Skip to main content
مرة مشاهدة: 440

دون سبب، أطلق جنديّ النار على سيّارة مرّت قرب نقطة عسكريّة فقتل السائق محمد موسى وجرح شقيقته

صباح 31.10.17، كان محمد موسى (26 عامًا) وشقيقته لطيفة (34 عامًا، متزوّجة وأمّ لخمسة) متّجهين إلى رام الله من قريتهم دير بلّوط، الواقعة إلى الغرب من سلفيت، في سيّارة يقودها محمد. كان غرض م...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

دون سبب، أطلق جنديّ النار على سيّارة مرّت قرب نقطة عسكريّة فقتل السائق محمد موسى وجرح شقيقته

محمد موسى. الصّورة قدّمتها العائلة مشكورة.صباح 31.10.17، كان محمد موسى (26 عامًا) وشقيقته لطيفة (34 عامًا، متزوّجة وأمّ لخمسة) متّجهين إلى رام الله من قريتهم دير بلّوط، الواقعة إلى الغرب من سلفيت، في سيّارة يقودها محمد. كان غرض محمّد تسلّم رخصة سواقة شاحنة من وزارة المواصلات في رام الله، أمّا لطيفة فكان عليها التقدّم لامتحان السواقة العملي. قرب الساعة 8:45 وصل الاثنان إلى دوّار يحاذي قرية النبي صالح (قرب مستوطنة حلميش). عندما دخلت السيارة الدوّار، خرج جنديّان من نقطة عسكرية قريبة جنوبيّ الدوّار من جهة يمين السيّارة. تشمل منشآت النقطة العسكرية مظلّة ("تَنْدا") ومكعّبات باطون وحواجز بلاستيك. نشرت وسائل الإعلام أنّ الجنديّين كانا قد تلقّيا بلاغًا عن سيّارة مشبوهة تقترب من موقعهما، أشارا إلى السيارة بالتوقّف، وعندها أطلقوا النار نحوها. التحقيق الذي أجرته بتسيلم يُظهر أنّ أحد الجنديّين رشّ صلية نيران أوتوماتيكيّة تجاه الجزء العلويّ من السيّارة، أصاب زجاجها الأماميّ، وواصل إطلاق النيران بعد أن تجاوزته السيارة. جُرح محمد موسى في الجزء العلويّ من جسده وواصل السفر نحو 150 متر أخرى، إلى جهة الشرق، وفقط عندئذٍ أوقف السيّارة. لطيفة موسى جُرحت في كتفها.

في إفادة أدلت بها يوم 2.11.17 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، إياد حدّداد، قالت لطيفة موسى:

حين دخلنا إلى الدوّار قرب حلميش. أنا كنت مشغولة في شحن بطاقة هاتفي النقّال. محمّد قال لي إنّ عليّ البدء في ارتداء الجلباب بدلاً من البنطلون، وأنّه يريد أن نتنزّه معًا ونشتري أغراضًا من رام الله. قفز جنديّان مقتربين من السيّارة، ولم ألحظهما من قبل. وجّه أحدهما سلاحه إلينا. رأيت الجندي الثاني يحاول منعه من إطلاق النار، لكن مع ذلك أطلق الجنديّ عيارًا واحدًا، وبعد ذلك أطلق علينا بضعة أعيرة.

كان محمّد يسوق ببطء، لأنّه موجود في الدوّار. قد يكون الجنديّان أمراه بالتوقّف، لا أذكر، ولكنّه خاف بسبب إطلاق النار، وربّما ارتبك. لم يحاول بأيّ شكلٍ من الأشكال دهس أحد، ولم يتّجه نحوهما بالسيارة، بل هو تابع السفر في اتّجاه رام الله حين اخترقت الرصاصات زجاج السيّارة الخلفيّ، بعد أن كنّا قد تجاوزنا الجنديّين. لا أذكر بالضبط كم عدد الأعيرة التي أطلقت، لكنّها كانت متتابعة. تحطّم الزجاج الخلفي واخترق الرّصاص السيّارة.

أُصبت في كتفي اليسرى. في البداية، بالكاد تنبّهت إلى أنّني أصبت، بسبب الهلع والخوف، وبسبب الرصاص الذي أصابنا. بصعوبة تمكّنت من التركيز وفهم ما يحدث لنا. واصل أخي السواقة إلى أن ابتعد عن الجنود مسافة تقارب مائة متر، وعندها توقّف. لقد قلق عليّ وقال لي: "خَيْتا، يبدو أنّ دماءً تسيل منك". لقد رأى الدماء تلوّث ملابسي فوق الكتف. وكانت بضعة نقاط من الدم على وجهي. رأيت الدماء تلوّث ملابسه في منطقة الظهر وقرب الخصر، وكذلك لوّثت الدماء المقعد. حاول أن يوقف أحدًا لأجل أن نتلقّى الإسعاف.

محمد نافع، طالب جامعي (22 عامًا) من نعلين، يعمل سائق تاكسي عمومي. حين رأى سيّارة محمد موسى في الدوّار كان هو يقلّ طلّابًا في سيّارته إلى جامعة بير زيت.

Thumbnail
رسم توضيحي لموقع الحادثة.

 في إفادة أدلى بها يوم 1.11.17 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، إياد حدّاد، وصف محمد نافع ما جرى عندئذٍ:

מוחמד נאפע. צילום: איאד חדאד, בצלם.دخلت منطقة دوّار حلميش. حينما كنت في وسط الدوّار كانت أمامي سيّارة مسافرة في اتّجاه رام الله. خرج جنديّان من النقطة العسكرية نحو الشارع وتقدّما من السيّارة؛ وهي لم تكن مسرعة، لأنّها كانت في الدوّار. أحد الجنديّين، وكان على بُعد بضعة أمتار منّي، صرخ باللّغة العبرية -وأنا أفهم العبرية جيّدًا- يأمر السائق بالتوقّف وفي الوقت نفسه يرشّ السيارة بالرّصاص (إطلاق أوتوماتيكي). لم يتوقّف السائق. الجنديّ أطلق الرصاص مباشرة نحو الجزء العلويّ من السيارة. قال له الجنديّ الثاني: "لماذا تفعل ذلك؟ من الخطأ أن تتصرّف هكذا!" الجنديّ الذي أطلق النيران قال: "لا تتدخّل. هذا شُغلي". واصلت السيّارة السفر وتوقّفت عند منحنى الشارع، على بُعد 150 متر تقريبًا. 

أخذ الجنديّان يتقدّمان نحو السيّارة التي توقّفت، ولكن قبل أن يصلا إليها استدارا وعادا إلى النقطة العسكرية. محمد نافع توقّف في محاذاة السيارة التي كان فيها محمد موسى وشقيقته، ونزل أيضًا جزء من الركّاب الذين أقلّهم. لطيفة، التي كانت تشعر بدوخة، تمّ نقلها إلى مستشفى في رام الله، في سيارة مرّت من المكان. أجريت لها في المستشفى فحوصات طبّية وصور، وتبيّن أنها تعاني كسرًا في الكتف؛ ثمّ أجريت لها عملية لتجبير الكسر. 

نافع وأناس آخرون كانوا قد جاءوا لتقديم المساعدة، اتّصلوا بنجمة داوود الحمراء والهلال الأحمر الفلسطيني، لاستدعاء سيّارة إسعاف لأجل موسى. في هذه الأثناء حاول نافع وأحد الركّاب وقف نزف جراح موسى، الذي كان مازال في كامل وعيه. بعد مضيّ بضعة دقائق وصل إلى المكان عدد من الجيبات العسكرية وسيّارة شرطة، وبعد ذلك بدقائق وصلت سيارة إسعاف إسرائيلية. أيٌّ من الجنود أو أفراد الشرطة أو المسعفين الإسرائيليين لم يقدّم لموسى إسعافات أوّلية. بعد مضيّ نحو عشر دقائق على إطلاق النار وصلت إلى المكان سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر، ونزل منها مسعفان اثنان تقدّما نحو موسى. بعد ذلك بقليل، انضمّت إليهم مسعفة إسرائيلية وشخص آخر إسرائيلي؛ ويبدو أنّهما جاءا في سيّارة الإسعاف التابعة لنجمة داوود الحمراء. قدّم هذان مساعدة قليلة، ولكن بعد ذلك بوقت قصير أوقف أفراد الشرطة والجنود عمل المسعفين.

שמשת מכוניתם של האחים מוסא, מנוקבת בקליעי החיילים. צילום:
ثقوب رصاص الجنود في زجاج سيّارة الأخوين موسى. تصوير: أحمد خبّازي، 31.10.2017

مأمون مناصرة، مسعف في الهلال الأحمر، وصف تلك الدقائق في إفادته التي أدلى بها يوم 21.11.17، أمام الباحث الميداني من بتسيلم، إياد حدّاد:

مأمون مناصرة. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم، 21.11.2017في لحظة وصولنا رأيت سيّارة إسعاف تابعة لنجمة داوود الحمراء، كانت قد وصلت قبلنا. لم يقدّم أحد إسعافًا للجريح قبل وصولنا. ابتدأت في فحص الجريح، وطلبت من زميلي بسّام أن يُحضر حقيبة الإسعاف، مقصًّا وعبوة أكسجين، وفورًا بدأت في معالجة المصاب. حالته بدت مستقرّة. كان في وعيه، وجميع المؤشّرات الحيوية كانت سليمة، وكان يتكلّم ويتنفّس. سأل عن حالة المصابة الثانية، وكان يعود ويكرّر "أين أختى، ماذا جرى لأختى". 

تقدّمت مسعفة إسرائيلية من المصاب، وكلّ ما فعلته أنّها ألصقت "بْلاسْتِر" فوق الشاش. لا هي ولا أيّ إسرائيلي آخر قدّم مساعدة أخرى. حتّى أنّهم لم يحضروا معهم معدّات الإسعاف الأوّلي من سيّارة الإسعاف الإسرائيلية. عندما هممت بتثبيت "الإينفوزيا" الثانية على يد المصاب، طردتنا الشرطة من المكان. طلب منهم بسّام أن ينتظروا إلى حين وصل المصاب بـ"الإينفوزيا"، لكنّهم رفضوا. أحد أفراد الشرطة أمرنا أن نضع كلّ شيء من أيدينا وأن نغادر المكان. قال لنا "خلص، اذهبوا، لا تفعلوا شيئًا، اذهبوا إلى السيّارة". 

أيضًا بسّام عابد، مسعف وسائق سيّارة إسعاف الهلال الأحمر - من محطّة البيرة، وصف ما حدث، في إفادة أدلى بها يوم 2.11.17 أمام الباحث الميداني إياد حدّاد، من بتسيلم:  

أمرَنا الجنود بترك المصاب، رغم أنّنا كنّا نحن من يقدّم له الإسعاف الأوّلي. كنّا قد تمكّنا من وصل "الإينفوزيا" بالوريد ولفّ الجرح الخلفي فقط. فعلنا وفق تعليماتهم وتركناه. في هذه الأثناء أخذ المصاب يفقد وعيه، ارتخى جسده وصار لونه مائلاً إلى الزُّرقة. طلبنا وصله بالأكسجين، لكنّ الجنود أمرونا بتركه، وعندها اضطررنا لأخذ معدّاتنا والابتعاد من المكان. قلت للجنود باللغة الانجليزية إنّه يحتاج بشكل ضروريّ إلى أكسجين وسوائل، وأنّه يجب أن يبقى مستيقظًا وألّا سيفقد وعيه. أجابني أحد الجنود: "نحن سوف نعطيه كلّ هذا، لا تقلقوا". أنزل المسعفون الإسرائيليون نقّالة، حمّلوا المصاب عليها، ونقلوه إلى سيّارة الإسعاف الإسرائيلية مستعينين بأشخاص بلباس مدنيّ وبجنود مسلّحين. حملوه بطريقة مخالفة تمامًا لقواعد إخلاء مصابين، كما أنّه خلال ذلك سقطت إبرة المصل التي كنّا قد وضعناها له.

أُخلى محمّد موسى في سيّارة إسعاف نجمة داوود الحمراء إلى مستشفى بِلينسون في إسرائيل، وبعد وصوله بقليل توفّي جرّاء إصابته. أمّا شقيقته، لطيفة، فقد رقدت قيد العلاج في مستشفى برام الله حتى يوم 5.11.17. 

Thumbnail
لطيفة موسى في المستشفى. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم، 2.11.2017

في الإفادة التي أدلت بها، وصفت لطيفة مشاعرها: 

فقط في اليوم التالي أخبروني أنّ أخي قد توفّي. كنت في صدمة، خاصّة وأنّه حين تركته كان يتنفّس ويتكلّم، ولم يخطر في بالي أنّه قد يموت. فقط منذ لحظات كنّا نتمازح، نسمع الأغاني، ونلتقط الصور لـ"سناب تشات"، وكنّا فرحَين. لا تقدر أن تتخيّل كما كنّا سعيدَين. فجأة اختطف القدر أخي محمد من بيتنا. اللحظات والأيام السعيدة صارت ذكريات. 

يبيّن تحقيق بتسيلم أنّ الجندي قتل بنيرانه محمد موسى، وجرح لطيفة موسى، شقيقة محمد، دون أيّ مبرّر، ودون أن يبدر عنهما ما يهدّد بأيّ خطر. حتّى أنّه واصل إطلاق النيران على السيّارة بعد أن تجاوزته. كذلك يبيّن التحقيق انّ الجنود في المكان، وقوّات الأمن التي وصلت لاحقًا، والمسعفين الإسرائيليين امتنعوا طيلة دقائق عن تقديم أيّ إسعاف طبّي للجرحى؛ بل هم بعد ذلك عرقلوا -دون تقديم أي مبرّر- عمل المسعفين الفلسطينيين حين كانوا منشغلين بتقديم الإسعاف للمصابَين؛ وحملوا المصاب موسى إلى سيّارة إسعاف إسرائيلية بخشونة وفظاظة ربّما كان لهما دور في تدهور وضعه إلى الأسوأ. بمقتل موسى، يصل عدد الفلسطينيين ضحايا قوّات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ بداية 2017 إلى 36 قتيلاً. 

نشرت وسائل الإعلام أنّ قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية قد شرع في التحقيق بإطلاق النار، وأنّ قائد القوّة في موقع الحادثة قد أبعد عن منصبه. لكن تجارب الماضي علّمتنا أنّ هذا التحقيق - وعلى نحوٍ شبه مؤكّد - لن ينتهي إلى محاكمة المسؤولين عن القتل المخالف للقانون، فكم بالحريّ ذوي المناصب الأعلى. هذه التجربة - الشاهدة على أنّ مثل هذه التحقيقات تكاد في معظم الحالات تنتهي بطمس الحقائق - هي التي قادت بتسيلم إلى التوقّف عن التوجّه إلى النيابة العسكرية مطالبة بفتح تحقيق. ورغم ذلك، من المفهوم أنّ واجب التحقيق ومحاسبة جميع المتورّطين لا يزال من واجب الجهاز العسكريّ. لكن، طالما تواصل النيابة العسكرية سياسة الطمس المنهجي لقتل وجرح فلسطينيين على أيدي قوّات الأمن، فلن ينشأ رادع يؤدّي أخيرًا إلى وقف إطلاق النيران تجاه الفلسطينيين بهدف القتل. 
 

 

آخر الفيديوهات