Skip to main content
Menu
المواضيع

18.1.12: ثلاث سنوات على انتهاء حملة "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة: فشل ساحق لألية التحقيق الداخلي للجيش الاسرائيلي

في الفترة ما بين 27.12.08 ولغاية 18.1.09 أدار الجيش الإسرائيلي هجوما سمي حملة "الرصاص المصبوب" في قطاع غزة. حجم المس بالسكان المدنيين خلال الحملة كان غير مسبوق. وقد قتلت قوات الأمن الإسرائيلية خلالها 1,391 فلسطينيا، من بينهم ما لا يقل عن 759 مدنيا لم يشاركوا في القتال، من بينهم 318 قاصرا تحت جيل 18 عاما. وقد وصل عدد الجرحى الفلسطينيين إلى أكثر من 5,300 جريح من بينهم أكثر من 350 شخصا أُصيبوا بجراح بالغة. كما ألحقت إسرائيل خسائر كبيرة بالبيوت، المباني الصناعية، الزراعية وكذلك البنية التحتية الخاصة بالكهرباء، الصرف الصحي، المياه والصحة، التي كانت على حافة الانهيار حتى قبل الحملة. طبقا للأمم المتحدة فقد هدمت إسرائيل خلال الحملة أكثر من 3,500 منزل، وحوالي 20,000 شخص بقوا بدون مأوى.

مع نهاية الحملة توجهت منظمات حقوق الإنسان، وبضمنها بتسيلم، إلى المستشار القضائي للحكومة الاسرائيلية، وطالبت بإنشاء جهاز تحقيق مستقل لفحص تعاطي الجيش خلال الحملة. وقد تم رفض الطلب بدعوى أن الجيش عمل طبقا لتعليمات القانون الدولي الإنساني، وأن الجيش يقوم بإجراء تحقيقات ميدانية بخصوص الوقائع التي أصيب فيها المدنيون وأن نتائج التحقيق ستحول إلى النيابة العسكرية والمستشار القضائي. وجاء في الكتاب انه بقدر ما تتوفر لدى المنظمات معلومات محققة بخصوص الوقائع التي أصيب بها المدنيون، يمكن تحويل هذه المعلومات إلى الجهات الرسمية التي ستقوم بفحص الادعاءات. وقد تم رفض توجه إضافي من قبل المستوطنات من آذار 2009 لإقامة جسم مستقل للتحقيق في نشاطات الجيش.

توجهات بتسيلم إلى النيابة العسكرية

في أعقاب رد المستشار القضائي للحكومة، توجهت بتسيلم إلى النيابة العسكرية وطالبت بفتح تحقيق جنائي بخصوص عشرين حادث مختلف دلت التحقيقات التي قامت بها بتسيلم على وجود اشتباه بأن الجيش انتهك تعليمات القانون الإنساني الدولي. تتعلق الحوادث العشرين بموت 92 مدنيا فلسطينيا واستعمال ثلاثة مدنيين فلسطينيين كدروع بشرية.

لم تتلقى بتسيلم أي رد موضوعي على هذه التوجهات من ناحية النيابة العسكرية. ومع هذا، فقد اتصل محققو شرطة التحقيقات العسكرية مع بتسيلم وطالبوا المساعدة للدفع قدما بالتحقيقات. هكذا علمت بتسيلم أنه تم فتح التحقيق في تسعة من بين العشرين حالة التي توجهت بتسيلم بشأنها، وانه تم فتح تحقيق في حالة لم تتوجه بتسيلم بشأنها، غير أنها وصفت في إفادة نشرت في موقع المنظمة على شبكة الانترنت.

في التحقيقات العشر التي تم فتحها في أعقاب عمل بتسيلم، ساعدت المنظمة في تنسيق وصول الشهود إلى تحقيقات شرطة التحقيقات العسكرية وكذلك حولت إلى المحققين مستندات طبية وغيرها. كان التوجه الأخير من قبل شرطة التحقيقات العسكرية إلى بتسيلم بخصوص هذه التحقيقات في شهر ايلول 2010، بعد مرور أكثر من سنة ونصف على الحملة، وعندها طلب محققو شرطة التحقيقات العسكرية لأول مرة تنسيق وصول أبناء عائلة السموني كي يدلوا بإفاداتهم بخصوص الحادث الذي قتل فيه 21 فردا من أبناء العائلة.

مؤخرا علمت بتسيلم من النيابة العسكرية أنه تم التحقيق في حالة واحدة اخرى من بين العشرين توجها من قبل بتسيلم. وبهذا يتلخص عدد التحقيقات التي تم فتحها في أعقاب معالجة بتسيلم إلى 11 تحقيقا.

بعد مرور ثلاث سنوات على الحملة اطلعت النيابة العسكرية بتسيلم على معالجة توجهات المنظمة

على مدار العامين ما بعد حملة "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة توجهت بتسيلم إلى النيابة العسكرية والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عدة مرات وطلبت الحصول على معلومات بخصوص معالجة الشكاوى التي تقدمت بها، غير انه لم يتم الرد على جميع توجهاتها.

فقط بتاريخ 1.1.12، بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا على نهاية الحملة، أرسلت النيابة العسكرية لبتسيلم تحديثا بخصوص معالجتها لمئات الشكاوى التي وصلت بتسيلم خلال أكثر من عقد من السنين، وبضمن هذا التوجهات الخاصة بحملة "الرصاص المصبوب". فيما يلي الردود التي تم تلقيها بخصوص هذه الحالات:

  • في تسع حالات لم تأمر النيابة العسكرية مطلقا بفتح تحقيق من قبل شرطة التحقيقات العسكرية. بخصوص خمس حالات من بينها، لم يطرأ على ما يبدو أي تغيير منذ الرد الأولي على الشكوى التي تقدمت بها بتسيلم وهذه المرة ايضا ورد أن: "تم تحويل الملف إلى الجهات العسكرية ذات الصلة لغرض الحصول على تعاط منها" (الحالات: قتل خمسة من أفراد عائلة أبو عيشة، قتل خمسة من عائلة عليوه، قتل 11 شخصا من عائلة الذيب، قتل ابراهيم ومحمد أبو دقة وابراهيم أبو طير، وقتل خمسة من عائلة الرميلات). بخصوص ملفين آخرين أبلغت النيابة أن "الملف قيد العلاج" (قتل خمس أخوات من عائلة بعلوشة وقتل الطفلة وئام الكفارنة). بخصوص ملفين إضافيين ردت النيابة أنه "لم يتم العثور على التوجه" (قتل ثمانية خلال قصف شاحنة تحمل بالونات الغاز وقتل ثلاثة أولاد من عائلة الأسطل)
  • وقد تجاهلت النيابة العسكرية تماما ملفا آخر كان ضمن توجهات بتسيلم، ومن غير المعلوم لبتسيلم ما هو مصيره (قتل عطية السموني وابنه في الرابعة من عمره).
  • من بين 11 ملفا التي فُتح فيها تحقيق من قبل شرطة التحقيقات العسكرية:
    • بخصوص أربعة ملفات قررت النيابة العسكرية إغلاق الملفات دون الشروع في إجراءات قضائية ما ضد الضالعين (استخدام شفيق ضاهر كدرع بشري، قتل ثمانية من أبناء عائلة أبو حليمة، قتل روحية النجار وقتل ستة من أبناء عائلة عبد الدايم).
    • بخصوص خمسة حالات انتهى التحقيق، غير أن النيابة لم تتخذ قرارا اما تقديم لوائح اتهام أو إغلاق الملفات.( استخدام سامي محمد ورعد أبو سيف كدروع بشرية، قتل جهاد أحمد ورضا علي، قتل 21 شخصا من أبناء عائلة السموني، قتل أب واثنين من أبنائه من عائلة عزام، قتل مصطفى بركة ورسمي أبو جرير وقتل أربعة من عائلة حجي وعرفات). بخصوص ثلاثة ملفات من بين هذه الملفات أبلغت شرطة التحقيقات العسكرية بتسيلم في تموز 2010 أنه تم تحويل الملفات إلى النيابة العسكرية حيث تنتظر هذه الملفات الحسم من قبل النيابة منذ سنة ونصف تقريبا. أحد الملفات يتعلق بقتل 21 شخصا من أبناء عائلة السموني بتاريخ 5.1.11.يتضح مما نشرته وسائل الإعلام أن الكولونيل ايلان ملكا، قائد لواء جفعاتي خلال الحملة، تم التحقيق معه بخصوص هذه الحالة بشبهة الإهمال، بعد أن أمر بقصف البيت الذي ركز فيه الجيش قبل ذلك حوالي مائة شخص من أبناء العائلة. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، هذه الحالة من بين الحالات القليلة التي تم فيها التحقيق مع مستوى قيادي. ويتضح مما نشرته وسائل الإعلام مؤخرا حول الموضوع انه من المتوقع إغلاق الملف ضد الكولونيل ملكا وأنه لن يتم تأخير ترقيته.
    • بخصوص ملف إضافي يتعلق بقتل ماجدة وريا أبو حجاج- أدى التحقيق في الواقعة إلى تقديم لائحة اتهام ضد جندي بسبب قتل مجهول. وفقا لأقوال النيابة، خلال التحقيق تم العثور على تضارب بين إفادات الفلسطينيين وإفادات الجنود بخصوص قتل المرأتين، غير انه وفقا لرواية الجنود فقد جرى خلال الحادث إطلاق النار بخلاف القانون مما أدى إلى الموت. لائحة الاتهام التي تم تقديمها استندت بصورة استثنائية على هذه الرواية. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، لم تبذل شرطة التحقيقات العسكرية أية جهود من أجل فض التناقض بين الروايات ولم تتم دعوت الشهود الفلسطينيين للإدلاء بإفادات إضافية عند الوقوف على التناقضات. كما تم تعليق محاكمة جندي بتهمة "قتل مجهول"، طبقا لما نشرته وسائل الإعلام، إلى حين الانتهاء من تحقيق آخر يتعلق بتمييع هذا الحادث.

وزارة الخارجية: نحن نحقق

جاء في نشرتين إعلاميتين عن وزارة الخارجية، في كانون الثاني 2010 وفي تموز 2010، معطيات بخصوص عدد تحقيقات شرطة التحقيقات العسكرية التي تم الشروع بها، دون تفصيل الحالات التي تم التحقيق فيها. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، فإن المعطى الأكثر تحديثا الذي أدلت به النيابة العسكرية بخصوص عدد التحقيقات التي جرى فتحها في أعقاب الحملة نشرت في موقع النيابة العسكرية في شهر آذار 2011، حيث ورد انه تم فتح 52 تحقيقا من قبل شرطة التحقيقات العسكرية. عدا عن ذلك، لم تنشر أي جهة رسمية أي تفصيل بخصوص الحالات التي تم التحقيق فيها، مكانة التحقيقات وعدد الملفات التي قادت إلى تقديم لوائح اتهام

الاستنتاج: غياب المحاسبة بخصوص عمليات الجيش خلال حملة الرصاص المصبوب

بعد مرور ثلاث سنوات على نهاية الحملة، فإن نتائج عشرات التحقيقات من قبل شرطة التحقيقات العسكرية التي تم فتحها تتسم بالضبابية التي أوجدتها النيابة العسكرية ومن غير المعلوم ما هو مصير أغلبها. يتضح مما نشرته وسائل الإعلام وردود النيابة التي وصلت إلى بتسيلم أنه في أعقاب الحملة تم تقديم ما مجمله ثلاث لوائح اتهام: سرقة بطاقة اعتماد، استعمال ولد عمره تسع سنوات كدرع بشري وكذلك "قتل مجهول".

في ثلاث حالات إضافية تم تقديم ستة ضباط لمحكمة تأديبية: اثنان منهما بسبب إطلاق قذائف ذات شظايا أصابت منطقة الأونروا وثلاثة بسبب قصف مسجد المقادمة الذي أسفر عن مقتل 15 فلسطينيا، من بينهم تسعة مدنيين، وواحد بسبب استعمال مجدي عبد ربه كدرع بشري، وهي حالة توجهت بسببها جمعية عدالة إلى النيابة العسكرية وطالبت بإجراء تحقيق.

هذا الواقع ليس مفاجئا. وقد تم فتح جميع التحقيقات بصورة متأخرة. التحقيقات الأولى، بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، تم فتحها فقط في شهر تشرين الأول 2009- أي بعد مرور عشرة أشهر على نهاية الحملة. بعد مرور ثلاث سنوات على الحملة، تقل الفرص في انتهاء التحقيقات إلى لوائح اتهام.

الاشتباهات التي طرحتها بتسيلم، منظمات إسرائيلية، فلسطينية ودولية بخصوص انتهاك تعليمات القانون الإنساني الدولي خلال حملة الرصاص المصبوب من قبل الجيش لم يتم التحقيق فيها بصورة جدية. معظم الشكاوى التي قدمتها بتسيلم انتهت إلى لا شيء. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم التحقيقات لم تتناول، بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، مسئولية المستويات القيادية وتركزت في تصرف هذا الجندي أو ذاك.

إن إصرار إسرائيل على عدم التحقيق بصورة جدية في تعاطي الجيش خلال حملة الرصاص المصبوب والتركيز على التحقيق في حوادث قليلة قادت إلى عدم التحقيق في الاشتباهات الخطيرة بخصوص انتهاك القانون ولم يتم التحقيق مع المسئولين، وبضمن هذا لم يتم فحص:

    • السياسة التي عملت بموجبها القوات خلال الحملة
    • قانونية التعليمات التي صدرت للجنود
    • اختيار الأهداف التي قصفها الجيش
    • الوسائل التي استعملها الجيش لحماية السكان المدنيين

هذه الأسئلة تقع في صلب القانون الإنساني الدولي وحسمها حيوي لغرض فحص قانونية تعاطي الجيش خلال الحملة.

بعد مرور ثلاث سنوات على الحملة يمكن التحديد بأن الجيش الإسرائيلي، الذي ادعى انه لا حاجة إلى جهاز تحقيق خارجي، مُني بفشل كبير في محاولة التحقيق في تعاطيه خلال حملة "الرصاص المصبوب". وهذا من ناحية السياسة التي بلورها المستوى القيادي وكذلك من ناحية الحالات التفصيلية وتعاطي القوات ميدانيا.