أحداث الأيّام الأخيرة - في غزّة واللّد والقدس وحيفا ونابلس وعكا - هي نتيجة لنظام الأبارتهايد الممتدّ من النهر إلى البحر حيث نصف السكّان في إسرائيل/فلسطين (وهُم اليهود) يتمتّعون بحياة لائقة وحماية حقوق الإنسان المكفولة لهُم، بينما النصف الآخر (وهُم الفلسطينيّون) محرومون من ذلك. هذا الواقع القائم على العُنف المنظّم ليس فقط منافٍ للأخلاق بل جوهرُه خطرٌ يحيق بنا جميعاً. نحن نحبّ الحياة، لكن الحياة للجميع.
قرابة الساعة 8:30 من صباح يوم الأحد الموافق 2.5.21 وصلت فهمية الحروب (60 عاما) وهي من سكان وادي فوكين إلى محطة للباصات في مفترق "جوش عتسيون". تقدمت فهمية الحروب ببطء شديد باتجاه الجنود الذين كانوا يقفون في المكان وهي تحمل سكينا فأمرها الجنود بالتوقف عدة مرات وأطلقوا النار في الهواء، وعندما لم تستجب لهم أطلقوا النار عليها من مسافة بضعة أمتار حيث لم تكن تشكل خطرا عليهم. أصيبت فهمية الحروب برجليها وبطنها ونُقلت إلى مستشفى في إسرائيل حيث أعلنت وفاتها لاحقا. تصرف الجنود يعكس جيدا سياسة إطلاق النار التي تطبقها قوات الأمن في وقائع كهذه والتي تسمح بإطلاق النيران الفتاكة على كل فلسطيني يحمل سكينا بغض النظر عن مستوى الخطر الذي يمكن أن يشكله.
نحو السّاعة 14:00 من يوم الجمعة الموافق 9.4.21 وفيما كان يعمل في دكّان خضار في حيّ الزاوية في مدينة الخليل أصيب عزّ الدّين البطش (14 عاماً) برصاصة "مطّاطيّة" أطلقها جنديّ خلال أحداث رشق حجارة نحو جنود في شارع مجاور. بعد مضيّ خمس ساعات على نقله إلى مستشفىً في الخليل وتأخير نقله للعلاج خارج المدينة طلبت أسرة الفتى المصاب من جنود حاجز باب الزاوية أن يعملوا على نقله للعلاج في إسرائيل لكنّهم رفضوا. في نهاية المطاف وفقط بعد منتصف اللّيل نُقل عزّ الدّين إلى مستشفىً في شرقيّ القدس وفي عمليّة جراحيّة أجريت له هناك في اليوم التالي اضطرّ الأطبّاء لاستئصال عينه.
في آذار 2020 أعلنت إسرائيل أنّها وفي إطار مكافحة وباء كورونا سوف تقلّص عدد سكّان القطاع الذين سوف تسمح لهم بالخروج لأجل تلقّي العلاج وهو عدد قليل أصلًا. كذلك لم تسع إسرائيل لإيجاد حلول تستجيب لواقع خشية المرضى أنفسهم إثر تفشّي الوباء من تلقّي العلاج خارج القطاع وواقع وقف السّلطة الفلسطينية للتنسيق الأمنيّ معها. لقد تركت إسرائيل المرضى هناك ليواجهوا مصيرهم إذ تنصّلت من واجب تمكينهم من تلقّي العلاج الذي يحتاجونه ولا يتوفّر في قطاع غزة، هذا علماً أنّها هي التي جعلت القطاع سجناً لسكّانه وهي السّبب في تردّي أوضاع الجهاز الصحّي.
في 6.4.21 ليلاً ومن حاجز فجائيّ نُصب في شارع بير نبالا - الجيب أطلق جنود النار على سيّارة أسامة منصور وزوجته سمية وهُما في طريق عودتهما من عيادة طبيب فقتلوا بنيرانهم الزوج. سارع الجيش إلى وصف الحادثة على أنّها محاولة دهس لكنّ تحقيق بتسيلم أظهر أنّ السيّارة توقّفت عند الحاجز وبعد نقاش قصير مع أحد الجنود واصلت السّير في مسلك خالٍ من الجنود. لقد أعلن الجيش عن تحقيق باشرت فيه وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة غير أنّ تجربة السّنين الطويلة تفيد بأنّ هذه التحقيقات ليست سوى وسيلة لإسكات النقد إذ توهم بأنّ جهاز تطبيق القانون يقوم بدوره بينما هو في الواقع ورقة التوت التي تستر عورات النظام عبر طمس الجريمة ووأد الحقيقة.
في تشرين الأوّل 2020 أقام مستوطنون بؤرة استيطانيّة على أراضي قرية بيت دجن في محافظة نابلس. عقب ذلك وإثر معاناة عُنف المستوطنين صار الأهالي يتظاهرون أسبوعيًا ضدّ البؤرة الاستيطانيّة. أثناء مظاهرة جرت في 19.3.21 صعد عدد من المتظاهرين إلى تلّة ولمّا صادفوا هناك جنوداً أخذوا يرشقونهم بالحجارة.
في يوم 21.2.21 اعتقل جنود طفلين من قرية حزمة كانا يلهُوان بدرّاجتيهما وهُما أوس صلاح الدين (10 سنوات) وشقيقه محمد (8 سنوات). احتجز الجنود الطفلين طوال ساعتين بذريعة أنّهما رشقا حجارة نحوهم. بعد ذلك جرى اقتياد الطفلين مكبّلين إلى نقطة محاذية للشارع الواقع خارج البلدة وهناك حقّق الجنود معهما ثمّ اقتادوهما إلى معسكر للجيش في الجوار واحتجزوهما. فقط في ساعات اللّيل تمّ تسليمهما إلى الشرطة الفلسطينيّة التي سلّمتهما بدورها للأهل نحو السّاعة 22:30. إنّ احتجاز طفلين في الثامنة والعاشرة من عمرهما، أي تحت سنّ المسؤوليّة الجنائيّة، مكبّلين ودون أن يعلما أو يعلم والداهما متى سيعودان لهو أمر مخالف للقانون ويتعارض بالتأكيد مع مبادئ الأخلاق.
في ليلة الاثنين الموافق 1.3.21 اقتحم عناصر من شرطة حرس الحدود ومستعربون منزل عائلة عبيد في العيساويّة شرقيّ القدس واعتدوا بعُنف شديد على مروان عبيد وابنه طارق ثمّ اعتقلوا الابن. لاحقاً دهمت الحيّ سيّارة رشّ مياه عادمة تابعة للشرطة ورشّت مياهاً آسنة في شوارع الحيّ وفي داخل المنزل. في محطّة الشرطة جرى التحقيق مع طارق ثمّ نقله إلى المستشفى بسبب علامات الضرب البادية على وجهه. في اليوم التالي جرى تمديد اعتقاله لمدّة يومين ثمّ أخلي سبيله شرطَ الحبس المنزليّ لمدّة ثلاثة أيّام. ممارسات الشرطة في الحيّ تتميّز بعُنف متواصل يندرج ضمن نهج اضطهاد إسرائيل لسكّان شرقيّ القدس بهدف دفعهم إلى مغادرة منازلهم وتحقيق التفوّق الديمغرافيّ اليهودي في المدينة.
لاذ خمسة أطفال فلسطينيّين تتراوح أعمارهم بين 9 و-13 عاماً بالفرار حين رأوا مستوطنين يقتربون منهم وهم يقطفون العكوب. لاحق المستوطنون ومركبات عسكريّة الأطفال حتى تجمّع خربة الرّكيز وهناك اعتقلوهم رغم أنّهم تحت سنّ المسؤوليّة الجنائيّة. هذه فعلة لا سبيل إلى تبريرها. اعتقال الأطفال بكلّ هذه البساطة يؤكّد أنّ الضبّاط الذين تواجدوا في الميدان سمحوا بذلك دون اكتراث لوقْع صدمة الاعتقال وتأثيرها على الأطفال وعلماً منهم أنّ اللّجوء إلى اعتقال طفل يُسمح به فقط في ظروف استثنائيّة قطعاً وفقط في غياب بدائل أخرى.
في يوم الأحد الموافق 29.11.2 اقتحم جنود مخيم العروب للاجئين. قام فتية برشقهم بالحجارة فأطلق الجنود نحوهم قنابل الصوت والغاز. اعتدى الجنود بالضرب المبرح على أحد الفتية وهو محمد مقبل (16 عاما) فكسروا فكه واعتقلوه هو وفتيانا آخرين. أجريت لمحمد مقبل عملية جراحية وأعيد إلى السجن وقد أطلق سراحه بعد 26 يوما وذلك بعدما رُفض طلب النيابة بتمديد اعتقاله حتى انتهاء الإجراءات مرتين. تتفاخر إسرائيل بالقوانين والإجراءات التي أُعدت نظريا للحفاظ على حقوق القاصرين إلّا أنها عمليا تعتقل سنويا مئات القاصرين الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم بشكل ممنهج ومنظم.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.