Skip to main content
مظاهرات في قطاع غزة، تصوير: امير كوهين، رويتيرز، 30.3.18
Menu
المواضيع

لماذا ينبغي أن يرفض الجنود الانصياع لأوامر إطلاق النار على المتظاهرين العزّل؟

كان يوم الجمعة الماضي في غزّة يومًا دمويًّا فقد أطلق الجنود خلاله نيرانهم على الفلسطينيين الذين شاركوا في مظاهرة داخل حدود قطاع غزة. قُتل 17 فلسطينيًّا بينهم 12 أثناء المظاهرات فضلًا عن مئات الجرحى الذين أصيبوا جرّاء إطلاق النّار.

إطلاق النّار على العزّل الذين لا يشكّلون خطرًا على أحد مخالف للقانون. فكم بالحري حين يطلق الجنود المتمركزون على مسافة بعيدة نيرانهم على متظاهرين موجودون أصلاً على الجانب الآخر من الجدار الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة. علاوة على ذلك: يُحظر إصدار تعليمات للجنود بأن يطلقوا النّار على أشخاص يقتربون من الجدار أو يلحقون به الضرر أو يحاولون اجتيازه. بالطبع يمكن للجيش أن يمنع هذه الأفعال بل ويُسمح له اعتقال من يحاولون الإقدام عليها ولكن هنالك حظر قاطع يمنع إطلاق النّار لهذه الأسباب وحدها.

التعقيبات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون تبيّن أنّ النتائج الوخيمة التي شهدناها يوم الجمعة أتت ملائمة لتوقّعات ورغبات من صاغوا هذه السياسة ولذلك حظي الجيش بدعم تامّ لأدائه. هكذا على سبيل المثال أوضح وزير الأمن أفيغدور ليبرمان أن "جنود جيش إسرائيل صدّوا ناشطي الذراع العسكريّة لحماس بعزم ومهنيّة تمامًا كما توقّعنا منهم. إنّي أدعمهم تمامًا". بالنظر إلى تعليمات إطلاق النار التي نشرتها وسائل الإعلام (أو نشرت بعضها) قبيل الجمعة الفائت كان منتظَرًا وقوع هذه الإصابات الكثيرة في صفوف المتظاهرين. على ضوء علمهم المسبق بمظاهرات الجمعة ركّزت استعدادات كبار المسؤولين العسكريين - بتوجيه من السياسيين ليس على كيفية تقليص الإصابات بل على العكس تمامًا - لقد تعاملوا مع الحدث على أنّه سعيٌ للمسّ بأمن الدولة واستعدّوا له كأنّما يستعدون لعمليّة قتاليّة. على هذا الأساس تمادت إسرائيل في إطلاق التهديدات وبضمنها التصريح عن تعليمات صدرت للجيش بإطلاق النار على كلّ من يقترب من الجدار متجاوزًا مسافة 300 متر عنه. إضافة لذلك فقد حذّرت إسرائيل شركات الباصات في غزّة من نقل المتظاهرين إلى مواقع المظاهرات ونشرت شريطًا مصوّرًا يُظهر إطلاق النار على ساقي فلسطينيّ يقترب من الجدار كوسيلة إيضاح وتحذير للمشاركين في المظاهرات ممّا قد يحصل لهم. علاوة على ذلك تنصّلت الجهات الإسرائيلية مسبقًا من أيّة مسؤولية عن نتائج المظاهرات وألقت على عاتق حماس المسؤولية عن مقتل أو جرح أيّ فلسطينيّ - في حال وقوع ذلك.

بالطريقة نفسها تستعدّ إسرائيل للمظاهرات المتوقّعة يوم الجمعة القادم: نُشر أوّلاً أنّ الجيش أعلن أنّه لا يعتزم إجراء تعديلات على تعليمات إطلاق النار. ونُشر لاحقًا أنّه ستُجرى تعديلات بحيث يُسمح لمتظاهرين العزّل بالاقتراب من الجدار حتى تفصلهم مسافة مئة متر عنه. كذلك أوضح وزير الأمن أنّ "من سيحاول الاقتراب من الجدار - يخاطر بحياته".

خلافًا لما يُفهَم من أقوال ضبّاط كبار في الجيش ووزراء في الحكومة لا يحقّ للجيش أن يتصرّف تبعًا لأهوائه وإسرائيل ليست مخوّلة أن تحدّد بنفسها ما المسموح والممنوع في مواجهة المتظاهرين. إسرائيل مثلها كمثل أيّة دولة أخرى في العالم ملزَمة التصرّف بموجب أحكام القانون الدولي التي تقيّد استخدام السّلاح عمومًا والنيران الحيّة خصوصًا وتسمح باستخدامه فقط ردًّا على خطر محقّق وداهم يهدّد حياة أيّ من الناس وفقط إذا انعدمت وسائل أخرى لدرء هذا الخطر. لا تستطيع إسرائيل أن تقرّر لوحدها أنّ هذه الأحكام لا تسري عليها.

وكما كتب بروفسور مردخاي كْريمْنيتْسر في أعقاب أحداث الجمعة: "إذا كان مثلاً مجرّد اقتراب مواطنين متظاهرين عزّل من الجدار أو المسّ به يُعتبر سلوكًا يبرّر إطلاق النيران الحيّة عليهم فهذه التعليمات تستدعي الإلغاء لعدم قانونيّتها. وإن كان الجدار يرمز إلى الحدود فهو ليس أقدس من حياة الناس حتى لو كان هؤلاء فلسطينيون من سكّان غزة".

التعليمات التي تسمح بإطلاق النار على المدنيّين العزّل هي تعليمات مخالفة بوضوح للقانون. لا قانونيّة مثل هذه التعليمات كما جاء في أقوال القاضي بنيامين هليفي في قضيّة كفر قاسم تتأتّى ليس من دواعٍ "شكليّة أو خفيّة أو نصف خفيّة" وإنّما على العكس هي تعليمات "غير قانونيّة بالتأكيد وبالضّرورة ولا قانونيّتها تظهر في سِمات التعليمات نفسها في طابع جنائيّ ظاهر فيها أو في أفعال تأمر التعليمات بالإقدام عليها لا قانونيّة تُعمل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا، إن لم تكن العين عمياء والقلب أصمّ أو فاسدًا".

من يتحمّل المسؤولية عن إصدار هذه التعليمات المخالفة للقانون وعن النتائج الفتّاكة المترتّبة على تطبيقها هم واضعو السياسات وعلى رأسهم رئيس الحكومة ووزير الأمن وقائد الأركان؛ مثلما يقع عليهم واجب تعديل هذه التعليمات فورًا قبل مظاهرات الجمعة القادمة وذلك لأجل تجنّب مقتل وإصابة المزيد من الناس.

في الوقت نفسه الانصياع لتعليمات مخالفة بوضوح للقانون تعتبر مخالفة جنائيّة. لذلك إذا تلقى الجنود في الميدان أوامر بإطلاق الرصاص الحي على المواطنين العزل فعليهم يقع واجب رفض الانصياع لها.