Skip to main content
Menu
المواضيع

التّعذيب والتنكيل اثناء التحقيق

حتّى أواخر التّسعينات استخدم جهاز الأمن العام (الشّاباك) بشكل روتينيّ وكجزء من وسائل التّحقيق مع الفلسطينيّين سكّان الأراضي المحتلّة مجموعة متنوعّة من أساليب التّحقيق هي بمثابة تنكيل بل إنّها بلغت حدّ التعذيب؛ واستند في ذلك على تأويل جهاز الأمن العام (الشّاباك) والمحاكم لتوصيات لجنة حكومية عُقدت عام 1987 ترأّسها القاضي المتقاعد "موشيه لاندوي". أقرّت هذه اللّجنة أنّه ولأجل "منع الأعمال الإرهابيّة" تخوّل لمحقّقي جهاز الأمن العام (الشّاباك) صلاحية استخدام "الضّغط النّفسي" و"درجة معتدلة من الضّغط الجسدي" ضدّ المستجوَبين. سوّغت اللّجنة ذلك بقولها إنّ مرجعيّة هذه الصّلاحيّات هي "دفاع الضّرورة" المنصوص في قانون العقوبات. فعليّاً فقد تجاوزت أساليب التّحقيق التي استخدمها جهاز الأمن العام (الشّاباك) في تلك السّنوات بكثير التأويل المعقول للمصطلح "درجة معتدلة من الضّغط الجسدي".

هذا الواقع استمرّ لعدّة سنوات رغم أنّ حقّ كلّ إنسان أن يكون متحرّرًا من التنكيل والتعذيب الجسديّ والنّفسي هو أحد حقوق الإنسان القليلة التي تُعتبر حقًّا مطلقًا بحيث لا يمكن إجراء "موازنة" بينه وبين حقوق أو قيم أخرى ولا يمكن أبداً إرجاؤه أو تقييده، حتّى في الظّروف الصّعبة.

في أيلول 1999 في أعقاب سلسلة التماسات قدّمها فلسطينيّون جرى التّحقيق معهم من قِبل جهاز الأمن العام (الشّاباك) وعدد من مؤسسات حقوق الإنسان، أصدرت محكمة العدل العليا حكمًا ينص على أنّ القانون الإسرائيلي لا يمنح لمحقّقي جهاز الأمن العام (الشّاباك) أيّة صلاحية لاستخدام وسائل تحقيق جسديّة. حكم القُضاة أنّ الأساليب التي جرت مناقشتها في إطار الالتماس – منها التقييد المؤلم والهز وتغطية الرأس بكيس لفترة طويلة والحرمان من النوم – كلّها غير قانونيّة. ومع ذلك أقرّ القُضاة بأنّ محقّقي جهاز الأمن العام (الشّاباك) الذين تجاوزوا صلاحياتهم واستخدموا "الضغط الجسديّ" على المُعتقلين لن يتحمّلوا المسؤوليّة الجنائيّة في أعقاب ذلك، إذا تبيّن بأثر رجعيّ أنّهم فعلوا ذلك في حالة "قنبلة موقوتة" استناداً إلى "دفاع الضّرورة".

في الفترة التي تلت القرار طرأ انخفاض في عدد التّقارير عن حالات التعذيب والتنكيل خلال تحقيقات جهاز الأمن العام (الشّاباك)؛ ولكن محقّقي الشاباك تحت رعاية اعتراف القُضاة بالاستثناء المسمّى "قنبلة موقوتة" واصَلوا استخدام أساليب تحقيق هي بمثابة تنكيل وحتّى تعذيب. استُعملت هذه الأساليب ليس فقط في حالات فريدة واستثنائيّة إذ سرعان ما أصبحت جزءًا من سياسة التّحقيق المتّبعة.

من سلسلة دراسات نشرتها "بتسيلم" ومركز الدفاع عن الفرد واستنادًا إلى مئات الإفادات والتصريحات التي قدّمها فلسطينيّون جرى التّحقيق معهم في جهاز الأمن العام (الشّاباك) في السّنوات التي تلت قرار المحكمة العليا ظهر أنّ نظام التّحقيقات الذي يديره جهاز الأمن العام (الشّاباك) لا يزال يستند وبصورة روتينيّة إلى التعذيب النّفسي والجسدي للمستجوَبين. وفي حين امتنع المحقّقون عن استخدام أساليب التّحقيق العينيّة التي منعتها المحكمة ظلّ المنطق الأساسي للنظام الحالي هو نفسه: عزْل المُعتقل عن العالم الخارجي واستخدام ظروف سجن قاسية لجلبه إلى حالة من الضّغط النّفسي والوهن الجسدي في موازاة التّحقيق المباشر وجهًا لوجه داخل غرف التّحقيق. هذا المزيج من ظروف الاعتقال وأساليب التّحقيق – الذي يُعتبر تنكيلاً ومعاملة لاإنسانيّة مهينة قد تبلغ حدّ التعذيب في بعض الحالات - يستخدمه جهاز الأمن العام (الشّاباك) بشكل منهجي ضد المعتقلين الفلسطينيين منتهكًا بذلك القانون الدّولي والمعايير الأخلاقيّة الأساسيّة انتهاكًا صارخًا.

من أقوال فلسطينيّين جرى التّحقيق معهم في جهاز الأمن العام (الشّاباك) يتبيّن أنّه يجري احتجاز المستجوَبين في ظروف غير إنسانيّة: زنازين حبس انفرادي بلا نوافذ أحياناً متعفّنة ورائحتها كريهة، تضاء باستمرار بإضاءة اصطناعيّة تؤلم العينين، بعضهم في عزلٍ تامّ عن البيئة. بلّغ بعض المُعتقلين عن تعرّيضهم لحرارة وبرودة شديدتين وحرمانهم من النوم. وأفاد كثيرون عن ظروف نظافة صحّية مزرية إضافة إلى أنّ سلطات السّجن منعتهم من الاستحمام وتغيير الملابس وتنظيف الأسنان وحتّى استخدام ورق التّواليت. إنّ الغذاء المقدّم للمعتقلين في مرافق الاعتقال يقدّم عمدًا بنوعيّة رديئة وبكميّات غير كافية كما ينقص وزن المعتقلين فترة الاعتقال. في غرفة التّحقيق يجبر المحقّقون المعتقلين على الجلوس فوق كرسي صلب لساعات وحتّى أيّام ودون مجال لتحريك جسمهم. يستخدم المحقّقون أسلوب التهديد فيهدّدون المعتقلين بأذيّة عائلاتهم ويصرخون عليهم بل ويعتدون عليهم بعنف.

إلى أن ينتهي التّحقيق لا يستطيع المُعتقلون الفلسطينيّون في معظم الحالات تقديم شكوى بخصوص تعرّضهم للإيذاء الجسدي أو النفسي أثناء التّحقيق معهم؛ ذلك لأنّ جهاز الأمن العام (الشّاباك) يحرمهم بشكل منهجي من حقّهم في مقابلة محاميهم؛ ومحكمة العدل العليا ترفض الالتماسات المقدّمة إليها ضدّ منع هذه اللّقاءات. في معظم الحالات لا يمكن للمُعتقل أن يقدّم شكوى إلى القاضي أثناء تمديد الاعتقال: في معظم الحالات تجري في جلسة طلب التمديد مناقشة خاطفة وسريعة وأحيانًا كثيرة لا يكون للمعتقلين أيّ تمثيل على الإطلاق أو لا يتاح لهم التّحدث مع المحامين الذين يمثلّونهم. وعلى الأغلب لا يعرف المعتقلون أنّه يحقّ لهم التوجّه إلى القاضي بمبادرة منهم أو أنّهم يخافون من التنكيل بهم إذا اشتكوا إليه وأخبروه عمّا يحصل لهم داخل غرف التّحقيق التي من المتوقّع أن يعودوا إليها.

حتّى في الحالات التي اشتكى فيها فلسطينيّون من تنكيل وتعذيب تعرّضوا لهما أثناء التّحقيق لا تطبّق السّلطات القانون على المحقّقين الذين ينكّلون بمستجوَبين فلسطينيّين أو يقومون بتعذيبهم. المتابعات التي تجريها مؤسسات حقوق الإنسان على مرّ السّنين تُظهر أنّه منذ عام 2001 لم يُفتح تحقيق جنائيّ واحد في أعقاب شكوى قُدّمت ضدّ محقّقي جهاز الأمن العام (الشّاباك) رغم أنّ الشكاوى التي قُدّمت إلى السلطات المختصّة تُعدّ بالمئات. التغييرات الشكليّة التي أُجريت على طريقة فحص الشّكاوى – بما في ذلك تعيين جهاز الأمن العام (الشّاباك) مسؤولاً خاصًّا مهمّته الإشراف على فحص شكاوى المستجوَبين تمّ نقله لاحقاً إلى وزارة القضاء – لم تغيّر أي شيء من هذا الواقع: مئات من الشّكاوى وصفر تحقيقات جنائيّة.

إنّ وسائل التحقيق هذه بما فيها ظروف الاعتقال وسلوك المحقّقين أثناء التّحقيق هي نظام متكامل صمّمته سلطات الدّولة، وليست سلوكيّات خاصّة بمحقّق واحد أو ضابط سجن. أي أنّنا لا تحدّث هنا عن "أعشاب ضارّة" ينبغي اقتلاعها ولا عن محقّقين معدودين تنبغي محاكمتهم. إنّ نظام التّحقيق العنيف الذي يديره جهاز الأمن العام (الشّاباك) بالاعتماد على المعاملة القاسية غير الإنسانيّة والمهينة تجاه المعتقلين الفلسطينيين، هو من أسُس سياسة التّحقيق في جهاز الأمن العام (الشّاباك) وهي سياسة مُصمّمة ومدعومة من فوق ولا يحدّدها المحقّق الميداني.

يجري تشغيل نظام التّحقيقات على يد جهاز الأمن العام (الشّاباك) ولكن هناك حلقة واسعة من السّلطات تتعاون معه وتضمن استمراره: سلطات مصلحة السّجون تصمّم شروط التوقيف بشكل يساهم في كسر معنويّات المستجوَب؛ الأخصّائيون في مجال الصحّة الجسديّة والنفسيّة يصادقون على التّحقيق مع الفلسطينيّين الذين يُجلبون إلى مراكز التحقيق - حتّى إذا كانوا يعانون من وضع صحّي غير سليم؛ بل إنّ هؤلاء الأخصّائيّين بعد معالجة المستجوَبين المتضرّرين جسديًّا ونفسيًّا نتيجة اعتداءات المحقّقين، ثمّ يعيدونهم إلى غرف التحقيق علمًا منهم أنّهم سيتعرّضون مجدّدًا للتعذيب والتنكيل؛ الجنود ورجال الشّرطة ينكّلون بالمعتقلين أثناء اقتيادهم إلى مراكز جهاز الأمن العام (الشّاباك) والضبّاط المسؤولون عنهم يغضّون الطرْف عن ذلك؛ النيابة العسكريّة والنيابة العامّة لا تقدّم هؤلاء للعدالة؛ القضاة العسكريّون يوافقون بشكل شبه تلقائيّ على طلبات تمديد الاعتقال وبالتالي مواصلة التنكيل والاحتجاز في ظروف غير إنسانية؛ النيابة العامّة والمستشار القضائي للحكومة يمنحان حصانة تامّة لمحقّقي جهاز الأمن العام (الشّاباك)؛ قضاة محكمة العدل العليا يرفضون بشكل منهجي التماسات المعتقلين المحتجّين على حرمانهم من مقابلة محاميهم وبذلك فإنهم يتيحون استمرار تعذيبهم والتنكيل بهم.

الجهات المذكورة أعلاه تُعتبر كلّها شريكة في المعاملة غير الإنسانية التي يلقاها المستجوَبون الفلسطينيون في مراكز التحقيق بما تتضمّنه من إهانة وقسوة وتنكيل يصل حدّ التعذيب؛ وهي التي تتيح وجود نظام تحقيقات يتّسم بهذه الظلاميّة وكلّها تتحمّل المسؤولية عن الانتهاك الخطير لحقوق الإنسان الخاصة بالمستجوَبين وعن الأضرار اللاحقة بهم جسديًّا ونفسيًّا.