Skip to main content
Menu
المواضيع

إفادة بسمة منصور، 48 عامًا، التي أصيبت في وجهها برصاص جنود في تاريخ 12.2.04 أثناء وجودها داخل منزلها في نابلس

بلا حسيب أو رقيب: كيف تخلّ إسرائيل بواجب دفع التعويضات للفلسطينيين عن أضرار ألحقتها بهم قوّات الأمن

يوم الخميس الموافق 12.2.04، زهاء الساعة 12:30 ظهرًا، تواجدتُ مع بناتي في المنزل. بعضهنّ لعب في ساحة المنزل بينما كنتُ أحضّر الطعام وأعدّ الطاولة لوجبة الغداء. سمعتُ أصوات إطلاق نار وقالت لي ابنتي نيفين، التي تبلغ اليوم 25 عامًا، وكانت حينئذٍ تبلغ 13 عامًا، إنّ هناكَ جنودًا في الخارج. اقتربتُ من نافذة الصالون التي تطلّ على ساحة المنزل، وعندما كنتُ على بُعد نحو متر من الشّباك شعرتُ بألم قويّ في الوجه، من الجهة اليمنى. وقعت على الأرض. جلست نيفين على الأرض وسدّت أذنيها وبدأت تصرخ وتبكي. ابني علاء - الذي يبلغ اليوم 27 عامًا وكان حينئذٍ 14 عامًا - دخل مع قريب لنا كان يعمل عندنا في بناء الطابق الثاني ونزل عندما سمع الصراخ.

في الخارج كان هناك جنود كثيرون، وطلبوا من الجميع أن يخرجوا من المنزل. ساعدني قريبنا على الخروج، ووضعني الجنود على الأرض محاولين إسعافي. نزفتُ طيلة الوقت ولم ينجح الجنود في مساعدتي. في نهاية الأمر رفعوني على نقالة وساروا بي مسافة مائتي متر تقريبًا، حيث انتظرتني سيارة إسعاف إسرائيليّة. كان قد مرّ على إطلاق الرصاص عليّ نحو ساعة من الزمن.

في سيارة الإسعاف، فقدت الوعي، واستيقظت بعد أكثر من أسبوعين في العناية المركزة في مستشفى رفيديا في نابلس. رقدت طيلة أربعين يومًا في العناية المركزة وأصبتُ عدة مرّات خلال هذه الفترة بالسكتة القلبية. لم يكن الأطباء متفائلين بالنسبة لاحتمالات بقائي على قيد الحياة. كنت مستلقية في السرير مثل قطعة خشب ضخمة. سمعت كل شيء، ولكن لم أكن قادرة على القيام بأيّ فعل. لم أستطع أن أرى أو أتحدّث أو أتحرّك. كنت أعاني من كسر في الحنك، تمزّقات في العصب الرئيسي في الوجه وشظايا في الرقبة وفي الرأس. لم أستطع أن أتناول الطعام على الإطلاق وتلقّيت التغذية عبر الوريد. عانيت أيضًا من فقدان مؤقّت للذاكرة. حتّى أنني لم أتذكّر أولادي، أحيانًا تذكّرت بعضهم فقط. نسيتُ أيضًا آيات من القرآن.

بعد أربعين يومًا، تمّ نقلي إلى قسم النساء، ومن هناك - بعد نحو عشرين يومًا - تمّ نقلي إلى المستشفى في بيت جالا، لتلقّي العلاج الفيزيائيّ وإعادة التأهيل. جلست على كرسي متحرّك لكني لم استطع تحريكه أو الجلوس عليه بقواي الذاتية. كنت مشلولة تمامًا وكنت بحاجة أن يفعلوا كلّ شيء من أجلي- أن يُجلسوني عليه، أن يقودوني، أن يُطعموني. حتّى أنّي كنت أرتدي الحفاظات لأنّي لم أكن قادرة على الوصول إلى المرحاض. أثناء وجودي في بيت جالا تحسّن وضعي قليلاً، وعندما خرجتُ من المستشفى بعد نحو نصف عام كنتُ قادرة على المشي، وإن كان ذلك بصعوبة. نهضتُ من السرير فقط لأذهب إلى المرحاض.

في أثناء رقودي في المستشفى في بيت جالا، كنت أعود إلى المنزل لبضعة أيام كلّ شهر. كلّما عدت إلى المنزل كان وضعي يتدهور بسبب شعوري بالإحباط لعدم قدرتي على مساعدة أولادي. كانوا بحاجة إليّ، لكنّي لم أكن قادرة على فعل شيء من أجلهم: لا إطعامهم، لا تغيير ملابسهم ولا غسلهم، لا شيء على الإطلاق. كنت أبكي طيلة الوقت.

عندما جئتُ إلى بيت جالا بدأت أتناول الطعام، ولكن في الأشهر القليلة الأولى أكلت فقط أنواعًا من العصيدة لأني كنت أعاني من تمزقات وكسور في الحنك؛ كما أني فقدت بعض الأسنان وجزءًا من اللسان نتيجة الإصابة. كانت الإصابة في اللسان خطيرة وحتى اليوم لا أستطيع أن أتحدّث جيدًا بسببها. كذلك، لا أستطيع المشي كما ينبغي، لهذا أحتاج إلى مساعدة في الحركة داخل المنزل. لا أستطيع أن أستحمّ أو أن أرتدي ملابسي لوحدي. حتّى منديلي لا أستطيع أن أضعه على رأسي لوحدي. لا يوجد عضو واحد في جسمي يعمل كما يجب - لا القدمين ولا اليدين ولا الفم ولا العينين. صحيح أنّي أستطيع أن أرى قليلاً، لكن ليس بوضوح، وفي أحيان كثيرة أتعثّر وأقع أرضًا. أعاني أيضًا من ألم حادّ في الرأس بسبب الشظايا التي ظلّت داخله.

عندما انتهت العلاجات في بيت جالا عدت إلى المنزل. كان ذلك بعد مضيّ أكثر من عام على إصابتي. كان ابني ضياء وقتها يبلغ من العمر 17 عامًا، وكان معتقلاً مع والده منذ أن أصبت. كل ما حصل لي سببه أنّهم أرادوا اعتقال زوجي. وقد خضع لمحاكمة وحُكم عليه بالسجن لمدّة أربع سنوات في السجن، وحُكم على ابني بالسجنثلاث سنوات.

أكبر مشكلة واجهتها عندما عدت إلى المنزل كانت ساعات الصباح. أولادي الأكبر سنًا كانوا يذهبون إلى المدرسة، وكنت أبقى لوحدي مع الصغار- إبراهيم، 5 أعوام؛ عفيفة، 4 أعوام؛ ومصطفي، 3 أعوام. أمكنني فقط أن أنظر إليهم، إلى حين وصول إحدى الجارات لتعدّ لهم وجبة الإفطار وتطعمني وتساعدني في بعض من أعمال المنزل. هذا هو الحال حتى اليوم. إذا لم تحضر إليّ الجارات، نظلّ بلا طعام إلى حين عودة البنات من المدرسة. ما تغيّر منذ ذلك الوقت هو أنّ البنات كبرن. قد مضت 12 سنة منذ الحادثة الفظيعة. تزوّجت اثنتان من بناتي، وبقيت عفيفة التي تبلغ من العمر 17 عامًا، وهي طالبة في الصف الحادي عشر. هي تقوم بمعظم أعمال المنزل وتصل الابنتان المتزوجتان تقريبًا كلّ يوم لمساعدتها ولغسلي وإلباسي ملابسي.

الحمد لله أنّ زوجي تزوّج من أرملة أخيه، قبل إصابتي ببضع سنوات،لكي يربّي أبناء أخيه الأيتام. هو يقضي معظم وقته في بيته الثاني، مع زوجته الثانية. لماذا سيبقى مع امرأة عاجزة تمامًا غير قادرة حتّى على الاستمتاع بشرب فنجان قهوة مع زوجها؟ أشتاق كثيرًا إلى شرب فنجان من القهوة معه لكني غير قادرة على تحضير القهوة حتى لنفسي أو شربها بنفسي. أحيانًا كثيرة تنسكب القهوة أو الشاي عليّ، وحتى الطعام، لأني لا أتحكّم بحركة اليدين، فهما ترتجفان طيلة الوقت.

دمّر الجنود حياتي وحوّلوها إلى جحيم. أتمنى الموت لنفسي مائة مرّة في اليوم. عندما عدتُ من العلاجات الفيزيائيّة في بيت جالا، قال لي الأولاد "أنت لست أمّنا، لقد بدّلوك". عندما كنت أتكلّم، لم يفهموا ماذا أردت أن أقول، فكان ينتابني الغضب وأنفجر بالبكاء. كانوا صغارًا ولم يفهموا ما حصل معي. أشعر بنار تشتعل في داخلي عندما أرى أنّ الأولاد يحتاجونني وأنا غير قادرة على مساعدتهم ودعمهم. بدلاً من ذلك، هم يدعمونني ويساعدونني في كلّ شيء. هذا وضع صعب وقاسٍ للغاية.

ما العمل؟ هذا ما أراده القدر. قبل أن أصاب، كنت أحبّ "عمل الكوافير" حتى أنني كنت أقصّ لأبنائي شعرهم، ولا أدعهم يذهبون إلى الكوافير. . كنتُ أقوم بعمل تسريحات لبناتي سواء قبل الذهاب إلى المدرسة أو قبل الحفلات العائلية. وكنت أحبّ أعمال الخياطة والتطريز والصنّارة والخرز. وكنت أخيط لأولادي ثيابًا جميلة أتفاخر بها أمام الأقارب والجيران. لكن كلّ ذلك أصبح مجرّد ذكريات لن تعود. لم يتبقّ لي شيء سوى استعادة الذكريات. كنت أحبّ أن أقوم بعملي بمفردي، دون مساعدة من أحد أو الاعتماد عليه. أمّا الآن فأصبحت بحاجة إلى الآخرين في كلّ شيء. هذا أكثر ما يؤلمني.

كنت أحلم بعائلة كبيرة، مليئة بالحياة والسعادة والفرح؛ بأطفال سعداء يتراكضون في أرجاء المنزل مبتسمين سعداء؛ ووالدة تركض خلفهم بلهفة، تلهو معهم هنا وهناك، تحمل ذاك، وتهمس في أذن تلك، تعدّ ما لذّ وطاب من أنواع الحلويات والطعام لتسعد بها أطفالها. وبالفعل رُزقت بعشرة أولاد - ثلاث بنات وسبعة أبناء، لكن في السن التي كانوا في أمسّ الحاجة إليّ، صرتُ في حاجة إليهم، إلى مساعدتهم ودعمهم.

بسمة محمد طلب منصور، 48 عامًا، من سكّان نابلس، متزوّجة وأمّ لعشرة أولاد. سجّلت إفادتها باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي، في تاريخ 23.8.16.