Skip to main content
Poster commemorating Mus’ab a-Sufi, 16, that was defaced by soldiers two days after he was killed in Deir Nidham.
Menu
المواضيع

كانون الثاني 2018: قتل الجنود خمسة فلسطينيّين من بينهم أربعة فتيان دون مبرّر

خلال شهر كانون الثاني 2018 في مناسبات مختلفة أطلق الجنود نيرانهم وصوّبوا إلى الرأس وقتلوا خمسة فلسطينيين من سكّان الضفة الغربية وقطاع غزّة، أربعة منهم فِتية.

  • في 3.1.2018 صوّب جنود نيرانهم نحو رقبة مصعب الصوفي البالغ من العمر 16 عامًا من سكّان دير نظام شمال شرق رام الله وأردوه قتيلاً. في اليوم التالي الموافق 4.1.2018 أثناء تشييع جثمانه صوّب جنود نيرانهم إلى رأس محمد عوض البالغ من العمر 19 عامًا من سكّان عابود وأصابوه بجروح بالغة.
  • في 11.1.2018 قرب قرية عراق بورين جنوب نابلس صوّب جنود نيرانهم نحو رأس علي قينو البالغ من العمر 17 عامًا وأردوه قتيلاً.
  • في 11.1.2018 أصاب جنود بنيرانهم إبط أمير أبو مساعد البالغ من العمر 15 عامًا وأردوه قتيلاً خلال مظاهرة جرت قرب الجدار الحدودي في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة.
  • في 15.1.2018 صوّب جنود نيرانهم نحو رأس أحمد سليم البالغ من العمر 28 عامًا وأردوه قتيلاً قرب قرية جيّوس شرقيّ قلقيلية.
  • في 30.1.2018 في قرية المغيّر صوّب جنود نيرانهم نحو ليث أبو نعيم 16 عامًا وأردوه قتيلاً.

أطلقت النيران على الخمسة دون أن يشكّلوا خطرًا على حياة الجنود أو أشخاص آخرين أيًّا كانوا. وفقًا لتعليمات إطلاق النار يُسمح إطلاقها بهدف القتل فقط في حال تهدّدَ الخطر حياة عناصر قوّات الأمن أو أشخاصًا آخرين. وحتّى في هذه الحالة يُسمح بذلك فقط إذا لم تتوفّر طريقة أخرى لدرء الخطر. لكنّ هذه الشروط أبعد بكثير من أن تنطبق على ملابسات مقتل الشبّان الخمسة في كانون الثاني 2018. ومثلها ملابسات مقتل 17 فلسطينيًّا آخر في العام 2017 - ستّة منهم خلال أحداث رشق حجارة في الضفة الغربية، و-11 خلال مظاهرات جرت قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزة

جهاز الأمن بما في ذلك جهاز تطبيق القانون العسكري لا تقلقه هذه الحالات بل إنّه يختار عمومًا تجاهلها. صحيح أنّ بعض أحداث القتل فُتح في شأنها تحقيق لدى الشرطة العسكرية ولكنّ نهاية هذه التحقيقات جميعها تقريبًا كانت الطمس، ناهيك عن أنّها جميعًا تناولت مسؤولية الجندي الذي أطلق النار وليس مسؤولية ضابطه أو القادة ذوي الرّتب الرفيعة في الجيش، علمًا أنّهم المسؤولون عن وضع سياسة تعليمات إطلاق النار وتطبيقها.

توضع تعليمات إطلاق النار لأجل تقييد حالات استخدام النيران الحيّة بهدف القتل لكنّ الممارسات المذكورة تُفرغ تلك التعليمات من مضمونها وتعكس عُمق استهتار إسرائيل بحياة الفلسطينيّين وسلامة أجسادهم. سماح سلطات تطبيق القانون للجنود بالتصرّف بما يتعارض بشكل صارخ مع تعليمات إطلاق النار دون أن يدفعوا ثمنًا لقاء ذلك هو الذي يتيح استمرار استخدام القوّة الفتّاكة - والتي تشكّل عنصرًا أساسيًّا في قدرة إسرائيل على مواصلة سيطرتها العنيفة على ملايين الفلسطينيين.

بعد ذلك بيومين في 3.1.2018 قرابة الساعة 10:00 صباحًا رشق بعض الأولاد حجارة نحو شارع 65. أطلق الجنود الذين قدموا إلى المكان نحوهم قنابل الغاز المسيل للدموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط، فهرب الأولاد إلى الكروم الواقعة جنوبيّ الشارع. استمرّت المواجهات حتى الساعة 13:00 تقريبًا بين بضع عشرات من الأولاد والفتيان من جهة وعشرة من الجنود وعناصر شرطة حرس الحدود الذين لاحقوهم وسط الكروم وهم يطلقون نحوهم الرّصاص الحيّ والرّصاص المطّاطي وقنابل الصّوت. عند الساعة 12:30 تقريبًا دخلت مجموعة صغيرة من الجنود وعناصر حرس الحدود إلى الجهة الشرقية من القرية واعتقلت شابًّا (18 عامًا) يعاني مرضًا نفسيًّا كان يمرّ من المكان وفي المواجهات التي وقعت في أعقاب اعتقاله أصيب فتًى (15 عامًا) من الشظايا.

قرب الساعة 13:00 احتلّ أربعة جنود موقعًا قرب شجرة تين محاذية لأحد المنازل تبعد قرابة 250 مترًا عن شارع 465 ونحو ستّين مترًا عن مجموعة من الأولاد والفتية يعدّون عشرة إلى عشرين شخصًا، كانوا موزّعين بين الشارع وكرم زيتون مجاور ويرشقون الحجارة تجاه الجنود وكان الجنود يطلقون نحوهم الرّصاص الحيّ فيما كانت تحوم فوقهم طائرة استطلاع تابعة للجيش.

 

3.1.2018: مقتل مصعب الصوفي (16 عامًا) من سكّان دير نظام

مصعب الصوفي
مصعب الصوفي

في أعقاب "إعلان القدس" الذي صرّح به رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب في 6.12.2017 وقعت في قرية دير نظام شمال غرب رام الله مواجهات يوميّة تقريبًا بين شبّان من سكّان القرية وقوّات الأمن.

رشق الشبّان الحجارة نحو شارع 465 الذي يمرّ شماليّ البلدة وأطلق عليهم عناصر قوّات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط بل وأحيانًا طاردوا راشقي الحجارة إلى داخل القرية. خلال شهر كانون الأوّل (بعد 6.12.2017) دهم عناصر قوّات الأمن القرية ثماني مرّات واعتقلوا شخصًا واحدًا وأصابوا شخصًا آخر جرّاء إطلاقهم الرصاص المطّاطي وأصيب عدد آخر من السكّان بالاختناق نتيجة استنشاق الغاز.

في 1.1.2918 قرابة الساعة 7:30 صباحًا دهمت عناصر قوّات الأمن القرية في نحو ثلاثين سيّارة جيب تابعة للجيش وحرس الحدود والإدارة المدنيّة وعلّقت في شوارع القرية منشورًا يهدّد فيه الجيش السكّان باتّخاذ إجراءات لمنع "الأعمال التخريبيّة والشغب المخلّ بالنظام".

 

نظرة من النقطة التي أطلق منها الجنود النيران نحو الشارع وكروم الزيتون حيث كان الفتية. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 4.1.2018
نظرة من النقطة التي أطلق منها الجنود النيران نحو الشارع وكروم الزيتون حيث كان الفتية. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 4.1.2018

في إفادة أدلى بها يوم 4.1.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، وصف ن.س. (17 عامًا) ما حدث:

تمركز أربعة جنود قرب شجرة تين على بُعد نحو عشرة أمتار إلى الجنوب الشرقي من منزل يونس. أنا ومصعب كنّا في الطريق الصاعد نحو مركز القرية وكانت المسافة بيننا وبين الجنود 50-70 مترًا تقريبًا. وكان شقيق مصعب (أ، وعمره 15 عامًا) وعدد آخر من الأولاد يختبئون خلف أشجار زيتون داخل الكرم. أطلق الجنود نحونا أربع رصاصات دون أن يصيبوا أحدًا وإنّما أصابوا الصخور وجذوع الأشجار ومع كلّ رصاصة كان الأولاد يصرخون محذّرين منها.

عند الساعة 13:00 تقريبًا سمعت نداءات تحذير تأتي من شرفة منزل أمّ خلدون: "انتبهوا الجندي يصوّب نحوكم!". كلّما رأيت الجندي يصوّب نحونا سلاحه كنّا نختبئ خلف جدار أو شجرة أو صخرة. في تلك اللحظة جلس مصعب على جانب الطريق إلى يميني. قال لي: "أريد أن أتقدّم وأنت تغطّي عليّ". لا أدري إن كان يريد أن يرشق حجرًا أو أنّه انتقل لمجرّد الاختباء في مكان آخر. قام مصعب وتقدّم بضعة أمتار وفي تلك الأثناء لم يكن معه شيء، ولا حتّى حجارة. صوّب أحد الجنود سلاحه نحو مصعب ولا أذكر أيّهم. أخذنا أنا وأخوه نحذّره: "اختبئ! اختبئ! إنّه يصوّب نحوكّ!" ولكنّه لم يسمعنا.

واصل مصعب التقدّم وعندها أطلق عليه أحد الجنود رصاصّة حية وأصابه في رقبته. وقع مصعب فورًا على الأرض وأخذ يتأوّه. اقترب منه ورأيت الدماء تنزف بشدّة من رقبته من الجهة اليسرى. خفت وصارت رجلاي ترتعدان. خفت لدرجة أنّني لم أجرؤ على البقاء قربه فهربت وأخذت أنادي السكّان: "لقد أصيب! لقد أصيب!". تقدّم منه بضعة أولاد وجاء والده - إذ سمع أنّه أصيب وأخذه في السيارة متّجهًا إلى مستشفًى في رام الله.

والد مصعب فراس الصوفي البالغ من العمر 43 عامًا، متزوّج وأب لأربعة، كان يقف قرب سيّارته على بُعد نحو خمسين مترًا من المكان الذي وقعت فيه المواجهات.

في إفادته بيوم 7.1.2018 التي أدلاها أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد قال ما يلي:

فراس الصوفي. تصوير: ألكس ليباك
فراس الصوفي. تصوير: ألكس ليباك

تابعت الأحداث عن بُعد نحو خمسين مترًا. بعد مضيّ بضعة دقائق سمعت إطلاق رصاص حيّ. في تلك اللحظة أخذ المتظاهرون يصيحون: "لقد أصيب! أصيب في الرأس! لقد أصيب!". انتقلت في سيارتي إلى المكان الذي انطلقت منه الصرخات. لم أعرف أنّ الذي أصيب هو ابني تحديدًا ولكنّي لسبب ما أحسست أنّه هو.

عندما وصلت إلى هناك رأيت مجموعة أشخاص قرب الجريح. نزلت من السيارة وصرت أسأل: "من هذا؟ من هذا؟". أجابوا: "مصعب". جُنّ جنوني وركضت إليه. كان ملقًى على الأرض وينزف من رقبته ووجهه كان مليئًا بالدماء. كان حوله نساء وأولاد وكذلك ابني أ. (15 عامًا) الذي كان مشوّشًا يصرخ ويبكي. حملت مصعب مع أشخاص آخرين وأدخلناه إلى السيارة في المقعد الخلفي. عندما حملناه سال من فمه الدم وعندها استرخى جسده كلّه. رافقني في السيارة شابّان من القرية وانطلقنا إلى حيث المستشفيات إلى رام الله. لحظة خروجنا من القرية اتّصل أحد الشابّين واستدعى سيّارة إسعاف.

في الطريق اهتمّ الشابّان بمصعب - أحدهما ضغط على الجرح ليوقف النزيف. من حين لحين مددت يدي ولامست وجهه لأعلم إن كان لا يزال حيًّا. طوال الطريق كنت أسأل الشابّين: "هل لا يزال حيًّا؟ هل لا يزال حيًّا؟"، وكانا يجيبان أنّ قلبه ينبض لا يزال. أحسست منذ اللحظة الأولى أنّه على وشك الموت ومع ذلك كان لديّ أمل أن يعيش. بعد سفر عشر دقائق تقريبًا التقينا سيارة الإسعاف قرب جسر عطارة ونقلنا مصعب إليها. أخذوه إلى المستشفى الاستشاري في رام الله.

وصل الصوفي إلى المستشفى في الساعة 13:30 بلا نبض وبعد محاولات إنعاش استمرّت لمدّة ساعة أعلنت وفاته.

بعد إخلاء مصعب من مكان الواقعة استمرّت المواجهات في دير نظام حتى ما بعد الظهر.

في اليوم التالي الموافق 4.1.2018 عند الساعة 13:00 تقريبًا خلال تشييع جثمان مصعب الصوفي اندلعت مواجهات قرب شارع 465. في الساعة 13:30 تقريبًا أطلق جنود النيران على رأس محمد عوض (19 عامًا) من سكّان عابود عن مسافة نحو عشرين مترًا. نُقل عوض إلى المستشفى الاستشاري في رام الله وهناك تبيّن أنّه يعاني كسرًا في الجمجمة وأن شظايا حديد استقرّت داخل رأسه. أجريت لعوض عملية جراحية في الرأس ولا يزال يرقد قيد العلاج في المستشفى.

في إفادته قال فراس والده عن ابنه:

كان مصعب تلميذًا في الصفّ الحادي عشر وكان يأخذ الدراسة بجدّية. عندما كنّا نسكن في الأردن كان مصعب رئيس الجوقة ورئيس برلمانات مدارس الأردن الحكومية. عندما عدنا إلى القرية أخذ على عاتقه إدارة محطة الإذاعة الخاصّة بمدرسة القرية. قبل شهر أصيب في رجله اليمنى برصاصة مطّاطية خلال مظاهرة جرت في القرية لكنّه شفي سريعًا. كانت لديّ آمال كبيرة تتعلّق به. كان نشيطًا في مجالات عديدة وكان له أصدقاء كثيرون جدًّا. أراد أن يدرس إدارة الأعمال وأن يعمل في التجارة. بإطلاقه النار على مصعب قضى جندي الاحتلال على كلّ طموحاته وآماله. لقد خُطف من بين أيدينا فجأة وتركني ووالدته وإخوته محطّمين تمامًا.

والد مصعب الصوفي يحمل ملصق نعي ولده وقد شوّهه جنود بعد مقتله بيومين
والد مصعب الصوفي يحمل ملصق نعي ولده وقد شوّهه جنود بعد مقتله بيومين

11.1.2018: مقتل علي قينو (17 عامًا) من سكّان عراق بورين

علي قينو
علي قينو

في صباح يوم 11.1.2018 ضمن القيود التي فرضها الجيش أثناء التفتيش عن المشتبه به بقتل الرّاب رزئيل شيفح قبل ذلك بيومين أقام جنود حاجزًا على الشارع الذي يصل بين قرية عراق بورين ومدينة نابلس وقرية تل. اندلعت في أعقاب ذلك مواجهات حيث رشق شبّان الحجارة نحو الجنود وأطلق هؤلاء نحوهم قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت. استمرّت المواجهات حتى الساعة 17:00 تقريبًا.

عند الساعة 16:30 تقريبًا خرجت سيّارتا جيب عسكريّتين من اتّجاه بورين إلى عراق بورين فرشقهما بالحجارة شبّان كانوا على قمّة تلّة قريبة تبعد عن الجنود نحو ثلاثين مترًا. واصل الجيب الأوّل سفره إلى عراق بورين، وتوقّف الجيب الثاني على بُعد نحو ثلاثين مترًا من الشبّان.

في إفادة أدلى بها يوم 21.1.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم، سلمى الدبعي وصف ع.ق. (20 عامًا) ما حدث عندئذٍ:

أطلق الجندي من داخل الجيب طلقتين أو ثلاثا نحونا. بعد ذلك أطلق نحو 20 طلقة متتالية. هربنا جميعًا من النيران وعندها استأنف الجيب سفره إلى القرية.

بعد أن ابتعدت سيّارتا الجيب وتأكّدنا أنّ جميع الموجودين سالمون لاحظنا غياب علي فأخذنا نناديه ونبحث عنه. عندما رجعنا إلى المكان الذي كنّا فيه من قبل وجدناه مطروحًا أرضًا ووجهه إلى الأرض. كان رأسه مفتوحًا والدماء تسيل منه. عندما قلبته أنا وبعض الشبّان وجدنا وجهه شاحبًا ولم تكن فيه أيّة علامة حياة - لم يتنفّس وحين وضعت يدي على رقبته لم يكن هنالك نبض.

هبط أحد الشبّان عن التلّة نحو الشارع وأوقف سيّارة عبرت من هناك. حمل بعض الشبّان الجريح قينو وأدخلوه إلى السيارة التي نقلته إلى أحد مستشفيات نابلس حيث أعلن الأطبّاء وفاته وحدّدوا أنّ سبب الوفاة إصابة في الرأس من رصاص حيّ.

والدة علي رائدة قينو (54 عامًا، أمّ لأربعة) تحدّثت عن ابنها في إفادة أدلت بها يوم 25.1.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم سلمى الدبعي:

عندما رأيت علي في ثلّاجة الموتى فقدت عقلي. لم أستطع أن أصدّق أنّ هذا علي صغيري المدلّل. كان في نظري أجمل إخوته هكذا رأيته دائمًا؛ وكان يرأف بي كثيرًا وبأخيه وسيم الذي يعاني الشلل الدماغي. كان أوّل من يهبّ لمساعدتي في العناية بوسيم ويجلس معه لكي نتفرّغ نحن لأمورنا الأخرى. كان يحبّ الجميع والجميع يحبّه. لقد كان أشبه بهديّة من السماء.

أشعر كلّ يوم وكأنّه يُقتل من جديد وكلّ لحظة أحسّها لحظة وداع وفراق. فراقه صعب ولا يُحتمَل. كم تألّمت حين عاد زملاؤه إلى المدرسة بعد انتهاء عطلة الشتاء. بكيت كثيرًا. علمًا أنّ زملاءه في الصفّ وضعوا باقة زهور على المقعد حيث كان يجلس وكتبوا على اللّوح "كلّنا غائبون وعليّ وحده الحاضر" ثمّ خرجوا من الصف. في نهاية اليوم الدراسي جاء أصدقاؤه إلى منزلنا لزيارتي واعتذروا قائلين إنّهم لا يقدرون على النظر في عينيّ. أيضًا بالنسبة إليهم كان فراق علي صعبًا جدًّا.

الجندي الذي قتل علي قتلني أنا أيضًا وقتل كلّ من أحبّه. كان يمكنه أن يكتفي بالتصويب نحو الرّجلين.

علم فلسطين مرفوعًا فوق التلّة في الموقع الذي قُتل فيه علي قينو. تصوير: سلمى الدّبعي، 14.1.2018
علم فلسطين مرفوعًا فوق التلّة في الموقع الذي قُتل فيه علي قينو. تصوير: سلمى الدّبعي، 14.1.2018

11.1.2018: مقتل أمير أبو مساعد (15 عامًا) من سكّان دير البلح

أمير أبو مساعد
أمير أبو مساعد

في 11.1.2018 جرت مظاهرة قرب الجدار الحدودي إلى الشرق من مخيّم البريج للّاجئين رشق خلالها شبّان الحجارة نحو الجنود الذين كانوا ينتشرون في الجهة الأخرى من الجدار. أطلق الجنود النيران على أبو مساعد وأصابوه في إبطه بجراح أدّت إلى مقتله حين كان يقف على بُعد نحو 50 -70 مترًا من الجدار.

في إفادة أدلى بها يوم 15.1.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة، حدّث أ.ن. من سكّان مخيّم البريج للّاجئين بما جرى:

نحو الساعة 16:20 صعدت أنا والشبّان الذين كانوا معي إلى أعلى نقطة وجدناها في محيطنا لكي نتمكّن من رؤية الجنود. بعد مضيّ نحو خمس دقائق نزل معظم الشبّان لأنّهم خافوا وبقينا أنا وشابّ آخر لا أعرفه. فجأة أطلقوا علينا النار. أصبت برصاصة في الفخذ الأيسر شعرت بارتخاء في الرجل ووقعت أرضًا. رأيت دمًا يسيل من الجرح. أصيب الشابّ الثاني أيضًا وكان على بُعد أربعة أمتار منّي. رأيت شبّانًا يحملونه. بعد ذلك تبيّن لي أن اسمه أمير أبو مساعد. نُقل إلى مستشفًى في دير البلح وكان قد فارق الحياة.

أبو مساعد نُقل إلى مستشفًى في دير البلح وكان قد فارق الحياة.

15.1.18: مقتل أحمد سليم (28 عامًا) من سكّان جيّوس

أحمد سليم
أحمد سليم

في 15.1.2018 عند الساعة 13:00 تقريبًا انتشر عشرة شبّان من قرية جيّوس شرقيّ قلقيلية، على امتداد مسار جدار الفصل المحاذي لقريتهم ورشقوا الحجارة نحو سيّارتي جيب استقلّهما عناصر من قوّات الأمن في دوريّة على الطريق الملاصق للجدار. أطلق الجنود وعناصر حرس الحدود النار والغاز المسيل للدموع من داخل الجيب نحو الشبّان. قرب الساعة 16:00 غادرت إحدى سيّارتي الجيب المكان وحلّ مكانها جيب آخر ترجّل منه أربعة جنود ملثّمون. بعد مضيّ نصف ساعة تقدّم أحمد سليم نحو الجزء الشمالي من تلّة كان يقف فوقها مع الشابّ أ.ن. (20 عامًا) والذي أدلى بإفادته أمام الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي يوم 22.1.2018 قائلاً:

كنّا نرشق الحجارة نحو الجنود الملثّمين وأخذوا هم يتقدّمون على الطريق. تقدّم أحمد مقابلهم على التلّة فوق مسار الجدار. بقيت أنا في مكاني على بُعد نحو 20 - 30 مترًا منه. شاهدت أحمد ينحني ويلتقط حجرًا صغيرًا لكي يرشق به الجنود وعندها صوّب أحدهم بندقيّته نحوه. رأيت الجندي يطلق عليه النار وسمعت ثلاث طلقات يبدو أنّ إحداها أصابته إذ وقع هو أرضًا على جانبه الأيسر. زحفت مقتربًا إليه ابتسم إليّ وطلب أن أحمله. لم أستطع ذلك لأنّ الجنود كانوا لا يزالون هناك وخشيت أن يطلقوا النار عليّ. سحبته مسافة عشرة أمتار تقريبًا لكي أبعده قليلاً عن أبصار الجنود.

جاء إلى المكان ركضًا اثنان من سكّان القرية بعد سماعهم صوت الطلقات. حمل أحدهما أحمد وأخذه إلى سيارة الإسعاف التي كان السكّان قد استدعوها وكانت تنتظر على بُعد نحو 400 متر من المكان. نُقل إلى المستشفى في قلقيلية وهناك أعلن الأطبّاء وفاته بعد محاولات إنعاش لم تُجدِ نفعًا.

הכביש שעליו עמדו החיילים, גדר ההפרדה ומעבר לה, הגבעה שעליה נהרג אחמד סלים. צילום: עבד אל-כרים סעדי, 16.1.18. الشارع الذي وقف فيه الجنود وجدار الفصل ومن خلفه التلّة التي قُتل فوقها أحمد سليم. تصوير: عبد الكريم سعدي، 16.1.2018
الشارع الذي وقف فيه الجنود وجدار الفصل ومن خلفه التلّة التي قُتل فوقها أحمد سليم. تصوير: عبد الكريم سعدي، 16.1.2018

في إفادة أدلت بها أمام الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي يوم 25.1.2018، تحدّثت روان سليم (30 عامًا) شقيقة أحمد، متزوجة وأم لأربعة أطفال عن أخيها:

كنّا أنا وأحمد مقرّبَين جدًّا وحين كنّا صغارًا كانت أمي تلقبنا "توم وجيري". كان أحمد أسيرًا في سجون إسرائيل طيلة ثلاث سنوات وحين أفرج عنه عام 2016، سجّل لدراسة موضوع التربية في جامعة القدس المفتوحة. قبل سنة افتتح مطعمًا في الطابق الأرضي من منزلنا وفي نهاية يوم العمل كان يجلب مأكولات لي وللأولاد. كان يرغب في الزواج وقد ساعدته في البحث عن زوجة. أحمد كان شخصًا صبورًا وذا قلب كبير. كان يهتمّ بإخوتنا الصغار وبناتي الصغيرات أحببنه كثيرًا. عندما قُتل شارك في جنازته جميع سكّان القرية.

30.1.2018: مقتل ليث أبو نعيم (16 عامًا) من سكّان المغيّر

ليث أبو نعيم
ليث أبو نعيم

تقع قرية المغيّر شمال شرق رام الله. منذ 6.12.2017 في أعقاب "إعلان القدس" الذي صرّح به رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب وقعت قرب القرية مواجهات شبه يوميّة بين الشبّان وعناصر من قوّات الأمن. كان الشبّان يرشقون الحجارة نحو شارع 458 ("شارع ألون") المحاذي للقرية من جهة الشرق وكان عناصر قوّات الأمن يلقون نحو الشباب قنابل الصوت ويطلقون عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. إضافة إلى ذلك فقد اقتحمت قوّات الجيش القرية بشكل شبه يوميّ طيلة الأسابيع التي أعقبت تصريح ترامب.

في 30.1.2018 عند الساعة 15:00 تقريبًا خرجت مجموعة من شبّان القرية لرشق الحجارة نحو "شارع ألون". وصلت إلى المكان سيّارات جيب عسكرية ألقت نحوهم قنابل الصوت وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. عند الساعة 16:00 تقريبًا فرّ الشبّان إلى داخل القرية فطاردتهما اثنتان من سيّارات الجيب. انتشر جميع الشبّان في أنحاء القرية سوى ليث أبو نعيم (16 عامًا) الذي اختبأ بين أعمدة تحيط بساحة في مركز القرية. قرب ذلك المكان توقّفت سيّارتا الجيب العسكريّتان.

في إفادة أدلى بها يوم 31.1.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، وصف ع.م. (69 عامًا متزوّج وأب لستّة) ما الذي جرى حينئذٍ وفقًا لما شاهده من دكّانه القريب:

حاول الفتى الذي لا أعرف ما اسمه الاختباء أو رشق حجر لكنّي لم أره يرشق الحجر. على مسافة تقارب عشرين مترًا منه وقفت سيارة جيب. سمعت طلقة ورأيت الفتى يقع مباشرة على الأرض ثمّ لم يتحرّك. فورًا نزل جنديّ من الجيب ومن ثمّ نزل عدد آخر من الجنود ليتفحّصوا الوضع في محيط المكان. نظروا حولهم ونظروا تجاه الأسطح وهم يشهرون أسلحتهم. اقترب الجنديّ الذي نزل أوّلاً منّي مع جنديّ آخر وجّه إليّ سلاحه وأمرني بالدخول إلى الدكّان؛ ثمّ اقترب الاثنان من الفتى المصاب نظرا إليه عن كثب وتركاه هناك حيث عادا سريعًا إلى الجيب ثمّ غادر الجنود.

بعد أن اقترب الجنديّان من المصاب أبو نعيم ثمّ تركاه دون تقديم أيّ إسعاف طبّي له حمله شبّان من القرية إلى سيّارة خاصّة نقلته إلى المركز الصحّي في قرية ترمسعيّا المجاورة. في الطريق حاول أحد الشبّان طيلة الوقت إسعاف الجريح. قدّمت العيادة علاجًا سريعًا وبعد بضع دقائق نُقل المصاب إلى مستشفى في رام الله حيث وصل إلى هناك في حالة موت سريريّ. أعلن الأطبّاء في المستشفى وفاته وحدّدوا أنّ سبب الوفاة إصابة من رصاصة مطّاطية أصابت وجهه واخترقته إلى الجمجمة. لا داعي للقول إنّ إطلاق الرّصاص المطّاطي من مسافة تقارب عشرين مترًا نحو الجزء العلويّ من الجسد يخالف تعليمات إطلاق النار بالضبط بسبب النتائج الفتّاكة المترتبّة عليه - كما هو واضح في هذه الحالة.

في 9.2.2018 نُشر في جريدة "هآرتس" (العبريّة) أنّ قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية باشر التحقيق في هذه الحادثة.

الأعمدة التي اختبأ وراءها ليث أبو نعيم. تصوير: إياد حدّاد، 5.2.2018
الأعمدة التي اختبأ وراءها ليث أبو نعيم. تصوير: إياد حدّاد، 5.2.2018

نشأ ليث أبو نعيم في بيت جدّه منذ كان عمره سنتين. في إفادته من يوم 5.2.2018 أدلى بها الجدّ (63 عامًا متزوّج وأب لتسعة) أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، تحدّث عن حفيده قائلاً:

فتحي أبو نعيم.  تصوير: إياد حدّاد، 5.2.2018
فتحي أبو نعيم

منذ توفّيت والدته وهو في الثانية من عمره انتقل ليث ليسكن معي ومع زوجتي. في العام 2005 تزوّج والده ثانيةً وغادر القرية. لقد دلّلناه كثيرًا أكثر من أولادنا ولم ندعْه يشعر يومًا أنّه يتيم. بعد أن تزوّج جميع أولادنا وغادروا البيت كان ليث مبعث الفرحة فيه. كنا نشاركه حياته في كلّ شيء - لقد أحبّ كرة القدم كثيرًا وكان حارس المرمى في فريق المدرسة وفي نادي القرية كما أنّه فاز بكؤوس وميداليات كثيرة وكان يحلم أن يشتهر كلاعب كرة قدم محترف. كذلك أحبّ ليث السباحة وعندما كان يزور والده في قرية بيت سيرا كان يسبح في بركة القرية. لكنّه لم ير البحر في حياته رأى البحر الميت فقط. كان حلمي أن آخذه ليرى البحر ويزور حيفا ويافا.

لقد قتل الجندي حفيدي دون أيّ سبب وبدم بارد. هذا الأمر يحرق قلبي. لقد ترك فراغًا كبيرًا في حياتنا. كان الله في عون جدّته. أصابتها الصدمة حين سمعت خبر وفاته. ما كان منها سوى أن تنظر إلى صورة ليث وتبكي. إنّها لا تنام في اللّيالي وأنا أستيقظ كلّ حين وحين على صوت بكائها. إنّه شعورٌ صعبٌ جدًّا - لا يمكن وصفه بالكلمات.

مستجدات:

  • علي قينو: في 5.3.18 تلقّت بتسيلم بالبريد الإلكتروني تبليغًا من الوحدة القطرية للتحقيقات الميدانية، من قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية، أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية باشرت التحقيق في الحادثة. في 26.8.19 علمت بتسيلم أنّ ملفّ التحقيق قد أُغلق دون تقديم لائحة اتّهام.
  • أحمد سليم: في 5.3.18 تلقّت بتسيلم بالبريد الإلكتروني تبليغًا من الوحدة القطرية للتحقيقات الميدانية، من قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية، أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية باشرت التحقيق في الحادثة. في 26.8.19 علمت بتسيلم أنّه تمّ تحويل الملفّ لينظر فيه وكيل النيابة.
  • ليث أبو نعيم: في 9.2.18 نشرت وسائل إعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية باشرت التحقيق في الحادثة. في26.8.19 علمت بتسيلم أنّ ملفّ التحقيق قد أُغلق دون تقديم لائحة اتّهام.