرة رأسه فوقع أرضاً من فوره ثمّ لم يتكلّم ولم يتحرّك.

أدناه يحدّث س.س. (23 عاماً وهو من سكّان بلعين) عمّا حدث عصر ذلك اليوم - من إفادة أدلى أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد بها في 26.5.21:

عندما استُشهد إسلام كنت بجانبه. كنّا أربعة شبان نقف على بُعد نحو عشرين متراً من الجدار. عند السّاعة 17:15 شاهدت جنديّين يخرجان من الخيمة التي في الجهة الأخرى من الجدار فأخذت أصرخ محذّراً الآخرين "كمين! كمين!" لكي يتمكّنوا من الفرار. أطلق الجنود رصاصتين أو ثلاث فانبطح بعضنا على الأرض والبعض الآخر اختبأوا خلف الأشجار. بعد ذلك نهضنا لكي نرشق الجنود بالحجارة وعندئذٍ أطلق أحدهُم رصاصتين متتاليتين. في تلك اللّحظة كان إسلام في مرمى رصاصهم لكنّه لم يرَهُم. أصيب إسلام في مؤخّرة رأسه ووقع أرضاً ثمّ لم ينبس بكلمة. سمعته فقط يشهق شهقة عميقة ثمّ استرخى جسده.

انبطحت مرّة أخرى على الأرض وصرتُ أزحف نحو إسلام لكي أسحبه وأحمله إلى سيّارة الإسعاف، لكنّ جنود الخيمة استأنفوا إطلاق الرّصاص والجنديّ الذي على التلّة أيضاً أطلق الرّصاص نحونا ونحو متظاهرين لكي يمنعهم من التقدّم وكانت رصاصاته ترتطم بالصّخور قربنا. بعد دقائق عدة توقّف إطلاق الرّصاص فتقدّمت نحو إسلام وحملته بيديّ لأنّه لم يكن يزن كثيراً. مشيت بضع خطوات وكنت على وشك انهيار عصبيّ ثمّ أخذه منّي شباب آخرون. لم أمضِ معهم لأنّ رجليّ تشنّجتا من شدّة الخوف والاضطراب. بينما أخذ الشبان إسلام إلى سيّارة الإسعاف جلست أنا على الأرض وأجهشت بالبكاء. استمرّ عدد من الشبان في الاشتباك مع الجنود وهؤلاء بدورهم واصلوا إطلاق الرّصاص من حين لحين ولم يستخدموا سوى الرّصاص الحيّ.

أدناه بعض ما جاء في إفادة والدة إسلام، جنّات دار ناصر (36 عاماً) - أدلت بها أمام بحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً. في تلك اللّيلة سهر إسلام معنا حتى ساعة متأخّرة فنهض في الصّباح متأخّراً عند السّاعة 10:00. جاء إلى المطبخ وساعدني في إعداد الفطور. كان يستمتع بإعداد الطعام ويحبّ بشكل خاصّ إعداد البطاطا المقليّة لأنّه كان يحبّها وكذلك إخوته الصّغار. كان حلمه أن يصبح "شيف" مشهوراً  وكان يحبّ أن أناديه "شيف إسلام" فكنت أفعل ذلك وأنا أضحك فرحة. سُررت لحُلمه هذا لأنّه مميّز فالعادة أنّ الفتيان يحدّثون عن أحلام عاديّة ومكرّرة: طبيب أو مهندس أو صيدليّ أو محاسب. من النادر أن تسمع أحدهم يقول إنّه يريد أن يصبح "شيف" محترف كما كان يقول إسلام. بعد أن تناولنا الفطور أراد إسلام أن يساعدني في التنظيف والترتيب لكنّني رفضت وطلبت منه أن يذهب ويستعدّ لامتحانات نهاية السّنة. 

خرج إسلام من المنزل عند السّاعة 14:30 وقبل ألحّ عليّ أن لا أتأخّر في المجيء إلى المسيرة. نحو السّاعة 17:00 عصراً بينما كنت أهيّئ نفسي وأطفالي لكي نخرج إلى المسيرة جاءت زوجة أخي راني وكان يبدو عليها الاضطراب والقلق. يعاني أخي من شلل نصفيّ جرّاء إصابته على يد الجيش في مظاهرة جرت في العام 2000 وهو يستخدم كرسيّ عجلات. طلبت زوجته منّي أن أساعدها في إعداد كرسيّه وسيّارته لأنّه يريد السّفر عاجلاً إلى رام الله. راودتني الشكوك إذ أحسست أنّه هناك خطب ما. ألحّيت عليها أن تخبرني ما الذي حدث بالضّبط وقد كان لديّ إحساس بأنّ إسلام قد حدث له سوء أو لشخص آخر من العائلة. لكنّها رفضت أن تقول. 

بينما كنّا منشغلتين في إعداد كرسيّ أخي راني جاء محمود ابن أخي (12 عاماً) وهو يبكي ويقول إنّ إسلام أصيب في رأسه وقد أخذوه إلى مستشفىً في رام الله. صُعقت ثم أخذت أبكي وأصرخ: "ابني إسلام، حبيبي، ما الذي جرى لك؟ أين أنت!"، وصرت أتوسّل إلى الله قائلة "رُحماك يا ألله! احفظ لي ابني فليس لي أحد غيره في هذه الدّنيا". 

توجّهت جنّات إلى المستشفى مع قريب لها وهناك انتظرت أخباراً عن حالة ابنها الذي كان في تلك الأثناء في غرفة العمليّات.

وتتابع جنّات في إفادتها قائلة:

قبل المسيرة بيوم واحد سألني إسلام في اللّيل ما إذا كنت سأشارك ولكي لا أخيّب ظنّه أجبته "سنأتي بالتأكيد". إسلام كان يحبّ المشاركة في هذه المسيرات لأنّه يلتقي أثناءها بأصدقائه ويُمضون الوقت معاً.نحو السّاعة 18:30 - 19:00 نقلوا إسلام إلى قسم العناية المكثّفة. وبينما كنت أنتظر أخباراً تطمئنني عنه أخبروني أنّه قد استُشهد. تهاويت وأحسست أنّني على وشك الإغماء. أعطاني الأطبّاء والعائلة مهدّئات فتمالكت نفسي رُويداً رُويداً.

حين ودّعت ابني في ثلّاجة الموتى رأيته كأنّما يبتسم إليّ كعادته ويقول لي: "لا عليكِ يا أمّي، لا تبكي. أنا أحبّك كثيراً. حافظي على إخوتي واعتني بهم". دعوت له بالرّحمة والمغفرة من ربّ العالمين. نحن أسرة صغيرة ووضعنا الاقتصاديّ صعب لكنّ نطمح أن نعلّم أولادنا ونربّيهم على أفضل وجه لكي يحظوا بما حُرمنا نحن منه. أردنا أن يتعلّموا في مدارس جيّدة لكي نضمن لهُم مستقبلاً جيّداً وحياة أقلّ بؤساً وتعباً. لقد استُشهد ابني إسلام قبل أن يحقّق أحلامه. كنّا نأمل أن نراه يكبر ويتعلّم ويحقّق طموحاته ويعمل كـ"شيف" ويساعد والده في إعالة الأسرة.

لقد فقدت طعم الحياة. أحسّ أنّني وحيدة في هذه الدّنيا، بلا أمل وبلا طموح وبلا مستقبل. لقد تركت عملي وها أنا أجلس في البيت بدون أدنى طاقة. فقط أبحث عن زاوية أجلس فيها وحدي وأبكي. وضع والد إسلام وإخوته ليس أفضل من وضعي. جميعهم في حِداد مستمرّ. منذ الحادثة لا أقدر على النّوم، أتنقّل من غرفة إلى غرفة أتحسّس سرير إسلام والخزانة وكلّ أغراضه التي بقيت من بعده - الملابس والألعاب والكتب والأشياء التي اقتناها لنفسه. ومع كلّ شيء ألمسه أتذكّر كلّ لحظة حُلوة قضيناها معاً، أتذكّر ابتساماته الرّائقة وضحكاته وكلامه الجميل.