Skip to main content
Menu
المواضيع

إفادة عطا صباح، 16 عامًا، أصيب في صدره من رصاص جنديّ في تاريخ 20.5.13 عندما كان في الثانية عشرة من عمره، في مخيّم الجلزون في محافظة رام الله

 بلا حسيب أو رقيب: كيف تخلّ إسرائيل بواجب دفع التعويضات للفلسطينيين عن أضرار ألحقتها بهم قوّات الأمن

عندما أصبت كنت ما زلت في الثانية عشرة من عمري. لم أكن أعرف معنى الجيش والمظاهرات. وكنت أخاف من الجنود وأخشى المشاركة في أعمال التظاهر.

تقع مدرستي على شارع رام الله نابلس، على بعد 200 متر من سياج مستوطنة بيت ايل من الجهة الغربية. في اليوم الذي سبق إصابتي، في تاريخ 19.5.13، كنت ألعب مع صديق لي من أبناء صفّي في ساحة المدرسة. كنت أرمي عليه حقيبتي ويرمى عليّ حقيبته، ونتبادل الرّميات بالحقائب مثل الكُرة. في هذه الأثناء كانت تدور اشتباكات بين طلاب من المدرسة وبين الجنود الذين يحرسون المستوطنة. كان صوتهم يدور في المنطقة التي خلف سور المدرسة.

أثناء اللعب، رمى صديقي حقيبتي رمية عالية وإذ بها تسقط خلف جدار المدرسة. ذهبتُ لإحضارها واكتشفت أنها وقعت في أيدي الجنود. رأيت أربعة جنود. حذّرني الأولاد من الذهاب لإحضارها لأنّ الجنود قد يعتقلوني أو يضربوني.

ذهبت إلى نائب المدير ورويت له ما حصل. توجّه إلى الجنود لكنهم رفضوا أن يعيدوا له الحقيبة، وأمروه أن يقول لي بأن آتي بنفسي غدًا لآخذها. خفت أن يضربني أهلي إذا عدت إلى المنزل بدون الحقيبة. كما أنّ جميع كتبي كانت في الحقيبة وكنت بحاجة إليها لأستعدّ لامتحان في اللغة الانجليزية في اليوم التالي، لذا فضّلت البقاء لتحيّن فرصة ثانية لاستعادة الحقيبة.

بعد لحظات سمعت أحد الجنود ينادي باسمي. يبدو أنه عرف اسمي من خلال الاطّلاع على كتبي ودفاتري. اقترح الأولاد الكبار أن نرسل إليه ولدًا صغيرا يبلغ من العمر 9 أعوام اجتهادًا منهم أنّ الجنود لن يتطاولوا عليه أو يعتقلوه. لكنّ الجنديّ لم تنطلِ عليه الخدعة، وقال للأولاد: ليس هذا عطا، أريد أن يأتي عطا بنفسه. وحينها بدأت التقدّم نحوه، لكن الأولاد منعوني من المواصلة خوفًا من أن يضربني الجنود أو يعتقلوني.

بعدها استكنت للأمر الواقع وعدتُ إلى المنزل بدون الحقيبة. طلبت من صديقي ألاّ يحكي لوالدي ما حصل مع الحقيبة، لكن أمّي عرفت الأمر، لا أدري كيف. قالت إنها ستتصل بمدير المدرسة وستطلب منه أن يذهب ويحضر الحقيبة. في ذلك اليوم، أخذت كتب تعليم اللغة الانجليزية من ابنة عمّتي ودرست للامتحان. عندما تقدّمت للامتحان في اليوم التالي، 20.5.13، وقد أبليتُ جيّدًا فأنا معدّلاتي عالية نوعًا ما. بعد الامتحان، عند الساعة 12:00، عدت إلى المنزل، تناولت وجبة الغداء، وجلست لأرتاح. عند الساعة الثانية، حضر أولاد وأبلغوني أن الجيش ترك حقيبتي في أحد الحقول خلف المدرسة. ذهبت مع زميلي محمد لإحضارها. توقّفنا لشراء الكولا من بقالة بجانب المدرسة. كلّ شيء كان هادئًا. ذهبتُ إلى الحقل القريب الذي تحدث فيه تجمّعات المتظاهرين للاشتباك مع الجنود الذين يحرسون المستوطنة. تقدّمت بضعة أمتار داخل الحقل لأرى إن كان هناك جنود ونظرت جهة المستوطنة. لم أشاهد أي جنديّ ولا أيّ متظاهر.

فجأة شعرت بإصابة في صدري. لم أسمع الطلقة. شعرتُ بالغثيان وسقطت. شعرت بشيء ساخن يسيل على جسدي وأدركتُ أن دمًا يسيل من ظهري. ناديت على محمد، الذي كان خلفي، لكنه لم ينجح في حملي وركض عائدًا إلى البقالة ليطلب المساعدة. قدم شابّ في السابعة عشرة من العمر وحملني. عندما رفعني انتبهت إلى جنديّين يقفان عند الزاوية الخارجية للمدرسة. وعلى ما يبدو هما من أطلقا الرصاص عليّ لأنهما كانا مبطوحين في كمين، ولكن حين قام الشابّ بإخلائي خرجا من مكمنهماكانت على رأسيهما خوذات ووجهاهما "مشحبران" بالأسود، لذا لم أستطع تمييزهم.

نقلوني إلى مستشفى في رام الله ومن هناك إلى مستشفى آخر. ربطوني بالأوكسجين ثمّ فقدتُ الوعي. استيقظتُ فقط ظهيرة اليوم التالي في مستشفى هداسا في القدس، في قسم العناية المكثفة. كنتُ موصولاً إلى أجهزة ووالداي بجانبي. شرحا لي أنّني خضعتُ لعملية معقّدة في المستشفى في رام الله لترميم الأضرار التي أحدثتها الرصاصة فقد تسبّبت في تهتّك وإصابات شديدة في المعدة والطحال والبنكرياس والحجاب الحاجز، ومن ثمّ العمود الفقري؛ ولخطورة وضعي نقلوني إلى هداسا.

عندما استيقظت في هداسا، شعرت بثقَل قدميّ وعدم قدرتي على تحريكهما، حتّى أصابع قدميّ. رأيت بأنّ القدمين موصولتين إلى أجهزة وسألت أمّي من وضع على قدميّ أجهزة ثقيلة، حيث اعتقدت أن صعوبة تحريكها سببها الأجهزة. طلبت من أمّي أن يُزيلوها، فقالت إني أشعر هكذا فقط بسبب الإصابة وأنه لا داعي للخوف. كلّ يوم سألتها لماذا لا أستطيع تحريك قدميّ. أجروا لي يوميًا فحوصات للقدمين، وعندما كنتُ أنظر إليهما كنتُ أحاول تحريكهما دون أن أنجح. طلبت مرارًا أن يزيلوا الأجهزة عن قدميّ وفي كلّ مرة كان والداي يقولان لي: "مهلاً مهلاً، اصبر، اصبر، ستعود وتحرّك رجليك مثل أوّل وأفضل".

بعد 19 يومًا أزالوا الأجهزة وأملت أن أتمكّن من تحريك قدميّ. لم يتغير الحال. حتّى لم أشعر بقدميّ، سوى أنّ حملاً ثقيلاً فيهما. بعد نحو أسبوعين نقلوني إلى مركز "رعوت" للعلاج الفيزيائي في تل أبيب. عندما وصلت إلى هناك قال لي الطبيب إن الرصاصة تسببت في حدوث شلل نصفيّ وأن حالتي صعبة. قال إنّه لا يوجد أمل كبير في شفائي، لكن بسبب صغر سنّي قد تساعدني الإرادة والمثابرة في العلاج على العودة إلى المشي على القدمين. كذلك قال لي الطبيب إن الإصابة تسببت في حدوث تقوّس في العمود الفقري، وأن أداء اليدين عندي أصبح ضعيفًا جدًا.

عندما أدركت ما حدث لي، وأني أصبحتُ مشلولاً، لم أستطع تحمّل هذا الخبر. عندما أعادوني إلى الغرفة أقفلت على نفسي وبدأت بتكسير كل ما طالته يدي. بكيت وصرخت: "ليش يا ألله! وين إجرَيّ، ليش هيك؟! شو سوّيت؟ حرام عليكم!". دخل طاقم المستشفى إلى الغرفة عبر الشرفة. أمسكوا بي وأعطوني حبوبًا مهدئة. عشت طيلة نحو سنة على المهدّئات.

بعد ثلاثة أشهر، في تاريخ 29.8.13، عدت إلى المنزل. كنت مصدومًا وفي حالة اكتئاب لأن حالة قدميّ لم تتحسّن على الإطلاق، وصارت أخصّائية نفسية تأتي إليّ وتقدّم لي النصائح والإرشاد. تحسّن وضع اليدين. خرجت من مركز رعوت على كرسي عجلات تبرّعت به شركة ألمانية. في البداية كان من الصعب عليّ قيادته، لكن عندما خرجت من هناك تعوّدت.

عندما وصلت إلى المنزل، حضر لزيارتي الأقارب والجيران والأصدقاء. في البداية شعرت بالأسى والحزن كلّما زارني شخص. لم أكن أحبّ أن أرى الناس، وفضّلت البقاء وحيدًا في غرفتي، أخلد للنوم أو ألعب أمام الكمبيوتر. حبستُ نفسي في المنزل، لم أرغب في الخروج لأني خجلت من أن يراني الناس وأنا في هذه الحالة. عانيت من صعوبة وخصوصًا عندما بدأ العام الدراسي الجديد. أبلغوني أن الإدارة رفعتني للصفّ الثامن على أساس العلامات النهائيّة التي تحصّلت عليها في الفصل الدراسي. لكني رفضت الذهاب إلى المدرسة. قلت في نفسي: كيف يمكنني الوصول على كرسي عجلات؟ كيف يمكنني الانتقال من مكان إلى آخر؟ كيف سأجلس؟ كيف سألعب؟

طيلة أسبوع استنكفت عن الذهاب إلى المدرسة، حتى بدأ أصدقائي يأتون كلّ يوم لتشجيعي. والدي أيضًا شجّعني يوميًا. في النهاية اقتنعت بالعودة إلى المدرسة، بعد أن سجّلني والدي في مدرسة للبنين في بيرزيت، حيث يوجد بنية تحتية أكثر ملاءمة لحالتي. مع مرور الوقت تعودت على المدرسة وأحببتها، لأن هناك الكثير من التفاهم والتعاون بين المعلمين والطلاب.

وجدت صعوبة في الوصول إلى المدرسة والعودة منها، لأنها تقع على بعد خمسة كيلومترات ولم نكن نملك سيارة. كنت أسافر ذهابًا وإيابًا في سيارة أجرة، وكلف ذلك والدي 130 شيكل كلّ يوم. ورغم الوضع الاقتصادي الصعب، تجنّدت الأسرة لمساعدتي. لديّ ثلاثة أشقاء عملوا هم أيضًا وساعدوني.

عندما خرجتُ من مركز رعوت كان من المفروض أن أواصل العلاج الفيزيائي في مركز "أبو ريا" المموّل من قبل السلطة الفلسطينية في رام الله، ولكني لم أفعل ذلك لأنّ الأمر لم ينسجم مع ساعات دوامي في المدرسة. ولأنّني أهملت العلاجات ولم أقم بالتمارين، تقوّس العمود الفقري مجددًا. قرّر الأطباء أنّه يجب إجراء عمليّة جراحيّة، وقد أجريتها في الخليل في كانون الأول عام 2013. بعد نحو أسبوعين عدتُ إلى المدرسة. تناولت المسكّنات لمدة سنة لأني لم أكن قادرًا على تقبّل حياتي كشخص مشلول. أصبتُ بالاكتئاب وبعد أن عدت إلى المنزل خضعت لعلاج نفسيّ. لم أكن قادرًا على تحمّل وضعي وآثرتُ الموت. كلّما شعرتُ بالألم، راودني هذا الإحساس - حالة من الشعور بالقلق والأرق وعدم الاستقرار.

قبل إصابتي كنت راغبًا في دراسة الطب البيطري لأني أحببت الحيوانات كثيرًا، وخصوصًا الحمام والطيور، لكنّي فقدت هذا الأمل لدرجة أنّني طلبتُ من والدي أن يبيع طيوري لأني لم أكن قادرًا على إطعامها أو العناية بها، ولكن رفض والدي بيعها. كنت أملك وقتها 14 طيرًا من نوع فينك وأربع حمامات من النوع البلدي، ربّيتها على سطح المنزل. لكن عندما رقدتُ في المستشفى طارت الحمامات ولم تعد، ومات الكثير من طيور الفينك. بقي طيران فقط وفرخ واحد. مؤخّرًا عدت واشتريت الحمام،و الآن بعد أن تكاثرت أصبح عددها 18 ،وهي جزء لا يتجزأ من حياتي - تسلّيني وأواسي نفسي بها. في حزيران عام 2014 عدتُ لمدة شهرين إلى مركز رعوت وتلقيت علاجات فيزيائية مجددًا بتمويل السلطة الفلسطينيّة. شعرتُ بتحسّن كبير، وخصوصًا في القسم الذي ضعف في جسمي في أعقاب العملية التي أجريتها في ظهري. العلاجات التي تلقيتها في رعوت ساعدتني في معالجة تقوّس العمود الفقري.

تدريجيًا بدأت أتكيّف مع الحياة الجديدة وأتقبّل وضعي. بذلت مجهودًا أكبر في الدراسة وتحسّنت علاماتي. في عام 2014 ترفّعت للصف التاسع وشعرت بتحسّن في الصف. في العام التالي انتقلتُ إلى مدرسة ثانوية وكانت الظروف فيها أفضل من قبل. الصف موجود في طابق أرضي ولا حاجة لأن أصعد الدرج. علاماتي ارتفعت كما مِن قبل الإصابة، ومعدّل علاماتي في الصف العاشر هو 82. الآن أنا في الصف الحادي عشر. في العام الأخير نجحتُ في التغلب على الإحباط وعلى الاكتئاب بفضل دعم والدي ووالدتي وأصدقائي. سجّلني والدي في نادي "المجد" لكرة السلة للمعاقين حركيًّا، ولمجلس أطفال فلسطين. بدأتُ بالذهاب إلى كلا المركزين، صرتُ عضوًا في المجموعة وشاركتُ في الألعاب. أشعر بأنّي لا أختلف عن الأشخاص الأصحّاء. المشاركة في هذه النشاطات تساعدني على أن أكون منخرطًا اجتماعيًا وتحسّن مزاجي. أنا أيضًا أتعلّم أشياء جديدة. مثلاً، لم أعرف من قبل شيئًا عن حقوق الإنسان وحقوق المعاقين لكنّي اليوم أعرف كيف أتعامل مع كلّ حالة وإلى أيّ الهيئات يجب توجيه كلّ حالة.

كانت أكبر صعوبة واجهتها مسألة الدخول إل المنزل والوصول إلى غرفتي. كنّا نسكن في الطابق الثاني في منزل جدّي، وكان والدي يُنزلني صباحًا، وعند عودة أخي من العمل كان يرفعني، وأحيانًا كان ابن عمّي الذي سكن بالقرب منّا هو من يرفعني. أحيانًا كثيرة، كان أخي أو ابن عمّي يتأخران وكنت أعلق في الشارع وأنتظر شخصًا ليدخلني إلى المنزل. كان من الصعب رفعي وأحيانًا سبّب لي الأمر ألمًا، لأن الدرج ضيّق وغير مناسب لذلك.

لحلّ هذه المشكلة، قام والدي بمبادلة شقق مع عمّي، الذي كان يسكن في نفس الحيّلأنّ شقته أوسع وإنشاءاتها وتصميمها تسمح ببناء مصعد. أردتُ أن أسكن في غرفة على السطح لأكون قريبًا من أقفاص طيوري. في البداية كنت معتمدًا على الآخرين في النزول والصعود، إلى أن سمحت الظروف بإنشاء المصعد (بعد انتقالنا بعام ونصف تقريبًا، أي منذ شهر فقط) عندما توفّر المبلغ وهو 40 ألف شيكل، حيث جنّد والدي ثلثي المبلغ، والثلث المتبقّي تبرّعت به مؤسّسة خيرية. هذا التطوّر الجديد سبّب لي سرورًا وسعادة لا توصف. أشعر بالحرّية نوعًا ما، لأنّني صرت أستطيع النزول بمفردي وقتما أشاء. بصراحة، إنّه شعور لا يوصف، وزاد عندي التفاؤل والأمل أكثر من قبل.

آخر مراجعة لي كانت في شهر نيسان.قال الطبيب إنّ التقوّس في العمود الفقري لم يعد. أدرك الآن أكثر أهمية التمرين والرياضة البدنية، وقد اشتريتُ عدّة أجهزة لرفع الأثقال من أجل تمرين جسمي والمحافظة على بنيتي وصحّتي. الآن لا أحتاج الأدوية إلاّ عند الحاجة، باستثناء نوعين من الأدوية، لكنّهما يكلّفان 1000 شيكل شهريًا. والدي يشتريهما على حسابه لأنّ الأدوية التي يمكن الحصول عليها على حساب الحكومة ليست جيّدة بما يكفي. قالوا لي إنّ هذين الصنفين من الأدوية سوف يلازمانني طوال حياتي.

بعد شعوري بتحسّن وضعي الصحّي، وانتظامي المدرسي ونجاحي في الاندماج بالأسرة وفي المجتمع، وتزايُد انخراطي ونشاطي في المؤسّسات المجتمعية، عزّز ثقتي بنفسي، وأعاد لي الأمل من جديد لأشقّ حياتي وأعيش مثل بقيّة أفراد المجتمع . الآن أفكّر في مواصلة تعليمي لأصبح محاميًا من أجل الدفاع عن الفلسطينيين المظلومين المنتهكة حقوقهم من قبَل الإسرائيليين، وأريد الدفاع عن قضاياهم.

أمّا موضوع الطبيب البيطري هو حلم أصبح وراء ظهري. فقد شطبه من الذاكرة القناص الإسرائيلي الّذي شلّني. حالتي الجسدية لا تسمح ولا تؤهّلني للتعامل مع الحيوانات. خوفي الأكبر هو أن لا أكون قادرًا على بناء أسرة وإنجاب الأطفال في المستقبل. لكنّي أثق في الله، وأتمنى أن أكبر وأعثر على فتاة طيبة أتزوّجها وأنجب أطفالاً. أمّا في الوقت الحالي فأنا أركّز في دراستي.

عطا محمد عطا صباح، 16 عامًا، طالب ثانوي، من سكان مخيم الجلزون في محافظة رام الله. سجّل إفادته باحث بتسيلم الميداني إياد حداد في تاريخ 20.11.16.