Skip to main content
سمية منصور وابنتيها. تصوير: أليكس ليفاك، 3.4.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

لا محاولة دهس ولا عمليّة من أيّ نوع: جنود حاجز فجائيّ يطلقون النّار على أبوين لخمسة أولاد ويقتلون الأب الذي توفّي متأثراً بجراحه

אוסאמה מנסור. התמונה באדיבות המשפחה
أسامة منصور. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في ساعات اللّيل من يوم الجمعة الموافق 5.4.21 دهم جنود بلدتي بير نبالا والجيب الواقعتين شمال مدينة القدس حيث فتّشوا عدداً من المنازل. رشق بعض الفتية والأولاد الجنود بالحجارة وأطلق هؤلاء بدورهم الغاز المسيل للدّموع نحوهم. بعد منتصف اللّيل وقرب السّاعة 2:30 من يوم 6.4.21 جاءت نحو أربع مركبات عسكريّة إلى شارع بير نبالا - الجيب الذي يمرّ في الحدود ما بين البلدتين. توقّفت المركبات عند جزيرة مروريّة تتوسّط الشارع وفي الأزقّة المجاورة له ثمّ خرج الجنود ووقفوا قرب المركبات.

بعد مضيّ وقت قصير مرّت في المكان سيّارة يقودها أسامة منصور (45 عاماً) ومعه زوجته سميّة منصور (35 عاماً) وهُما أبوان لخمسة أولاد ويقيمان في قرية بِدو. كان الزّوجان عائدين إلى منزلهما بعد زيارة لعيادة طبيب في بير نبالا. حين لوّح لهُما أحد الجنود بمصباح أوقف أسامة سيّارته.

بعد نقاش قصير بينه وبين أحد الجنود استأنف أسامة منصور السّير وفوراً بعد ذلك أطلق الجنود النار نحو السيّارة وأصابوا أسامة في رأسه وأصيبت سميّة بجراح جرّاء شظايا. من مقعدها أمسكت سميّة بالمقود وداست دوّاسة البنزين وقادت السيّارة مسافة تقارب 700 متر أخرى ثمّ توقّفت على طرف الشارع. هرع إلى المكان عدد من الشبّان ونقلوا الزوجين إلى عيادة في قرية بِدو ومن هناك نُقل الاثنان إلى مستشفىً في رام الله حيث خضع أسامة لعمليّة جراحيّة لكنّ الأطبّاء أعلنوا وفاته بعد نحو السّاعة. صادر الجنود سيّارة أسامة منصور وبعد مضيّ ساعات صادروا أيضاً تسجيلات كاميرات المراقبة المثبّتة على دكّانين قريبين لأنّ وُجهة عدساتها ترصد المكان الذي وقعت فيه الحادثة.

يُظهر تحقيق بتسيلم أنّ المسلك الذي سارت فيه السيّارة كان خالياً من الجنود وأنّ إطلاق الرصاص قد جرى أوّلَ الأمر فور استئناف السيّارة السّير بعد توقّفها. حدث ذلك على بُعد أمتار معدودة من الحاجز الفجائيّ ونحو عشرين متراً من مجموعة جنود كانوا يقفون عند الجزيرة المروريّة في تتمّة الشارع. بعد ذلك تعرّضت السيّارة لوابل من الرّصاص أطلقه الجنود الذين عند الحاجز الفجائيّ والجنود الذين عند الجزيرة المروريّة.

موقع الحدث. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 6.4.21

سارع الجيش إلى وصف الحادثة على أنّها محاولة دهس (الرابط بالعبرية) معلناً أنّ الجنود الذين أطلقوا النيران على أسامة منصور وزوجته فعلوا ذلك حين "أسرعت السيّارة نحو مجموعة جنود أخرى كانت تقوم بمهمّة في المكان وعرّضت حياتهم للخطر". غير أنّ تقارير وسائل الإعلام (الرابط بالعبرية) أفادت أنّ الجيش في ذلك الحين كان أيضاً يشكّك باحتمال وقوع محاولة دهس.

أعلن الجيش أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت تحقيقاً فوريّاً (الرابط بالعبرية) غير أنّ تجربة السّنين الطويلة قد علّمتنا أنّه لا ينبغي لنا انتظار نتائج تُسفر عنها هذه التحقيقات سوى طمس الجريمة لأنّ هذا بالذات هو الهدف منها - هذه التحقيقات هي وسيلة لإسكات النقد إذ توهم بأنّ جهاز تطبيق القانون يقوم بدوره بينما هو في الواقع ورقة التوت التي تستر عورات النظام عبر تحقيقات وأد الحقيقة وطمس الجريمة.

أدناه تحدّث سميّة منصور، زوجة أسامة، عمّا حدث حين وصلت هي وزوجها في سيّارتهما إلى الحاجز الفجائيّ - من إفادة أدلت بها في 7.4.21 أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد:

سمية منصور. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 7.4.21

عندما وصلنا إلى بير نبالا فوجئنا بجيبين عسكريّين يقفان في عرض الشارع قريباً من الجزيرة المروريّة وجنديّين يقفان أمامهما. لا أعرف ما إذا كانت هناك مركبات عسكريّة أخرى، لم أنتبه لذلك. في تتمّة الشارع خلف الجيبات كان يقف جنديّان آخران قرب الجزيرة على بُعد نحو عشرين متراً من الجنديّين الأوّلين. أحد الجنديّين القريبين منّا أشار لنا بواسطة مصباح أن نتوقّف. قلت لأسامة "يبدو أنّ هناك جيش يا أسامة، توقّف". توقّف أسامة على بُعد بضعة أمتار من الجنديّين. لم أر على الشارع إشارات أو مثاقيب لنتوقّف أمامها. تقدّم أحد الجنديّين من السيّارة من جهة السّائق وأخذ يصرخ على أسامة بالعبريّة: "لماذا لا تتوقّف؟! لقد أشرت لك من بعيد ولم تتوقّف!". ورغم أنّ أسامة قد توقّف أجاب الجنديّ قائلاً: "لم أنتبه. والله إنّني مسطول من كثرة التعب ولذلك لم أنتبه لك". سأله الجنديّ "من أين أنتما وإلى أين أنتما ذاهبان" فأجابه أسامة أنّنا كنّا في زيارة لطبيب وأننا في طريقنا إلى قريتنا بِدو. لم يطلب الجنديّ بطاقات هويّة ولا أوراق السيّارة ولا أيّ شيء. السيّارة التي كانت معنا بلا أوراق فهي "مشطوبة" أصلاً.

بعد ذلك استأنف أسامة السّير وعندئذٍ أطلق أحد الجنديّين رصاصة واحدة أصابت السيّارة من الخلف. أخذت أصرخ: "أسامة، أسامة، إنّهم يطلقون علينا النار! توقّف! توقّف وإلّا فسوف يقتلوننا!". قال لي أسامة: "كيف أتوقّف؟ سوف يرشّوننا الآن". انطلق أسامة بسرعة كبيرة وبعد ذلك أُطلق وابل من الرّصاص أصاب السيّارة من الخلف. الجنود الذين كانوا إلى الأمام لم يكونوا على المسلك الذي نسير فيه ولكنّهم أخذوا هُم أيضاً يُطلقون الرّصاص نحونا حتى قبل أن نقترب منهم. كان الرّصاص أو شظايا الزجاج تتطاير في كلّ صوب. أعتقد أنّ ثلاث رصاصات على الأقلّ أصابت السيّارة من الأمام وعشرات الرّصاصات اخترقت السيّارة من الخلف. من شدّة خوفي أخفضت رأسي بين رجليّ لكي أحتمي من الرّصاص وكانت السيّارة قد بدأت تتأرجح من جهة إلى أخرى. أحسست بإصابات في ظهري فقلت لأسامة إنّني أصبت وبدوره قال لي "أنا أيضاً أصبت". بعد ذلك صمت أسامة وكانت تلك آخر الكلمات التي قالها. تفقّدته ورأيت الإصابة في رأسه وكان لا يتكلّم وجسمه متّكئ لجهتي. قدّرت أنّ أسامة فقد السيطرة على السيّارة وخشية أن نصطدم بشيء مددت رجلي إلى دوّاسة الوقود ووجّهت السيّارة من مكاني. عندما أصبحنا بعيدين عن أنظار الجنود ومرمى رصاصهم أوقفت السيّارة على طرف الشارع من جهة اليمين ورفعت الفرامل اليدويّة. كنت في حالة صدمة. كان أسامة غائباً عن الوعي وأنا أصرخ "أسامة! أسامة!" لكنّه لم يستجب.

في الشارع نفسه يقيم ب. ع. (57 عاماً) وقد عاد إلى منزله من زيارة لأقاربه بعد أن قالت له زوجُته إنّ جنوداً يُطلقون الغاز المسيل للدّموع قرب منزلهم. بعد أن توقّف إطلاق الغاز ظلّ الزّوجان مستيقظين.

أدناه يحدّث ب. ع. عن أحداث تلك اللّيلة - من إفادة أدلى بها في 6.4.21 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

نافذة سيارة الزوجين الأمامية التي ثقبها الرصاص

نحو السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل كنّا لا نزال مستيقظين أنا وزوجتي. سمعت جلبة مركبات عسكريّة تعود إلى منطقتنا. رأيت قرابة خمس مركبات عسكريّة على الجزيرة المروريّة الموجودة قبالة منزلنا وخارجها على الأرض نحو عشرة جنود. خمّنت انّهم يستعدّون لاقتحام إحدى الحوانيت أو أحد المنازل. كانت حركة السيّارات على الشارع قليلة ولم يوقف الجنود أيّاً من السيّارات التي مرّت. كنت مع أولادي ننظر من شُرفة منزلنا المطلّة على الشارع المُضاء.

بعد وقت قصير رأيت سيّارة خصوصيّة قادمة من ناحية بير نبالا وكانت تسير بسرعة عاديّة. عندما أصبحت السيّارة على مسافة نحو عشرة أمتار من الجنود أشار لها أحدهم أن تتوقّف. بعد أن توقّفت السيّارة تقدّم نحوها ثلاثة جنود إلى جهة السّائق. سمعت أحدهم يصرخ على السّائق باللّغة العبريّة وأنا أفهمها جيّداً. سأله الجنديّ لماذا لم يتوقّف وأجابه السّائق أنّه توقّف واستمرّ الجدال بينهم. بعد أقلّ من دقيقة تحرّكت السيّارة وفي تلك اللّحظة لم يكن أمامها جنود. ما كاد السّائق يقطع بضعة أمتار حتى أمره الجنود أن يتوقّف وحين لم يستجب أطلق الجنود النار على السيّارة من الخلف وهُم يواصلون الصّراخ "توقّف! توقّف!".

سمعت طلقة واحدة ثمّ تبعها إطلاق نار كثيف. منذ البداية سمعت الرّصاص يُصيب الزجاج الخلفيّ وسمعت الزّجاج يتحطّم ولكن لا يمكنني القول بالتأكيد كم رصاصة أصابته. بعد إصابة السيّارة بدأت تتأرجح أثناء سيرها وكادت تصطدم بأشياء أو بالرّصيف أكثر من ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة كانت تستقيم وتتابع السّير. تقدّمت السيّارة مسافة تقارب نصف الكيلومتر وبعد ذلك توارت عن أنظاري ثمّ توقّف إطلاق الرّصاص. أثناء إطلاق الرّصاص شاهدت 3-4 جنود يركعون في وضعيّة قنص. مع هذا الكم الكبير من الرّصاص توقّعت أنّ الركّاب لا بدّ أن أصيبوا.

بعد مضيّ 10-15 دقيقة تحرّكت المركبات العسكريّة في اتّجاه قرية الجيب مسافة نصف كيلومتر تقريباً. قرّرتُ أن أذهب لأرى ما الذي يحدث هناك. توقّفتُ على بُعد مئة متر من المركبات العسكريّة وسيّارة الإسعاف الفلسطينيّة التي كانت قد وصلت وتوقّفتْ قرب السيّارة المُصابة.

بعد مضيّ ساعة أو ساعة ونصف على الحادثة عاد جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود وجمعوا الرّصاصات الفارغة المتناثرة على الشارع. في الصّباح رأيت عدداً من الرّصاصات الفارغة التي يبدو أنّ عناصر القوّة لم ينتبهوا لها.

مرّت دقائق معدودة بعد أن أوقفت سميّة منصور السيّارة على بُعد نحو 700 متر من الحاجز الفجائيّ وإذّاك جاء عدد من الشبّان ونقلوا الزوجين إلى عيادة في قرية بِدو حيث تلقّى أسامة الإسعاف الأوّلي وخلال دقائق نُقل وزوجته في سيّارة إسعاف إلى مستشفىً في رام الله. سلكت سيّارة الإسعاف طرقاً فرعيّة لكي تتجنّب التقاء جنود على الشارع وعندما وصلت إلى المستشفى كان أسامة لا يزال غائباً عن الوعي وقد تمّ إدخاله إلى غرفة الصّدمة ومن هناك إلى غرفة العمليّات وبعد مضيّ ساعة أعلن الأطبّاء وفاته. في هذه الأثناء كانت سميّة تتلقّى العلاج جرّاء إصابتها بشظايا الرّصاص وزجاج السيّارة.

أضافت سميّة في إفادتها:

طوال الوقت كنت أسأل عن حال أسامة، أسأل أفراد أسرتي وأسرة زوجي الذين جاءوا إلى المستشفى لكنّهم لم يجيبوني بصورة واضحة فظللت متوتّرة جدّاً. فقط عند السّاعة 5:00 صباحاً قالوا لي إنّ أسامة قد فارق الحياة.

بعد مضيّ نصف السّاعة غادرت المستشفى بعد أن أعطوني وصفة لحبوب مسكّنة للأوجاع وموادّ لتعقيم الجُروح.

الذين قتلوا زوجي قد حطّموا قلبي لأنّ أسامة كان صديق عُمري كما أنّهم يتّموا خمسة أطفال وحرموهم من والدهم. أدعو له بالرّحمة من ربّ العالمين. قبل شهرين خرج أسامة من السّجن بعد أن كان معتقلاً في إسرائيل على خلفيّة المكوث غير القانوني في إسرائيل. لم نكد نفرح بذلك إذ أجهضوا فرحتنا بلمّ شمل عائلتنا ولقائه مع الأولاد بعد فراق.